ميراث داعش.. تحديات تنتظر بطريرك الكلدان الجديد في العراق    الفئات المستحقة تخفيض ساعات العمل في قانون الخدمة المدنية 2026    أسعار اللحوم اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026    وزير التموين: نستهدف استلام 5 ملايين قمح محلى هذا العام لتعزيز المخزون    بيتكوين تقفز لأعلى مستوى في شهر وتتجاوز 74 ألف دولار مع انتعاش شهية المخاطرة    تقرير وكالة فيتش: مصر ضمن أفضل 3 أسواق إقليميًا في انفتاح الاستثمار وتوقعات قوية بنمو الطاقة المتجددة    وزير المالية: ندعم جهود ترشيد ورفع كفاءة استخدام الموارد المائية بتطبيق التكنولوجيا الحديثة    وزيرا التخطيط والعمل يناقشان عددا من الملفات المشتركة لرفع كفاءة ومرونة سوق العمل    مقتل وإصابة 4 جنود صهاينة فى جنوب لبنان وحزب الله يطالب بالغاء التفاوض مع دولة الاحتلال    رئيس تتارستان يثمن جهود السيسي في الشرق الأوسط وأفريقيا والحفاظ على الأمن الإقليمي    اتفاق غزة.. 2400 خرق إسرائيلي خلال نصف عام    شباب بلوزداد يتدرب بملاعب وادي دجلة استعدادا لمواجهة الزمالك بالكونفدرالية    3 مواجهات نارية في صراع الهروب من الهبوط بالدوري المصري اليوم    بالفيديو.. تفاصيل أزمة النادي الأهلي واتحاد الكرة    شوبير يكشف الحالة الصحية لحسن المستكاوي    الأرصاد تحذر من ارتفاع الحرارة بسبب الكتل الصحراوية.. تتجاوز 35 درجة    خلال 24 ساعة.. الداخلية تضبط 108 آلاف مخالفة متنوعة    إشادة دولية بالمتحف المصري الكبير خلال استقبال وزير السياحة لرئيس تتارستان    غداً .. أحمد سعد يطرح اغنية "بينسوا إزاي؟"    «مستشفى إيزيس» تقدم 1.2 مليون خدمة كنموذج رائد للنساء والولادة بالأقصر والصعيد    متحدث الصحة: مصر تستهدف تصدير اللقاحات لأكثر من 60 دولة وترسيخ مكانتها كمركز إقليمي بحلول 2030    إنزاجي: لا نستحق الخسارة من الدحيل.. والمباراة غير مؤثرة على مستقبلي    رئيس وزراء إسبانيا: الصين تستطيع أن تؤدي دورا مهما في حل نزاع الشرق الأوسط    ترامب يرفض الاعتذار لبابا الفاتيكان..ويدافع عن صورة «المسيح» بعد حذفها    «التعليم» تطلق خدمة إلكترونية لتسجيل استمارات طلاب الثالث الإعدادي    7 مصابين في تصادم مروع بين سيارتي نقل بطريق القاهرة أسيوط الغربي بالفيوم    إصابة شقيقين في مشاجرة بسبب أدوية بدون روشتة بالهرم    ارتفاع سعر اليورو اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026 أمام الجنيه بالبنوك    جامعة القاهرة تقود المشهد البحثي المصري.. ريادة علمية تدعم رؤية الدولة نحو اقتصاد المعرفة    رئيس جمهورية تتارستان يزور المتحف المصري الكبير ويشيد بتجربة العرض المتحفي    صراع الإسلام والبترول.. كيف فكك حازم صاغية لغز العلاقات الإيرانية الخفية؟    فيلم إيجى بيست يحقق 874 ألف جنيه ليلة أمس فى السينمات    رئيس الشئون الدينية بالحرمين الشريفين: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية ونظامية    سموتريتش: مستشار ألمانيا منافق.. وأدعوه للانحناء والاعتذار ألف مرة بدلا من أن يتجرأ علينا    رئيس تتارستان يدعو السيسي لزيارة كازان    الصحة تستعرض تطور الخط الساخن للدعم النفسي    «الصحة» تطلق أول برنامج لتأهيل فنيى الأشعة على الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية    حماة الوطن يعقد صالونًا سياسيًا لبحث حلول جذرية لمشكلات الأسرة المصرية بالإسماعيلية    بابا الفاتيكان يوجه رسالة