أسعار الفاكهة اليوم السبت 29 نوفمبر.. البرتقال يبدأ من 8 جنيهات للكيلو    أسعار البيض اليوم السبت 29 نوفمبر    أسعار الحديد والأسمنت فى الأسواق اليوم السبت    استقرار سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 29 نوفمبر 2025    أسعار العملات مقابل الجنيه المصري في أسوان    تعرف على.. أسعار الأعلاف في أسوان اليوم السبت 29 نوفمبر 2025    كارثة صحية في أمريكا، وفاة أكثر من 10 أطفال بسبب لقاح "كوفيد-19"    الاستثمار الرياضي يواصل قفزاته بعوائد مليارية ومشروعات كبرى شاملة    نشرة أخبار طقس اليوم السبت| هدوء يسبق العاصفة "هام من الأرصاد"    آخر تطورات سعر الذهب في سوق الصاغة| عيار 21 وصل لكام؟    مأساة ورد وشوكولاتة.. بين الحقيقة والخيال    أفلام «الأجزاء الثانية».. حين يتحول نجاح قديم إلى اختبار جديد    الزوجان استدرجا تاجر الأدوات المنزلية لبيتهما واستوليا على أمواله وهواتفه    خرج في الصباح للمدرسة.. وعاد جثة هامدة    في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة .. القومي للمرأة يطلق حملة 16 يومًا    انقطاع التيار الكهربائي عن 17 قرية وتوابعها ب6 مراكز بكفر الشيخ اليوم    جوتيريش: للشعب الفلسطيني حق الكرامة والعدالة وحل الدولتين سبيل السلام    «قناع بسوسنس الأول».. درّة نادرة تتلألأ في قاعات المتحف المصري    إصابة شخصين على الأقل في إطلاق نار بمركز تجاري في كاليفورنيا    طيران نيوزيلندا: استدعاء طائرات إيرباص يتسبب بتعطل بعض الرحلات اليوم السبت    الجيش الاحتلال يحقق في تسريب معلومات حساسة قبل تنفيذه عملية بيت جن    رسميا، محمد بلال رئيسا ل نادي سموحة و"الغنيمي" نائبا (فيديو)    بقيادة رئيس حي الطالبية، حملة مكثفة في شارع ضياء البديل المروري لشارع الهرم بعد غلقه    حارس الجيش الملكي: غياب «الفار» حرمنا من ركلة جزاء ثانية أمام الأهلي    أحمد دياب: نريد إنقاذ الأندية الشعبية.. ولن نلغي الهبوط هذا الموسم    قدمته يسرا، لحظة تكريم الفنان حسين فهمي بمهرجان مراكش السينمائي (صور)    وصول هاني رمزي لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح    طبيب الأهلى يكشف تفاصيل إصابات 5 لاعبين فى مباراة الجيش الملكى    صلاح دندش يكتب : تخاريف    بيرو تعلن حالة الطوارئ على حدودها مع تشيلي وسط تزايد محاولات الهجرة    والدة شيماء جمال: لا تهاون مع من يحاول استخدام اسم ابنتي لمصالح شخصية    خبير تكنولوجيا يحذر من تجاهل التحولات الرقمية وسقوط ملايين الوظائف    محمد موسى يكشف أخطر أدوات الفوضى الرقمية واستهداف المجتمعات    تعرف على المستندات المطلوبة من حجاج الجمعيات بكفر الشيخ    توروب: الحكم احتسب ركلة جزاء غير موجودة للجيش الملكي    أبطال المشروع القومى للموهبة بكفر الشيخ يحصدون 6 ميداليات والمركز الثالث    خبر في الجول - عامر حسين يقترب من الإشراف على الكرة في الاتحاد السكندري    ننشر قائمة فئات المعلمين غير المستحقين لحافز التدريس    محمد موسى يفتح النار على مروجي شائعات شيماء جمال: ارحموا من تحت التراب    استشارية تربية تكشف تأثير الذكورية المفرطة على العلاقات الزوجية والأسرية    مولد وصوان عزاء| محمد موسى يهاجم مستغلي طلاق المشاهير    خبير تربوي: الطبيعة الفسيولوجية للرجل لا تبرر السيطرة المفرطة    عالم الأزهر يكشف مخاطر الخوض في حياة المشاهير على السوشيال ميديا    محمد موسى يفضح لعبة الإخوان: تجارة بالدين وخدمة لأجندات استخباراتية    هل يحتوى ترامب التصعيد بين الصين واليابان أم يشعله؟    نجاح أول جراحة للقلب المفتوح بالمجمع الطبي الدولي بالأقصر    وزير الثقافة يحيي روح الحضارة المصرية خلال مناقشة دكتوراه تكشف جماليات رموز الفن المصري القديم    الصباحى: ركلة جزاء الجيش الملكى غير صحيحة.. ورئيس الحكام يهتم برأى الاعلام    استقالة مدير مكتب زيلينسكى تربك المشهد السياسى فى أوكرانيا.. اعرف التفاصيل    لحظة الحسم في الإدارية العليا: 187 طعنًا انتخابيًا على طاولة الفصل النهائي    أخبار 24 ساعة.. مصر تفوز بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية    كيف ينتشر فيروس ماربورغ وأخطر أعراضه؟    تكريم حفظة القرآن الكريم بقرية بلصفورة بسوهاج    رفعت فياض يكشف حقيقة عودة التعليم المفتوح    المفتى السابق: الشرع أحاط الطلاق بضوابط دقيقة لحماية الأسرة    اختيار 374 أستاذًا من جامعة أسيوط ضمن قوائم المحكمين بالأعلى للجامعات    في الجمعة المباركة.. تعرف على الأدعية المستحبة وساعات الاستجابة    تحقيق عاجل بعد انتشار فيديو استغاثة معلمة داخل فصل بمدرسة عبد السلام المحجوب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دلالات مهمة لزيارة مبارك جنوب السودان / مكرم محمد أحمد
نشر في محيط يوم 15 - 11 - 2008

دلالات مهمة لزيارة مبارك جنوب السودان
مكرم محمد أحمد
لا غرابة في أن يكون لرحلة الرئيس مبارك المفاجئة الي جنوب السودان‏,‏ هذه الأصداء الإيجابية الواسعة التي جعلت منها حدثا تاريخيا بالغ الأهمية‏,‏ أشاع قدرا واسعا من التفاؤل في السودان‏,‏ خصوصا في الجنوب‏,‏ الذي استشعر كل مواطنيه أن وصول الرئيس المصري الي جوبا في هذه الظروف الصعبة التي يعيشها السودان‏,‏ يؤكد التزاما مصريا مسئولا بضرورة بذل كل الجهود الممكنة لضمان حسن التواصل بين الجنوب والشمال‏,‏ والعمل تباعا علي حل المشكلات العالقة بين الجانبين بسبب اختلاف فهم كل منهما لتنفيذ عدد من بنود اتفاقية السلام التي وقعها الجانبان في مدينة نيفاشا الكينية عام‏2005,‏ والالتزام الأمين من الجانبين بضرورة التطبيق الحرفي لبنود هذا الاتفاق دون اللجوء مرة أخري الي العمل العسكري‏,‏ كما حدث أخيرا في مشكلة ولاية أبيي‏ .
