قراءة في ألغاز الأزمة اللبنانية الياس سحّاب الأزمة اللبنانية الأخيرة التي بدأت باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتفاقمت مع استقالة الوزراء الشيعة وأحد الوزراء الأرثوذكس من الحكومة اللبنانية (دون أن يعالج ذلك باستقالة الحكومة وإعادة تشكيلها)، ووصلت الى ذروتها مع قرب نهاية الولاية الدستورية لرئيس الجمهورية الحالي، من دون بروز عناصر تشير الى احتمال انتقال سلس وهادئ من عهد رئاسي الى عهد آخر، هذه الأزمة السياسية اللبنانية الكبرى، كانت في كل مرحلة من مراحلها، في السنة الأخيرة على الأخص، تفرز سلسلة من المفردات السياسية التي أصبحت تشبه الألغاز السياسية، حتى بالنسبة للمواطن اللبناني العادي، لدرجة أنني أصبحت أشفق على الأخوة العرب (خاصة من المواطنين العاديين) الذين يحاولون، من حبهم للبنان، متابعة أخبار أزمته السياسية، من خلال هذه المفردات الجديدة. في هذا المقال، سأحاول تناول إحدى أشهر هذه المفردات لقراءتها ومحاولة فك أحد ألغازها وطلاسمها أمام المواطن العربي الذي لا يزال شغوفاً رغم كل شيء بمتابعة أخبار لبنان بقلب واجف وذهن قلق. ولعل العبارة التي اخترتها لهذه المحاولة هي الأكثر تردداً في الأشهر والأسابيع الأخيرة، إنها العبارة التي تختصر الخلاف بين الموالاة والمعارضة باعتماد انتخاب رئيس جديد للجمهورية بنصاب الثلثين (كما تشدد المعارضة) أو نصاب النصف زائد واحد (كما تشدد الموالاة). وحتى يستطيع المواطن العربي فك لغز هذا الخلاف، لا بد من قراءة سياسية له، بدل إبقائه محصوراً في الحوار الفقهي الدستوري، الذي يزيد الأمر غموضاً بدل تبسيطه. الأزمة بدأت بولادة تشكيل الأكثرية النيابية الحالية، فهذه الأكثرية قامت في الأساس، عندما جرت الانتخابات النيابية الأخيرة، على أساس تحالف سياسي واسع كان يشمل (عندما جرت الانتخابات الأخيرة) من أصبحوا يعرفون بجماعة 8 آذار (المعارضة الحالية) ومن أصبحوا يعرفون بجماعة 14 آذار (الموالاة الحالية). غير أن خلافاً على حصة الكتلة النيابية للجنرال ميشال عون (أكبر كتلة نواب مسيحيين في المجلس النيابي اللبناني)، حصة هذه الكتلة في تشكيلة الحكومة الجديدة، مما دفع هذه الكتلة الى الخروج من التحالف الرباعي الواسع الذي جرت على أساسه التحالفات الانتخابية. علما بأن عدداً غير قليل من نواب كتلة الموالاة الحالية، فازوا في الانتخابات بأصوات الكتلة الشعبية التي تصنف الآن في صفوف المعارضة. غير أن هذا الانقسام الشكلي، عند النظرة الأولى، كان يخفي منذ بدايته خلافاً سياسياً عميقاً، على تحديد الملامح الغالبة للنظام اللبناني الجديد (بعد اغتيال رفيق الحريري) في وسط الأوضاع الإقليمية الجديدة التي نشأت عن خروج القوات السورية نهائياً من لبنان. على سبيل المثال - لا الحصر- تعمّق الخلاف على أبرز ملامح النظام اللبناني الجديد بعد انسحاب القوات السورية من لبنان: هل من مصلحة لبنان أن يكتفي بهذا الانسحاب، ويقيم علاقات جوار طبيعية مع الجارة الكبرى التي تحيطه من الشمال والشرق، والتي تمثل معبره الوحيد الى بقية أرجاء العالم العربي، أم أن من مصلحة النظام اللبناني أن ينخرط كلياً في عملية الاقتصاص الأمريكي- الفرنسي من النظام السوري، الى حد المناداة بإسقاط هذا النظام، والعمل على ذلك، إن أمكن؟ لقد ظل التجاذب معقولاً الى حد ما بين هذين الخطين المتناقضين، الى أن شعرت بعض القوى السياسية الأساسية في لبنان (تحالف أمل وحزب الله) بأن طريقة تشكيل الحكومة جعلت وزراءها الذين يمثلون خطاً أساسياً بين جماهير الشعب اللبناني، لا قيمة لرأيهم، ولا قيمة لصوتهم عند التصويت. وإذا أضفنا الى هذا الانسحاب، التفاهم الذي قام بين حزب الله وكتلة العماد ميشال عون، غير الممثلة أصلاً في الحكومة، فإننا نكتشف أن كتلة شيعية مسيحية كبرى أصبحت غير ممثلة في الحكم، في احلك ظروف إقليمية يمر بها لبنان، خاصة بعد أن كشرت الولاياتالمتحدة علناً عن أنيابها، عبر الغزو “الإسرائيلي" الفاشل في شهر يوليو/تموز من العام المنصرم. المصلحة الوطنية اللبنانية العليا، كانت تفترض أن تؤدي هذه الأزمة إلى وضع اليد على الخلل الهائل الحاصل في عدم التناسق بين حجم قوى شعبية أساسية في لبنان، وبين تمثيلها في مراكز السلطة والقرار. لكن يبدو أن لكرسي السلطة سحراً لا يقاوم عند الجالس عليه. نعود هنا الى العبارة اللغز، الخلاف بين نصاب الثلثين عند انتخاب الرئيس اللبناني الجديد، وبين الاكتفاء بنصاب النصف زائد واحد. ببساطة شديدة نقول إن الاصرار على نصاب النصف زائد واحد معناه منح الجالسين في كراسي السلطة اللبنانية حاليا، القدرة على مواصلة استئثارهم بالقرار السياسي وحدهم، اي مواصلة إلغاء شركاء اساسيين لهم في الوطن. وبغض النظر عن الانتماء السياسي الى هذا الفريق او ذاك، فإن معنى ذلك وطنيا، تمديد الازمة السياسية اللبنانية ست سنوات تالية (هي فترة ولاية الرئيس الجديد) وإغلاق الابواب والنوافذ امام احتمالات حل هذه الازمة، بل فتح كل الأبواب امام احتمالات تفجرها بأشكال لا يمكن التنبؤ بها. اما الإصرار على نصاب الثلثين، فمعناه عمليا، ان اللبنانين مضطرون (الى أي فئة انتموا) الى التوافق على اكتشاف القواسم المشتركة في ما بينهم، لأن نصاب الثلثين يستحيل تأمينه من دون وفاق سياسي شامل وعميق. هذه هي القصة باختصار، ولا يهم بعد ذلك أي نقاش فقهي دستوري عن افضلية نصاب الثلثين او نصاب النصف زائداً واحداً. إن خطرا داهماً يهدد لبنان، وان لم يتحرك ابناؤه لإنقاذه بالتوافق في ما بينهم على أساس القواسم الوطنية المشتركة (وما اكثرها)، فإن كل ما يتمتع به هذا الفريق السياسي، او ذاك الفريق، من دعم خارجي من هنا وهناك، لن ينفعه شخصياً، ولن ينفع وطنه، حتى لو كان مصدر هذا الدعم الامبراطورية الامريكية العظمى. عن صحيفة الخليج الاماراتية 20/11/2007