ل ترامب: سأواصل رفع صوتي ضد الحرب    حفلان ل أوركسترا "الأنامل الصغيرة" بقصر الأمير بشتاك و"فواصل باند" بقبة الغوري الخميس    "محبتش أكون مذيع".. إسلام جمال يكشف سبب اتجاهه للتمثيل    طرائف المصريين مع الرنجة والفسيخ.. في كاريكاتير اليوم السابع    فتح ملف مشكلات قطاع الصناعة أمام النواب اليوم    من الضيق إلى الطمأنينة.. الأوقاف تكشف علاج اليأس في الإسلام    موعد مباراة أتلتيكو مدريد أمام برشلونة في إياب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا.. والقناة الناقلة    موقف محمد صلاح، تشكيل ليفربول المتوقع أمام باريس سان جيرمان في دوري أبطال أوروبا    تشكيل اتحاد جدة المتوقع أمام الوحدة في دوري أبطال آسيا    أوقاف الأقصر تُقيم الأسبوع الثقافي بإدارة حاجر كومير بمسجد الحسنات بعنوان «إدارة الأزمات وأثرها في تقويم البيت»    نائب وزير الصحة تلقي بيان مصر أمام لجنة السكان والتنمية بالأمم المتحدة    موعد إجازة عيد تحرير سيناء 2026| وهل يتم ترحيلها بأمر حكومي؟    حركة القطارات| 90 دقيقة متوسط تأخيرات «بنها وبورسعيد».. الثلاثاء 14 أبريل    ضبط دقيق مدعم وتحرير مخالفات لمخابز في حملات تموينية بكرداسة و6 أكتوبر    مصرع عنصر إجرامي في تبادل النيران مع الشرطة بقنا    البحث عن طفلين في واقعة غرق مركب صيد بقنا    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 14 أبريل 2026 في القاهرة والمحافظات    أحمد كريمة: الصحابي الذي تخلص من حياته غفر له الله    هل يغفر للمنتحر؟.. الأوقاف تحسم الجدل وتوضح الحكم الشرعي كاملًا    سعد الدين الهلالي: المنتحر مسلم ويصلى عليه ويستحق الرحمة وبعض الصحابة انتحروا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يا كُلّ الناس ... فرّوا إلى الله
نشر في مصر الجديدة يوم 06 - 09 - 2012


فضيلة المرشد العام ل"الإخوان المسلمون"
رسالة من : أ.د. محمد بديع
المرشد العام للإخوان المسلمين




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن والاه، وبعد،
فإن كل إنسان عاقل يدرك أنه مؤقت فى هذا الوجود، له بداية معلومة ونهايةٌ محتومة، فهو يسعى بين بدايته ونهايته، شاء ذلك أم أبى... أطاع أم عصى، والمؤمنون وحدهم هم الذين يدركون غاية وجودهم والهدف الأسمى من حياتهم ورسالتهم التى من أجلها خُلِقوا؛ لأنهم يوقنون بكلام خالقهم الذى أنزله فى كتبه السماوية، وبعث به أنبياءه المرسلين على مدار التاريخ والزمان... فقد عرفوا حقيقتهم حين أخبر مولاهم الملائكة قبل بدء الخليقة {إنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، فالإنسان خُلِق ليكون خليفةّ فى الأرض؛ بكل ما تعنيه هذه الكلمة من عمارة للأرض وسعىٍ فيها ونهوضٍ بها وإثراءٍ للحياة {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ واسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61].
وهو يدرك– بإخبار ربه جل وعلا– أنه مخلوق مُكرّمٌ مُعَلّم، أسجد الله له الملائكة، وسخر له كل قوى الكون وعلمه ما لم يكن يعلم {ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وحَمَلْنَاهُمْ فِى البَرِّ والْبَحْرِ ورَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70]، {وسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَوَاتِ ومَا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية: 13]، {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31].
