تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين تهنئ عمال مصر بعيدهم    بالأسماء.. رئيس الوزراء يسقط الجنسية المصرية عن 3 مواطنين    أسعار الفاكهة اليوم الخميس 30 أبريل في سوق العبور للجملة    قفزة جنونية في أسعار النفط.. والبرميل يسجل 126 دولارًا بسبب تصاعد مخاوف ضرب إيران    وزارة التنمية المحلية تطلق برنامجاً تدريبياً للعاملين بإدارات البيئة بالمحافظات    أكسيوس: ترامب قد يلجأ للخيار العسكري إذا استمرت إيران في رفض الاتفاق    تركيا تطالب المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم.. الهجوم على «أسطول الصمود» قرصنة    إيران أذلت الولايات المتحدة.. ترامب يهدد بسحب القوات من ألمانيا ويهاجم ميرز    بحضور يسرا.. العرض الخاص لفيلم "Devil wears Parada 2"    وزيرة التضامن توزع 50 لاب توب ناطق على طلاب من ذوي الاعاقة بجامعة عين شمس    الزمالك يختتم استعداداته لمواجهة الأهلي غدا    من هو المصارع المصري صاحب سر اللقطة العالمية؟.. عبد الله حسونة يكشف كيف أبهر العالم    عامل يقتل زوجته بسبب خلافات أسرية فى المنوفية    محافظ أسوان يبحث مطالب المواطنين مع أعضاء مجلس النواب    إسلام الكتاتني يكتب: 25 يناير المظلومة والظالمة «10»    زكريا أبو حرام يكتب: السادات وتحرير سيناء    تموين الفيوم يضبط 36 جوال دقيق مدعم قبل تهريبها إلى السوق السوداء    الأهلي أمام الفتح المغربي في ربع نهائي بطولة أفريقيا لرجال الطائرة    جدول امتحانات الصفين الأول والثاني الثانوي 2026 محافظة الإسكندرية الترم الثاني    ترامب لنتنياهو: ضربات إسرائيل على لبنان يجب أن تكون «محدودة الاستهداف»    بوتين وترامب يبحثان هدنة مؤقتة في أوكرانيا خلال اتصال هاتفي    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الخميس 30 أبريل    بسبب المخدرات.. أب خلف القضبان ينتظر مصيره وأم قتيلة وأبناء يدفعون الثمن    ملحمة الشرطة في أرض الفيروز من «مواجهة الإرهاب» إلى مرحلة «الاستقرار والتنمية»    إلهام شاهين: أدواري الجريئة محدش يقدر عليها| حوار    وول ستريت جورنال: أمريكا تقترح تحالفا جديدا لإعادة حركة السفن مع توقف الملاحة في مضيق هرمز    ربة منزل تستغيث.. ومباحث شبرا الخيمة تضبط اللصوص خلال ساعات| صور    إنشاء ساحات انتظار وكافتيريات ضمن تطوير الكورنيش الشرقي بمطروح    قائد البحرية الإيرانية يعد بكشف "سلاح يرهب الأعداء" ويؤكد ضرب حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" 7 مرات    الانسحاب من "الجامعة العربية" و"التعاون الإسلامي"خطوة مرتقبة .. بلومبرج: مغادرة الامارات (أوبك) انفجار لخلافات مكتومة مع السعودية    عبدالرحيم علي: ترامب ينتظر نضج لحظة انفجار الأوضاع من الداخل الإيراني    تقرير تركي: فنربخشة في مفاوضات لضم محمد صلاح    أرتيتا: لا أفهم سبب إلغاء ركلة الجزاء.. وفي الدوري الإنجليزي لا تحتسب    إصابة 3 أشخاص فى حادث تصادم دراجتين ناريتين بطريق البصراط- المنزلة بالدقهلية    إحالة أوراق شقيقين متهمين بقتل سائق بسبب مشاجرة في الإسكندرية إلى المفتي    مشاجرة نسائية تتحول لتهديد بالسلاح الأبيض في القليوبية.. والمباحث تكشف الحقيقة    بشأن قضايا الطفل والذكاء الاصطناعي وتغطية الجنازات.. قرارات هامة من «الصحفيين»    أخبار × 24 ساعة.. التخطيط: تراجع معدل البطالة خلال عام 2025 ليسجل 6.3%    حمدي الميرغني يعلن تفاصيل عزاء والده الراحل في السويس والشيخ زايد    نقابة الصحفيين تختار الزميلة «زينب السنوسي» أمًا مثالية لعام 2026    عبد الرحيم علي: ترامب يحوّل الوقت إلى أداة ضغط استراتيجية داخل إيران    أخطر 10 أمراض معدية تهدد البشرية: عندما يتحول المرض إلى سباق مع الزمن    ضياء السيد: القمة لا تعترف بالمعطيات والأهلي لديه حظوظ في الفوز بالدوري    "البوابة نيوز" تنشر قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين    عرض "كتاب الموتى" يبهر الجمهور في أولى ليالي مهرجان الرقص المعاصر    علي الحجار يتألق في ساقية الصاوي ويتجاوز أزمة تصريحاته العائلية (فيديو)    ديو جديد بعد 21 عاما، " CBC" تطرح أغنية "الغلاوة" لشيرين بعد الوهاب وبهاء سلطان    "البوابة نيوز" تنشر غيابات الأهلي أمام الزمالك في القمة    مديرية الصحة بالإسماعيلية تحتفل بالأسبوع العالمي للتطعيمات وتكرم الفرق المتميزة (صور)    حمى "لصاقات الأوزمبيك" تجتاح الإنترنت.. وعود سريعة لإنقاص الوزن بلا دليل حاسم    محمد الشيخ: أمتلك لاعبين رجالا في وادي دجلة    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : الثقة بالنفس !?    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مُسْتَخْلَفون .. لا مُلَّاك