كما يؤكد حرص مصر علي استمرار دعمها لمشروعات التنمية في جنوب السودان علي نحو مباشر من خلال عدد من المشروعات المصرية المهمة التي تتعلق بإقامة شبكات الإنارة والكهرباء في أربع مدن جنوبية هي الواو وبامبو ورمبيك وبور‏,‏ وإنشاء فرع لجامعة الاسكندرية في مدينة جوبا تتعجل مصر استلام أرضها من بلدية جوبا كي يبدأ التنفيذ الفوري للمشروع‏,‏ وتطهير بحر الغزال الذي تسد مجراه النباتات النيلية الكثيفة ليتم استخدامه كمجري ملاحي يربط بين الشمال والجنوب‏,‏ إضافة الي مستشفي كبير وعدد من العيادات الخارجية في مدن الجنوب وبعض المدارس الفنية الزراعية والصناعية‏,‏ وتشجيع رءوس الأموال المصرية والعربية علي العمل بجد في جنوب السودان‏,‏ كي تصبح وحدة الشمال والجنوب عنصرا جاذبا يشجع سكان الجنوب علي التصويت لصالح وحدة السودان في الاستفتاء الذي سوف يجري في جنوب السودان عام‏2011‏ تطبيقا لاتفاقية السلام‏,‏ بدلا من قيام دولة انفصالية جديدة‏!.‏
والواضح أيضا أن زيارة مبارك لجنوب السودان قد خلفت ارتياحا عاما داخل شمال السودان‏,‏ يعززه قدر كبير من الثقة في أن جهود مصر في الجنوب تستهدف أولا وقبل كل شئ مساعدة الجنوبيين علي لملمة جراح الحرب الأهلية التي مزقت العلاقات مع الشمال‏,‏ ومحاولة كسب عقول الجنوبيين وقلوبهم الي جوار خيار الوحدة مع الشمال‏,‏ لأن الوحدة تعني منافع متكافئة للجانبين تنظمها اتفاقية السلام التي تساعد علي إيجاد سودان جديد أكثر تسامحا‏,‏ متعدد الأعراق والديانات والثقافات‏,‏ تكمن قوته في تنوع عناصره وثقافاته‏,‏ يحافظ علي وجهه العربي لكنه لا يفرط في انتمائه الإفريقي والزنجي‏,‏ ويواصل دوره كجسر اتصال بين شمال القارة وجنوبها وليس جدارا عازلا يفصل بين العرب الافارقة والزنوج السود كما هو حادث الآن في دارفور‏.‏
صحيح أن المصريين يبذلون علي امتداد السنوات الأخيرة جهودا مضاعفة لتوثيق علاقاتهم مع جنوب السودان‏,‏ ويخصصون لأبناء الجنوب كل عام‏300‏ منحة دراسية في جامعات مصر ومعاهدها العليا‏,‏ لأن لمصر مصالح مهمة في الجنوب‏,‏ تتعلق بمياه النيل التي يضيع أكثر من نصفها بسبب ارتفاع نسبة البخر في مناطق المستنقعات‏,‏ في منطقة البحيرات وبحر الغزال‏,‏ ولأن مصر تريد إحياء مشروع قناة جونجلي الذي يضاعف إيراد نهر النيل لأنه سوف يجفف مساحات ضخمة من أراضي المستنقعات‏,‏ لكن هذه المشروعات تهم السودان أيضا كما تهم باقي دول حوض النيل لأن زيادة عوائد نهر النيل من المياه سوف تعود بالخير علي الجميع‏,‏ بما يكرس صحة الهدف الاستراتيجي المصري الذي يجعل الحفاظ علي وحدة السودان هي الخيار الأول والأهم‏,‏ لأن وحدة السودان تمثل بالنسبة لمصر عمقا استراتيجيا يصعب التفريط فيه‏,‏ ولأن استقرار السودان هو في الحقيقة قضية أمن مصري‏..,‏ ولنتخيل جميعا الأثر المباشر علي مصر نتيجة طوفان من الهجرة السودانية القادمة من الجنوب الي الشمال‏..‏ الي مصر‏,‏ بسبب غياب الاستقرار في شمال السودان‏,
