أصدرت دار الشروق مؤخرا طبعة تحوي مختارات قصصية للمصري سعيد الكفراوي تحت عنوان " شفق ورجل عجوز وصبي"، تضم عددا من أجمل قصصه ومنها "الجمعة اليتيمة"، "لابورصا نوفا" ، "قمر معلق فوق الماء"، "الجواد للصبي.. الجواد للموت". ووفقا لصحيفة "اخبار الأدب" المصرية تتضمن المختارات من مجموعته " مدينة الموت الجميل " الصادرة عام 1985 "فرجينيا الأخيرة " ، " يوم بسبعين سنة "، من مجموعته القصصية " البغدادية " والصادرة عام 2004 . من قصة "شرف الدم" نقرأ: "واتكأت الى شجرة المستكة أنتظر. كان ابن عمي قد أعطاني ظهره، وخطا ناحية قبو المقبرة الغربية تغوص قدماه في لحم الميتين الذي أصبح بمرور السنين سبخا بنيا تذرره الريح. على عتبة الدار، تحت السراج المطفأ المعلق في العقد المتآكل تجلس عمتي «مريم». عندما أحست بي وضعت كفها على جبهتها وتأملتني لحظة ثم قالت: «ها أنت قد جئت». ولما سألتها عن أفي خفقت عيناها الكليلتان وقالت بدون أن تنظر ناحيتي «كلهم هناك» وأشارت بيدها ناحية المغارب، ثم أردفت «يبنون المقبرة». مرت لحظة صمت وأنا واقف أطل عليها. كومة من عظام، أسمعها تقول لنفسها «الدوام لله، والأمر لصاحب الأمر». رأيتها تغيب عني، تتأمل تيار الماء الجاري في النهر الصغير أمام الدار. أقف في الممر الذي يفصل بين المقابر، أتأمل أبا الهول البارك فوق ظهورها، وأشم رائحة الرماد. شواهد من رخام مطمومسة اللمعة تحمل أسماء من رحلوا. عمي الكهل يجلس القرفصاء بجانب المقبرة، يشد ذيل ثوبه من بين فخذيه ويطل شعر صدره الأشيب من فتحة الجلباب. يكبس على رأسه طاقية من صوف الغنم، وبصعوبة مسح عن جبهته التراب. تأملت جلد رقبته المكرمش وتفاحة آدم بارزة وسط خطوط من تجاعيد متقاطعة كالمصير. عندما رآني حاول النهوض، لكنني شددت على يديه أن يبقى. كان صامتا كبيت مهجور، ينظر ناحيتي وقد حفرت الدموع مسارين على وجهه وسط غبرة الرماد. قال: - حتى العظام تحمل ملامحها. سقط رأسه على صدره، وسمعت نشيجه يطو في المكان. كانت المقبرة قد أزيل سقفها القديم، وسمعتهم يتصايحون مع ضربات الفؤوس، ودك «الكواريك» ارفع التراب من هنا» «الحفر يمضي الى عمقه» «حاسب العظام. اركنها بجوار الجدار». خطوت صاعدا كوم التراب، ونظرت في عمق المقبرة، كانت عميقة على نحو ما، رطبة، يشيع بها سكون الموت. ضربات الفؤوس، وجهد الرجال الذين يرفعون التراب، والأحجار القديمة السوداء مكومة في الركن. راودني شعور غامض عندما فكرت فيما قاله عمي. اختلج جسدي وضغطت أضراسي، «عمي آخر من بقي من الكبار. يحمل على كاهله سنينه وينتظر في الرواق القديم دوره». خرج ابن عمي من مد الظل الممدود، يحمل ألما مضاعفا، بيده جوال من الخيش، وكان قبل أن يغيب عني قد قال لي (جفا قلبك وهيئه للاحتمال). وعندما نظرت للرجال الذين يحفرون، رأيتهم يتوقفون ثم يرفعون ظهورهم وينظرون ناحيتي بنظرات غامضة بينما يمسحون جباههم بذيول جلابيبهم. حل صمت مفاجيء سمعت فيه النبض الحي، وأدركت أنهم يقودونني بغير ألم الى فجيعة ما. أنا أعرفهم. هم لا يفاجؤونك، يسحبونك، يسحبونك من يدك على دروب غير واضحة، ويتركونك وقد طقطق منك شعر الرأس. تعثرت على الأحجار وكدت أهوى، وتبعت ابن عمي