نشر في الأسبوع أونلاين يوم 21 - 04 - 2012


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:70] الأنشطة الإنسانية - علي تعددها وتنوعها وتفاوتها من حيث الأهمية والاتساع - لا بد لها من قواعد تنظمها .. وهذه القواعد تحدد مهام وواجبات وحقوق المشاركين في النشاط كما تنظم العلاقات البينية للمشاركين وكذلك علاقاتهم بالمتفاعلين مع النشاط من خارجه .. ولذلك تشرع القوانين وتوضع اللوائح لضبط ممارسات المشاركين وحثهم علي الالتزام وعدم مخالفة القواعد المنظمة للنشاط. وضمان انتظام النشاط يستلزم مراقبة المشاركين فيه ومتابعتهم متابعة مستمرة وتقييم أدائهم في إطار إتباعهم للقواعد المنظمة .. فمن يلتزم يثاب ومن يخالف يعاقب - طبقاً للوائح والقوانين - لعله يرتدع فيما هو آت .. وقد يستبعد المخالف نهائياً وقد يمنح أجلاً لتصحيح أدائه والرجوع عن مخالفاته. ولذا فمن الضروري التأكد من إلمام المشاركين في النشاط بالقواعد المنظمة وإحاطتهم - كلما لزم الأمر - بما قد يطرأ عليها من تطوير لتساير التطور الطبيعي والحتمي لبيئة النشاط وعناصره ومستلزماته.
ولله المثل الأعلي .. فإن الله هو الخالق والمالك لهذا الكون وما فيه .. وشاء الله أن يستخلَف الانسان في الأرض قال تعالي: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ...﴾ [البقرة:30]. ومع أن الإنسان مستخلف في الأرض وليس مالكاً لها .. فهو من الناحية العملية يتصرف وكأنه المالك بما أودع الله فيه من طاقات ومواهب وكفايات وتسخير ما في السموات وما في الأرض جميعاً له .. قال تعالي: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية:13]. ولكن ذلك لا يعني أن الانسان مطلق الحرية والتصرف .. فهو في نفسه خاضع ومحكوم بما قدَّر الله له وعليه .. واستخلافه في الأرض له قواعد تنظمه مثله مثل أي نشاط إنساني.
وأول نشاط انساني كان سكني آدم وحواء الجنة .. وأول ما فرض الله علي الانسان من قواعد كانت القواعد المنظمة لسكني آدم وحواء الجنة :
1. قال تعالي: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:19].
2. قال تعالي: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَيٰ﴾ [طه:117].
وبما أن آدم وحواء كانا حينئذ علي الفطرة بلا أدني خبرة فيما هم مقبلون عليه .. لذا كانت قواعد سكناهما الجنة بسيطة ولا تتعدي الآتي:
1. الأكل من ثمار كل أشجار الجنة مباح عدا شجرة واحدة. وحتي لا يتعرض آدم وحواء لمغالبة الشهوة الفطرية - إذا ما أصبحت ثمار الشجرة المحرمة في متناول ايديهما - فقد نهاهما الله عن الاقتراب من هذه الشجرة ''وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ''.
2. الشيطان عدو لهما وسيسعي لإخراجهما من الجنة.
واستمر آدم وحواء يتمتعان بسكناهما الجنة إلي أن خالفا القواعد استجابة لوسوسة الشيطان .. فاقتربا من الشجرة المحرمة .. فأكلا من ثمارها .. فحق عليهما الخروج من الجنة. وتعلم آدم وحواء الدرس وأدركا - بالتجربة العملية - أن الله لا يخلف وعده وأن طاعته واجبة وأن الشيطان عدواً لهما. وكما كانت سكني آدم وحواء الجنة فترة تدريب عملي وتهيئة لما هما مقدمان عليه .. فإنها عظة لكل بني آدم وعبرة لمن يعتبر .. قال تعالي: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف:27].
وقبل الخروج من الجنة تلقي آدم وحواء - من الله سبحانه وتعالي - القواعد المنظمة للنشاط الانساني الأكبر والأهم والذي يشارك فيه كل إنسان وهو "استخلاف الانسان في الأرض" :
1. قال تعالي: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَيٰ حِينٍ﴿24﴾ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴿25﴾﴾ [الأعراف:24-25].