‏ أو بسبب تفجر الصراعات العرقية في جنوبه علي نحو ما يحدث الآن في منطقة البحيرا ت من حروب عرقية تتجاوز أعداد ضحاياها مئات الألوف من المدنيين الأبرياء الذين يسارعون الي الهجرة طوفانا من الزحف البشري هربا من الحرب الأهلية‏!.‏
وأظن أن بعض ساسة شمال السودان الذين كانوا يتشككون في أهداف السياسة المصرية الي حد محاولة إفهام الجنوبيين بأن مشروع قناة جونجلي الذي ينقل جانبا ضخما من الحياة في جنوب السودان من حياة الرعي المتنقلة الي الزراعة المستقرة ويجفف مساحات واسعة من المستنقعات التي تعمل لتفريخ أوبئة الملاريا‏,‏ هو في صالح المصريين فقط وليس في صالح الجنوبيين لأنه سوف يغير بيئتهم‏!,‏ والذين كانوا حتي عهد قريب يفسرون خطوات مصر في الجنوب وتشجيعها لعدد من مشروعات التنمية هناك بأنه نوع من إعادة ترتيب علاقاتها مع السودان‏,‏ اذا قامت الدولة الانفصالية في الجنوب‏,‏ هؤلاء يدركون في أعماقهم الآن‏,‏ أن مصر ملتزمة أولا بوحدة السودان‏,‏ فعلت كل ما في وسعها في السابق من أجل الحفاظ علي وحدته‏,‏ وعارضت تفاوض الأحزاب الشمالية مع الجنوبيين حول حق تقرير المصير بعد انتهاء الحرب الأهلية في الجنوب عام‏2005,‏ خوفا علي وحدة السودان‏,‏ وأظن أنهم يعرفون علي وجه اليقين بعد كثير من التجارب المرة‏,‏ أن السودان الموحد لايزال يمثل هدفا استراتيجيا مصريا‏,‏ لأن تفكك السودان الي دويلات وإمارات عرقية وعنصرية صغيرة يؤثر علي استقرار مصر ويمثل تهديدا لأمنها القومي‏,
‏ كما يؤثر في استقرار القارة الإفريقية‏,‏ وينقل الي مناطق افريقية كثيرة عدوي النزاعات العنصرية وتفكيك دول القارة الي دويلات صغيرة متنازعة كما هو الحال الآن في منطقة البحيرات‏.‏
واذا كانت رحلة مبارك الي جنوب السودان تكتسب أهميتها التاريخية من أنها أول رحلة لرئيس مصري يزور جنوب السودان منذ زارها الرئيس عبدالناصر عام‏1962,‏ وأنها تتم في ظروف صعبة‏,‏ نتيجة استمرار الحرب الأهلية في دارفور دون أن تلوح في الأفق بادرة حقيقية لمصالحة وطنية شاملة‏,‏ ونتيجة الخلافات المتزايدة بين الأشقاء في الشمال والجنوب حول عدد من تطبيقات اتفاقية نيفاشا للسلام‏,‏ خصوصا ما يتعلق منها بمصير ولاية أبيي الغنية بالبترول ومشكلات ترسيم خط الحدود بين الشمال والجنوب الذي تنص عليه الاتفاقية‏,‏ وتباطؤ الشمال في فتح مكاتب دبلوماسية تمثل الجنوب داخل السفارات السودانية في الخارج‏,‏ وكيفية عمل الوحدات العسكرية المشتركة ما بين جيش السودان وقوات حكومة الجنوب في مناطق الحدود‏,‏ والشكوك المتزايدة من جانب شمال السودان في خطط الجنوبيين لإنشاء شبكة طرق تربط جنوب السودان بجيرانه الثمانية من الدول الإفريقية‏,
‏ خصوصا كينيا وإثيوبيا اللتين احتضنتا حركة التمرد في جنوب السودان منذ بدايتها‏,‏ فضلا عن المناخ الصعب الذي يعيشه السودان الآن بسبب قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية اتهام الرئيس البشير وحكومته بارتكاب جرائم عنصرية في دارفور تستحق محاكمة دولية‏.‏
