تركيا تعيد اكتشاف نفسها وهويتها الأصيلة صابرينا عمران وافقت الحكومة التركية على تخفيف القيود المفروضة على الدين من خلال رفع الحظر المفروض على ارتداء النساء غطاء الرأس في الجامعات. مثل هذا القرار يبدو مسببا للمتاعب منذ الوهلة الأولى: فهل سيبدأ الاسلام باحداث التآكل في الديمقراطية العلمانية لتركيا؟ النظر إلى داخل تركيا وداخل المجتمع التركي قد يعطي الاجابة الخاطئة. فتركيا تتميز بشيء من التناقض فالاتراك يعتبرون من اكثر الشعوب تدينا وهم في نفس الوقت في بلد ديمقراطي توجد فيه طبقة من غلاة العلمانيين يأتي على رأسها العسكر والقضاة، وهي تدير الأمور من خلال المحاكم والانقلابات. هذا التناقض تمتد جذوره إلى قلب تركيا الحديثة التي يوجد بها 70 مليونًا معظهم من المسلمين وهي تقع جغرافيًا بين أوروبا والشرق الأوسط. الحكومات التركية التي انتخبت بصورة ديمقراطية لم تتمكن من إدارة الشأن التركي بالكامل. فهناك شلة تراقبها تتألف من الجنرالات والقضاة الذين ورثوا السلطة والنفوذ من مصطفى كمال اتاتورك ذلك الجنرال المستبد الذي اقام تركيا جديدة في 1923 على انقاض الامبراطورية العثمانية. النظام الذي اقامة اتاتورك كان طبقيا يأتي على رأسه النخبة الحضرية المشكلة من «الاتراك البيض الذين يتدخلون إذا ما رأوا ان القادة المنتخبين القادمين من اوساط الفقراء انحرفوا عن الطريق. يقول دنكر مير محمد ميزات العضو في حكومة حزب العدالة والتنمية «ينظر للمواطن التركي كما ينظر للطفل الصغير الذي يمكن ان يتسبب في اتلاف الاشياء الموجودة حوله مما يتطلب من ولي الأمر ان يقيم سياجا حول الطفل ويمنعه من الانطلاق خارجه. الآن الذي حصل في تركيا لأول مرة هو ان الطبقة المتدينة القوية اقتصاديا بعد ثلاثة عقود من التنمية المضطردة التي يقودها رجب طيب اردوغان، بدأت تتحدى النظام القديم القائم. وقد نجحت حكومة اردوغان فيما تفعله حتى الان. هذا بطبيعة الحال لا يرضي العلمانيين بل يثير غضبهم. وقد اصدر الزعيم القومي العلماني دينيس بيكال بيانا قال فيه «ان التحرك لوضع حد للحظر المفروض على ارتداء النساء لغطاء الرأس يعتبر هجوما مباشرا على أسس الجمهورية العلمانية التي اقامها اتاتورك». ويبدو ان القليل من الاتراك صدقوه فيما ذهب إليه. ان تركيا اشبه ما تكون بمغترب امضى معظم القرن الماضي في الغرب يحاول الفرار من ماضيه المتمثل في كونه عاصمة للشرق الإسلامي على مدار ستة قرون متتالية. وتحدي الحرس القديم بشأن موضوع مثل غطاء الرأس يعني ان تركيا بدأت تعود لوعيها ولنفسها. تقول دراسة أجرتها المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، وهي منظمة ابحاث محترمة مقرها استنبول ان 46% من الاتراك يصنفون انفسهم على انهم «متدينون جدا». وذكرت ان ثلثي النساء اللاتي شملتهن الدراسة يضعن غطاء الرأس بطريقة أو بأخرى لدى خروجهن من البيت بالنسبة لمعظم ابناء الشعب التركي، فإنهم ينظرون لارتداء غطاء الرأس في الجامعات على انه حق اساسي. يقول ارغون ازبودون الذي شارك في كتابة الدستور الجديد بناء على تكليف من اردوغان «انها قضية من قضايا حقوق الانسان لا علاقة لها بالعلمانية». ويضيف «خلال وجودي في الولاياتالمتحدة كان لدي طلاب من اليهود يرتدون العكنسوة اليهودية ولم يهتم احد لذلك». وفي تصريح له امام البرلمان، قال اردوغان «يجب ان يعرف الجميع اننا لا نسعى الا لتحقيق امر واحد وهو وقف المعاملة غير العادلة التي تلقاها بناتنا لدى دخول الجامعة». عن صحيفة الوطن القطرية 18/2/2008