إيران ودول مجلس التعاون ومستقبل المنطقة ناصر الهاجري منذ النصف الثاني من شهر يونيو 2008 شهدت أزمة الملف النووي الإيراني تصعيدا ملموسا، خصوصا بعد الإعلان عن قيام سلاح الجو الإسرائيلي في مطلع ذلك الشهر بمناورات جوية فوق مياه البحر الأبيض المتوسط شاركت فيها أكثر من مائة طائرة من طرازي إف 15 وإف 16، وقد أعلن مسؤولون من وزارة الدفاع الأميركية ان الهدف الواضح من تلك المناورات هو التدريب على تكتيكات القتال الجوي وإجراءات إعادة التزود بالوقود جوا بهدف توجيه ضربة محتملة لمنشآت إيران النووية، وأكد هذا الرأي الأميركي الذي لا ينبع من سراب تحذيرات وزير الخارجية الفرنسية كوشنير لوزير الحرب الإسرائيلي من المخاطر التي قد تترتب جراء توجيه ضربة نوعية لإيران. وان كان حجم التباين في رؤى المحللين لحقيقة المزاعم التي تدور حول احتمال توجيه ضربة لمنشآت إيران النووية لتدميرها كليا، أو تعطيل مسيرة برنامجها النووي لفترة زمنية قد تطول أو تقصر، إلا أن الأهم يتمحور حول تداعيات نجاح برنامج إيران النووي على دول المنطقة العربية وعلى الأخص دول مجلس التعاون مستقبلا. واقع الأمر ان ما تخشاه دول المنطقة العربية ان تصبح منطقة الخليج منطقة نزاع نووي تكون الغلبة فيه لإيران، وربما نلتمس مبررات لتلك الخشية، وأولى تلك المبررات يمثله الخلاف الايديولوجي المذهبي بين إيران وباقي دول المنطقة، وما قد يتولد عن ذلك الخلاف من صراعات مذهبية بدت آثارها جلية في العراق بعد الاطاحة بنظام صدام حسين. ثانيا: مخاوف دول المنطقة العربية من بروز كيان سياسي في طهران يمتلك قوة نووية وبالتالي يبدأ في إملاء سياساته وفرض هيمنته على دول المنطقة. ثالثا: هاجس آخر يؤرق النخب السياسية في دول الخليج العربية يتمثل في التشدد الإيراني تجاه التقارب الغربي مع هذه الدول، ناهيك عن توجس الدول العربية من السياسة الايرانية المختلطة والمعقدة تجاه العراق وبالخصوص دعم إيران السافر لبعض التيارات الشيعية في العراق. ولكن .. التساؤل الهام الذي علينا طرحه هو: هل من مصلحة دول المنطقة السكوت على السياسة التي تتبعها إدارة بوش المتمثلة في تصعيد أسباب الصراع ضد ايران، سواء بضربها عسكريا أم محاصرتها اقتصاديا؟ باعتقادنا ان الصراع السياسي والدبلوماسي يُعد أسوأ الأجواء لحل الصراعات الاستراتيجية والثقافية الكبيرة والمتشابكة، بل هو المناخ المناسب لنمو بكتيريا التوتر السياسي وتفشي حالة عدم الثقة ما بين ايران ودول المنطقة، وما يعقب ذلك من تفاقم حدة التطرف وتنامي حالة العداء والتهديد المبطن من كلا الجانبين. كل تلك الأمراض السياسية ستلحق الضرر بالعرب والإيرانيين على حد سواء، فإدارة جورج بوش أو أي إدارة تخلفها تنتهج نفس سياستها ستذهب وتتغير وكذلك سيكون نفس المصير لكل من حكام العرب وإيران لا لشيء إلا لأن هذا هو ناموس الحياة، أما من سيبقى على الدوام فيتمثل في العلاقات بين الشعوب والمجتمعات البشرية التي تربطها علاقات الجوار الجغرافي، والأمر الذي نخشاه ان يتولد لدى الإيرانيين انطباع وقناعة بأن بعض العرب وافقوا بل شاركوا في ضرب إيران، مما سيؤدي الى تعميق الحساسيات، وتنامي حملات البغض والكراهية ومن ثم تتفاعل المرارات وتترسخ في وجدان وعقول الشعوب لأحقاب طويلة. إذن ماذا علينا أن نفعل؟ ان مجرد طرح السؤال بجدية وعقلانية أمر في غاية الايجابية، فعلينا أن نعمل جاهدين لايجاد مخرج وحل لقضية ايران الشائكة في صراعها مع الغرب حول برنامجها النووي، وهذا يدفعنا لتقديم اجتهادات صادقة لانتقاء حلول توفيقية ما بين إيران والغرب تسهم في المقام الأول في خفض حدة الصراع ومن ثم العمل على ايجاد قناعات مشتركة ترضي الجانبين، ويبقى القيام بتلك المبادرات مسؤولية الدول العربية وعلى الخصوص دول مجلس التعاون، التي عليها استثمار علاقتها الحميمة مع الغرب لاذابة ذلك الجمود الذي ينذر بوقوع كارثة تكون أكثر عواقب ووخامة على دول المنطقة أعني دول مجلس التعاون الخليجي. عن صحيفة الوطن القطرية 27/10/2008