تأتي زيارة مبارك الي جنوب السودان في هذه الظروف الصعبة دعما لوحدة السودان وحرصا علي استقراره وأمنه‏,‏ لتضفي جوا من التفاؤل والأمل في كل ربوع السودان‏,‏ بأن الأزمة الصعبة التي يعيشها السودان يمكن أن تجد انفراجا حقيقيا‏,‏ إذا وثق السودانيون في الدعم المصري‏,‏ واستمعوا الي نصيحة مبارك‏,‏ وأدركوا أن الخروج من الأزمة‏,‏ يقتضي مساحة أوسع من التسامح والتفاهم تعزز استقرار الشمال‏,‏ وتمنع تصاعد التوتر بين قواه السياسية‏,‏ وتحميه من التدخلات المحتملة لقوي الخارج‏,‏ كما تتطلب تطبيقا أمينا وحرفيا لكل بنود اتفاقية السلام التي تم توقيعها بين الجنوب والشمال مهما تكن صعوبات التطبيق علي نفوس بعض الشماليين‏,‏ كما تتطلب رؤية سودانية مخلصة لكل عناصر قضية دارفور‏,‏ تلتزم الوفاء بكل ما قدمه السودان من وعود وبنود وتغيير الصورة علي أرض الواقع والربط الصادق بين القول والفعل‏,‏ وبذل كل الجهد لاستعادة ثقة المجتمع الدولي‏,‏ لأنه ما لم تتغير صورة الواقع علي أرض دارفور فسوف يكون من الصعب‏,‏ بل ربما من المستحيل وقف دوران عجلة العقوبات في مجلس الأمن وتطبيق البند السابع من الميثاق علي حكومة الخرطوم‏,
‏ وبسبب الثقة المتزايدة في قدرة الموقف المصري علي حصار أزمة السودان وتصفيتها‏,‏ اختار الرئيس البشير أن يكون مبارك حكما عدلا في معظم هذه القضايا يلتزم السودان بما يراه‏,‏ لأن السودان يعرف تماما الآن‏,‏ ان مصر تريد أولا وقبل كل شئ الحفاظ علي وحدة السودان‏,‏ وأن الرئيس مبارك الذي اسقط من حساباته كل مشاعر الغضب الشخصي إثر محاولة اغتياله في أديس أبابا التي كان قد تم التخطيط لها في الخرطوم‏,‏ عندما استشعر أن الآخرين يريدون استثمار ما حدث في أديس أبابا من أجل حصار السودان وضرب استقراره والمساس بوحدته‏,‏ لايزال علي عهده يعتبر استقرار السودان ووحدته جزءا لا يتجزأ من قضية الأمن المصري‏.‏
لم يكن وصول الرئيس مبارك الي جوبا مفاجأة كاملة لنائب الرئيس البشير ورئيس حكومة الجنوب سلفا كير‏,‏ لأن سلفا كير كان قد تحصل قبل عام علي وعد من الرئيس مبارك بأنه سوف يزور جوبا‏,‏ وكان يلح علي ضرورة التعجيل بالزيارة لأنه يثق كما قال للرئيس في أن اثرها النفسي سوف يكون كبيرا وضخما علي أبناء الجنوب‏,‏ لكن زيارة رئيس مصر لجنوب السودان ينبغي أن تتم في مناخ مفعم بالثقة الكاملة بين حكومة مصر وحكومة الخرطوم كي تؤتي الزيارة أكلها‏,‏ وينتج عنها نقلة حقيقية في أوضاع السودان تعكس وزن مصر وثقلها‏,‏ وأظن أن الموعد المناسب لهذه الزيارة تحقق بالفعل يوم أسقط حكام الخرطوم حساسيتهم المفرطة تجاه أي جهد مصري يتم في الجنوب‏,‏ وأدركوا أن هذا الجهد يستهدف أولا صالح السودان الموحد‏,‏ كما يستهدف صالح مصر‏,‏ وأكدوا في مباحثاتهم مع الرئيس مبارك التزامهم الكامل بالتطبيق الحرفي لكل بنود اتفاقية السلام‏,‏ لأن ذلك يمكن أن يعزز جسور الثقة المشتركة بين الجانبين‏,‏ واذا كانت حكومة الخرطوم تبدي بعض القلق من حرص الجنوبيين علي إنشاء شبكة مواصلات تربطهم بالدول الإفريقية جنوبا‏,‏