وأن الإنسان يتبوأ تلك المنزلة العالية إذا حقق العبودية لله بالتزام تعاليم السماء واتباع منهج الله {ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {واللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا} (النساء: 27-28)، حينئذ سيكون عبدًا لله.. سيدًا للكون بلا منازع، وأن هذه المكانة الممنوحة له من الله كانت سببًا فى حسد إبليس اللعين عليه... إبليس وذريته من شياطين الجن وأتباعهم من شياطين الإنس يحاولون نسف إيمان المؤمن؛ كى يكون معهم فى عذاب السعير {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًا إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6].
وقد أخبرنا الحق– جل وعلا– أنّ الذى أخرج أبوينا من الجنة هو إغواء الشيطان اللعين، بعدما عاشا فترة فى الجنة، فى رغدٍ وطيب عيش، حيث تتوفر كل متطلبات الحياة {إنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا ولا تَعْرَى * وأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا ولا تَضْحَى} [طه: 118-119]، لكن وسوسة الشيطان اللعين أغرت الإنسان بعصيان أمر الله {وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف35]، كل شىء مباح إلا شجرة واحدة... زين الشيطان للإنسان أنها أعظم شجرة {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلَى} [طه: 120]، { وقَاسَمَهُمَا إنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف:21]، { فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36]، ومن وقتها والصراع قائم بين بنى الإنسان وإغراء الشيطان اللعين وحزبه، وأصبحت الأرض كلها مسرحًا للصراع بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الهداية والضلال، بين الاستقامة والانحراف { لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} [الأنفال: 37]، {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].
حين يدرك الإنسان هذه الحقائق، ويدرك معها أن عمره محدود... سيسرع فى العمل والانطلاق والتحرر من أغلال العبودية لغير الله، يسرع السعى إلى غاية محددة وهدف واضح؛ رضوان الله تعالى فى الدنيا وجنته الخالدة الواسعة فى الآخرة {وسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وحين تعتريه العقبات ويقف الشيطان وأعوانه يحاولون إغراءه بالمتاع العاجل والشهوات المشتعلة، سيدرك بتوفيق الله أن اتباع الشهوات الزائلة الفانية تمنعه من خيرٍ دائم خالد، لا يُنال بمعصية أبدًا { يَا بَنِى آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27].
لو علم الإنسان وأدرك أن الشيطان عدو لدود له ولذريته، يريد أن يحرمه خيرى الدنيا والآخرة {إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًا إنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر6]، وأنَّ أعوان الشيطان يكرهون له الهداية والاستقامة {ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]، حينئذ سيأخذ الحذر منه ومن جنوده، وسيشمر عن ساعديه، ويسرع الخطا وينطلق فى سبيل الله ابتغاء مرضاته وفرارًا من إغواء الشيطان وحزبه {فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الذاريات: 50]، {وفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]، {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ} [الصافات: 61].
وقد تعترى الإنسان لحظات ضعف وفتور، يغفل فيها عن الله، وتنقطع صلته بخالقه ومولاه، فيتبع شهواته وينقاد لهواه، حينئذ تغتاله الشياطين وتسيطر عليه، وتنحدر به فى دروب الهلاك {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]، وللأسف الشديد حين يوقعه الشيطان اللعين فى المعصية والغفلة والانحراف، يزيد على ذلك فيدفعه إلى اليأس من رحمة الله ومغفرته وتوبته، كى يمنعه من النهوض بعد كبوته؛ مخافة أن ينجو بالتوبة والاستغفار والإنابة، كما نجا أبوه آدم من قبل {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة37].
فالشيطان اللعين يغرى الإنسان بالمعصية ويزينها له حتى يوقعه فيها، ثم إذا ارتكبها يضخمها فى نفسه حتى يدفعه لليأس من غفرانها، بل يفضحه وهو يرتكبها حتى تنهار نفسه فلا يتطلع للنجاة، الله تعالى من رحمته بخلقه يسترك وأنت تعصيه... والشيطان اللعين يفضحك وأنت تطيعه كى يقطع عليك سبيل التوبة والاستغفار... ثم يتبرأ منك بعد ذلك {قَالَ إنِّى بَرِىءٌ مِّنكَ إنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ} [الحشر: 16].