حتى اختفينا عن النظر. على حصير مفروش فوق ظل التمر خنة، قبض ابن عمي أسفل الجوال وقلبه أمامي. هوت على الحصير الجماجم الخربة، تصطك ببعضها وتحدث صوتا مكتوما اخترق قلبي. كانت موحشة وشائهة وقد اخترقها البلى والرميم. شعرت للحظة كأنني أقف على الشاطىء الآخر للأبدية. همست وأنا أتأمل كوم العظم الخارج من لحده القديم: - أهلي. قرفص ابن العم أهمل ذئب، وجلست أنا على الحصير أمامه. مد يده وحمل جمجمة واجهني بها. أخذت أتأمل فجوات العينين والفم والأنف، والجبهة الضيقة، والثلاث أسنان الباقية في الفك العلوي، وسر عان ما اكتست العظام باللحم والملامح، وشعت بالنور الانساني الحي، وبرقت العينان بالحنان القديم، وتحركت الشفتان مبسمة طيبة منورة، صحت: - إنها أمي أمينة. - هي والله. وخفت أن أمد يدي وألمس رأسها وأنا أراها تحدق ناحيتي بفجوتي العينين الفارغتين. ركنها ابن العم ورفع الرأس الأخرى فواجهني الفك السفلي كامل الأسنان بينما العلوي خاليا تماما فصحت هن غير وعي: - ستي هانم. - هي. عندما فتحنا القبر، وضربته الشمس رأينا أسنانها تضري كحبات الماس. وتعرفت على «الطاهرة» أختي، وعمي «عبدالمنعم» هؤلاء الذين قضوا في حياتي قبل أن يرحل أبي. استندت الى جذع الشجرة مقهورا وسألته صارخا: - وأبي ؟ صمت لحظة، ثم نظر في عيني، وتشاغل بإشعال سيجار ته، حثثته صارخا: - أبي ؟ أين أبي ؟ أجاب: - لم نجد له أثرا. نهضت واقفا وقد تكاثف رعبي فيما صعد من الأروقة الضيقة صوت المقريء: (وما يستوي الأحياء ولا الأصوات إن دث يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور). ووجدتني أعود الى الدار طفلا. ينتزعني ما فات مما أنا فيه في لحظة واحدة. فناء يسوره الحجر، وحظيرة في حضنه من لبن أخضر، وكافورة وتوتة، وخلايا من النحل الأليف، وأبي جالس بجرمه الهائل يغط حبلا من القيل وينظر ناحيتي، وأنا أمسك بقرني الحيوان مرتديا قميصه فيما تعنفني جدتي «استر نفسك». صامت وهائل وكأنه روح المكان: - يا سلامة. ابتسم: - قل يأبه يا ابن الكلب. - خذني معك الليلة لأسوق البهيمة في الساقية. - سأخذك. وأشعر بدمه ينتفض في دمي. يمتد من أول الميلاد حتى لحظة أنافس في حضنه داخل عباءة بنية لها رائحته التي لا تنسى. فرد بدنه قائما، وخطا ناحية النهر، ورأيته يتجرد من ملابسه ويخطو أول الليل الى الماء، ساترا عورته بيده، وسرعان ما يغيبه النهر فيما تتلاحق أنفاسه حيث تأتيني وأنا أشاغب مع الحيوان. وقت ميت، والمقابر المتناثرة تنظر لخضرة الأرض بحزن جليل. مرت لحظات من الصمت نشطت فيها الريح، واذرت التراب في دوامات خريفية. اعتلا الجو برائحة العظام فصدعتني الرائحة الصاعدة من الكهوف فهربت ناحية السماء المفتوحة لآخر مداها، ورأيت ركض السحب الى الفناء. - أين أبي؟ هتفت بها مصحوبة بألم غامض. كنت أنظر اليهم وقد توقفوا عن العمل ينظرون حيرتي ولا يجيبون. «أنت الإنسي الفرد الذي رأت عيناه ما رأت». صفر صوت الريح كالجرس، فركضت أتبعه مفارقا من يحفرون، بينما في أخر لمحة من نظر، رأيت أخي يقطع بفأسه السحلية نصفين، أحدهما انطمر في التراب بينما الآخر يرف ملتاثا على نفسه، وأنا أجري بالشوط برأسي يطن فيه صوت المقريء الكفيف".