فإن مصر يمكن أن تساعد علي تطهير المجري الملاحي في بحر الغزال بما يعبد طريق الملاحة بين الشمال والجنوب‏,‏ ويجعل من ميناء بورسودان مخرجا لتصدير حاصلات الجنوب‏,‏ كما يدخل ضمن خطط المصريين أن يطلبوا من القمة الاقتصادية العربية التي تنعقد في الكويت ضرورة الاسهام في إنشاء طريق بري طولي يربط بين جنوب السودان وساحل المتوسط‏,‏ وليس في أي من هذه المشروعات‏,‏ كما أكد الرئيس مبارك في مباحثاته مع الرئيس البشير أي تناقض حقيقي‏,‏ لأن وجود بنية أساسية من الطرق والمواصلات يربط بين شمال السودان وجنوبه‏,‏ ويربط بين الجنوب وعمق القارة الإفريقية‏,‏
ويربط بين عمق القارة الإفريقية وساحل المتوسط سوف يكون في خدمة مشروعات التنمية المشتركة لهذه المناطق‏,‏ كما أن مد جسور التعاون الثقافي من القاهرة الي الخرطوم الي جوبا يعني في النهاية إيجاد جسور صحيحة من الفهم المتبادل والمشترك‏..,‏ وكم كان جميلا أن يسأل رئيس حكومة الجنوب سلفا كير معاونيه‏,‏ وهم يجلسون الي جواره علي مائدة المباحثات مع الرئيس المصري من أين تخرجتم فتكون اجابة الجميع فردا فردا من الجامعات المصرية‏,‏ وعندما يعاود سلفا كير سؤالهم عن حجم المترددين علي العيادات الطبية التي أنشأتها مصر في عدد من مدن الجنوب‏,‏ يجئ رد الجميع نحن وكل عائلاتنا وجميع الأهلين‏,‏ لذلك لم يكن صدفة أن يعلن سلفا كير في أول تصريحاته بعد زيارة الرئيس مبارك‏,‏
أن الخيار الأول للجنوبيين ينبغي أن يكون خيار الوحدة مع الشمال بما يعكس الأمل في إمكان أن يتحقق الهدف الذي يراه الجميع أمرا مستحيلا ويحافظ السودان علي وحدته‏,‏ لكن ذلك يتطلب أولا وأخيرا رؤية جديدة من حكومة السودان تساعد علي ايجاد سودان جديد أكثر تسامحا‏,‏ يتمتع فيه الجميع بحقوق المواطنة‏,‏ تثق بقدرة الجنوبيين علي أن يحكموا الجنوب في إطار ديمقراطية حقيقية تسمح لسلفا كير حاكم الجنوب أو سلفه القادم بأن يقدم نفسه مثل أي سوداني في الشمال للترشيح علي منصب رئيس جمهورية السودان العربي الأصل‏,‏ الافريقي الانتماء‏,‏ الزنجي الملامح الذي يجعل الدين لله والوطن للجميع‏.‏
وأستطيع أن أقطع استنادا الي مصادر عليمة‏,‏ بأن مباحثات مبارك والبشير في زيارة الخرطوم الأخيرة‏,‏ كانت صريحة ومباشرة يصدق فيها المثل الدارج صديقك من صدقك وليس من يصدقك‏,‏ خصوصا فيما يتعلق بقضية دارفور‏,‏ وأظن أن حجر الزاوية في الرؤية المصرية يلخص في هذه العبارة الموجزة التي قالها مبارك للرئيس السوداني ما لم يتغير الواقع علي أرض دارفور‏,‏ ويحس المجتمع الدولي بأن شيئا حقيقيا قد ظهر وأصبح واضحا للعيان فربما يكون من الصعب وقف عجلة العقوبات الدولية خصوصا اذا تبني مجلس الأمن قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية‏.‏