هنا يأتى النداء الجليل، من الرحمن الرحيم {قُلْ يَا عِبَادِى الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]، فالمطلوب أولًا حالة نفسية بعدم اليأس أو القنوط لأن رحمة الله واسعة تسع كل مخلوقاته "لو خلقتموهم لرحمتموهم"، ثم بعد ذلك إقبال وعودة إلى الله تعالى وإسلام الوجه له {وأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ} [الزمر: 54]، ثم تصحيح للمسار باتباع منهج الله وتنفيذ شرعه واتباع تعاليمه {واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55].
ما ينطبق على الناس فرادى ينطبق على الجماعات والشعوب والأمم؛ إذا ذَهلَتْ عن الله وخَالَفتْ منهاجه وأهملت شرائعه فاتبعت الشهوات وارتكبت المظالم وصدرت التافهين واضطهدت الدعاة والمصلحين... تهوى هذه الأمم إلى مهاوى التخلف والضياع {وإذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، {واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]، {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإلَى المَصِير} [الأنبياء: 48].
لكن أتباع الحق لا ييأسون، يبدأون هم بإصلاح أنفسهم أولًا بالتوبة والإنابة إلى الله، ثم يدعون شعوبهم كى يتوبوا عن المعاصى والمهلكات ويعودوا إلى منهج الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ويواجهون فى سبيل هذه الدعوة كل أنواع العنت والاضطهاد من الظالمين المستفيدين من ضلال الناس وانحرافاتهم {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَهَا عِوَجًا وهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 45]، ثم من دعاة الضلال والانحراف والشهوات {ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27]، وأخيرًا من بعض عامة الناس الذين ألِفوا الخنوع والذل والهوان {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54].
ثم يأتى التحدى لإصلاح الأرض بعد إفسادها، ويظهر المثبطون والساخرون فلا نملك أمامهم إلا الثبات والصمود واليقين (وإذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (الأعراف: 164)، {إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكَافِرُونَ} [يوسف: 87].
إننا مطالبون بالعمل وبذل الجهد والمسارعة فى الخيرات والتسابق لتحقيق الآمال، ولسنا مطالبين بالنتائج، نحن مطالبون بالعمل وإحسان العمل وإخلاص النية فى العمل وإحسان العمل، والنتائج على الله تعالى وحده {تُعِزُّ مَن تَشَاءُ وتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26].
سننهض بأمتنا ونحطم كل القيود التى كبلتنا وأعاقتنا عن التقدم والانطلاق، وسنفجّر ينابيع الخير فى كل جنبات الوطن، موقنين بفضل الله الواسع وقدرته المطلقة {ولَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ} [الأعراف: 65] {وأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا} [الجن:16]، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * ويُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ ويَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ ويَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12].
وسننطلق– بإذن الله وحوله وقوته– لمناصرة المستضعفين فى الأرض، وإحقاق الحق والعدل، وتحرير مقدساتنا مهما تطاول الأعداء واستوطنوا وغيروا وبدلوا وهدموا وحرَّقوا وهوَّدوا، موقنين بوعد الله لعباده المخلصين المجاهدين، التائبين العابدين الحامدين {فَإذَا جَاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وجُوهَكُمْ ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء7]، {وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 6].
توبةً إلى الله... فرارًا إلى الله... فُرادى وجماعات... شعوبًا وحكومات.
عودةً إلى منهجه وشريعته وقوانينه، وتذكروا يا أيها الناس- يا كل الناس- أن الله خاطبكم وأنتم فى الأصلاب والترائب (ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ) وقلتم جميعا (بَلَى شَهِدْنَا)، وتذكروا أن الله عندما خلق فينا التنوع فى الشعوب والقبائل والألوان والألسنة واللغات واللهجات إنما لنتعارف ونتكامل وليس لنتقاتل ونتسارع (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
هيا لنعيد للبشرية جمعاء سلامها وسعادتها بالقيم والفضائل والحق والعدل ومكارم الأخلاق التى هى هى الوصايا العشر فى رسالات السماء (إنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى) (الأعلى: 18-19)، واحذروا هذا التهديد الإلهى الخطير فى آخر آية نزلت من القرآن الكريم وفى ختام وحى السماء للبشرية جمعاء (واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة: 281).

ألا هل بلغت اللهم فاشهد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.