وقد لا ترضي هذه النصيحة أصحاب الشعارات الفارغة‏,‏ هنا أو هناك‏,‏ لكن معظم هؤلاء حرصوا يومها علي ضرورة محاكمة البشير بدعوي أن محاكمة البشير يمكن أن تدعم ديمقراطية العالم العربي‏,‏ دون اعتبار لكرامة الأوطان ودون رؤية صحيحة لحجم الفوضي الضارية التي يمكن تصديرها الي داخل السودان‏,‏ في شماله قبل جنوبه‏,‏ نتيجة تصور البعض أن الحكم يهتز ويضعف بسبب المحاكمة بما يفتح الطريق الي نزاعات داخلية علي السلطة‏,‏ تعطي المجال لقلة منظمة يمكن أن تسعي لسد الفراغ الناشئ وسط هذه الفوضي الضارية‏,‏ وتحاول القفز الي السلطة دون أن تفتح الأبواب لمزيد من الديمقراطية كما يتصور هؤلاء‏,‏ لأن بناء الديمقراطية يحتاج الي جهد منظم يتم بالتوافق بين غالبية القوي الوطنية‏,‏ ولأن الفوضي لا تثمر في النهاية سوي المزيد من الفوضي‏!.‏
وتعتقد القاهرة كما أسرت للخرطوم أن وقف إطلاق النار الفوري في دارفور‏,‏ والسماح لقوات حفظ السلام الدولية الموجودة في المنطقة والتي تشارك فيها قوات مصرية بأن تمارس مهامها في حماية المدنيين‏,‏ والتطبيق الأمين لنزع أسلحة الميليشيات المسلحة للجانبين خصوصا الجنجويد‏,‏ التي كانت تساند الحكومة‏,‏ والفرق المسلحة الأخري التي استعانت بقوي الخارج علي تسليحها كي تصنع من صدام قبلي عادي‏,‏ يحدث عادة بين الرعاة والزراع في مناطق التخوم خلال مواسم الجفاف‏,‏ صراعا علي الماء والعشب‏,‏ حربا أهلية‏,‏ ومحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور الذين ورد ذكرهما في قرار اتهام المحكمة الجنائية أمام محكمة سودانية توفق أوضاعها القانونية مع أحكام القانون الدولي الذي ينظم عمل المحكمة الجنائية‏,‏ كل هذه الإجراءات اذا التزمت فيها حكومة الخرطوم حسن النيات وسلامة القصد يمكن أن تساعد علي تأجيل قرار مجلس الأمن واعطاء فسحة زمنية أطول‏,‏ تعطي فرصة لنجاح الحوار بين الخرطوم وجميع فصائل المتمردين‏,‏ كما تعطي فرصة للدبلوماسية المصرية كي تسعي الي الحصول علي دعم تشاد وليبيا وكل الدول المجاورة للسودان‏,‏
بالإضافة الي دعم المجتمع الدولي لمصالحة وطنية حقيقية في دارفور‏,‏ تعيد الي دارفور السلام في ظل سودان موحد يتمتع فيه الدارفوريون بقدر من الحكم الذاتي يحقق طموحاتهم الثقافية‏.‏
لقد أعلن الرئيس البشير أمس الأول وقفا فوريا لاطلاق النار في دارفور‏,‏ وأظن أن هذه الخطوة الصحيحة ينبغي أن تكون الأولي علي مسار جديد يصدق فيه الفعل مع القول‏,‏ يتسم بالتسامح واحترام المواطنة‏,‏ والحفاظ علي تنوع الثقافات والأعراق والأديان في إطار سودان جديد‏,‏ تكون فيه الدولة حقا مشاعا للجميع طبقا لما تفرزه صناديق الانتخابات‏,‏ أما الدين فأمره لله‏,‏ لأن غاية كل الأديان هي عبادة الله وعمارة الأرض يعترف بها الإسلام لأنها جميعا تأتي من عند الله‏.‏
عن صحيفة الاهرام المصرية
15/11/2008


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.