2. قال تعالي: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًي فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَيٰ ﴿123﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَيٰ ﴿124﴾ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَيٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ﴿125﴾ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَيٰ ﴿126﴾ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَيٰ ﴿127﴾﴾ [طه:123-127].
وعلي ما تقدم .. فإن القواعد المنظمة لحياتنا والتي يجب علينا أن نلم بها ونعيش في إطارها لا تتعدي الآتي:
1. حياة الناس في الأرض محدودة المدة ''وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَيٰ حِين''.
2. حياة كل إنسان محدودة المدة ''فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ''.
3. كُلَّمَا أتي من الله هُدًي فعلي الناس اتِّباعه ''فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًي فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَيٰ''.
4. الشيطان عدو الإنسان.
5. يبعث الله الناس ويحشرهم للحساب .. فإما ثواب وإما عذاب.
ومنذ أن هبط آدم وحواء إلي الأرض أتانا هُدي الله من خلال الوحي والأنبياء والرسل .. وشاء العليم الحكيم أن يأتينا "الهُدي" علي فترات وبالقدر الذي يناسب تطور ظروف الحياة الانسانية وتفتح مدارك الانسان واتساع مجال حركته في الحياة .. وهذا ما أعلنه الله لأبوينا قبل خروجهما من الجنة ''فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًي'' .. ولا يقبل العقل والمنطق المزاعم بأن تعدد المرسلين وتَعدد الرسالات يعني تَعَّدُد الأديان .. وبما أن "الله واحد" فلا بد أن "الدين واحد" وبالتالي "الرسالة واحدة" .. قال تعالي: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّيٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَيٰ وَعِيسَيٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَي الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشوري:13].
وبما أن لكل انسان عمر محدود يعقبه موت ثم بعث ثم حساب .. إذاً العمر المحدود للانسان في هذه "الحياة الدنيا" ما هو إلا فترة ابتلاء وامتحان لما يليها من حياة في "الدار الآخرة" والتي هي "الحيوان" .. قال تعالي: ﴿وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:64]. ولذلك فإنه يتعين علي كل إنسان عاقل أن يسأل نفسه: "علي ماذا أحاسَب يوم الحساب؟" .. لأن إجابة هذا السؤال ستحدد له ما يجب عليه فعله في حياته حتي ينجو يوم الحساب.
ومن المعلوم أن المرؤ يُحاسَب علي مدي التزامه وأدائه لواجباته في إطار ما يكلف به .. وطبقاً للقواعد المنظمة لاستخلاف الإنسان في الأرض فإن "التكليف الوحيد" هو "اتِّباع الهُدي" الذي يأتينا من الله سبحانه وتعالي .. وعلي ذلك فإن ما نحاسب عليه هو: مدي اتباعنا لهدي الله وما شرع لنا من الدين. ومن المعلوم - أيضاً - أن المرؤ لا يُحاسَب علي ما يُرغَم عليه .. ولذلك فإن الله لم يرغمنا علي طاعته .. بل ترك لنا أن نخضع لأمره وأن نطيعه باختيارنا .. قال تعالي: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ...﴾ [الكهف:29]. ومن المعلوم - أيضاً - أن المرؤ لا يُقْبِل علي العمل دون معرفة الفائدة التي تعود عليه من أدائه .. ولذلك فإن الله قد بيَّن لنا أن الذي يَتَّبع الهدي لا يَضِل 'في الدنيا' ولا يَشقي 'في الآخرة' .. قال تعالي: ﴿... فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَيٰ﴾ [طه:123]. ومن المعلوم - أيضاً - أن المرؤ لا يوفَّي أجر عمله إلا بعد الانتهاء من أدائه أو إنقضاء المهلة المتاحة له .. ولذلك فإن الله قد أجل لنا استيفاء أجورنا إلي ما بعد انتهاء فترة استخلاف الإنسان في الأرض .. فمن أحسن أدخل الجنة ومن أساء فمصيره إلي النار .. قال تعالي: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185].
ولقد أنبأنا الله العليم الخبير بوقوع حدث جلل .. وهو أمر عجيب يستوجب منا التأمل والتفكر .. فإن كل ما ينجزه الانسان من "المَدَنيٌّة" 'مظاهر العمران والتقدم المادي والعلمي' مآله الي الدمار!! يا الله!! المدن وناطحات السحاب والطرق السريعة ... إلخ! المصانع والمحطات النووية والأقمار الصناعية ... إلخ! الجامعات ومراكز البحوث والمكتبات ... إلخ! دور الأوبرا والمسارح والملاهي ... إلخ! الفنادق والمنتجعات والقري السياحية ... إلخ! الاختراعات والإبتكارات ... إلخ! .. قال تعالي: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴿13﴾ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴿14﴾ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴿15﴾﴾ [الحاقة:13-15]. وبما أنه لن يبقي شئ من "المَدَنيٌّة" التي تنجزها الانسانية عبر تاريخها في الأرض .. فإن كل تلك "المَدَنيٌّة" ليست "غاية" استخلاف الإنسان في الأرض .. ولكن الله جعلها "وسيلة" لابتلاء الانسان واختباره .. قال تعالي: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَي الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴿7﴾ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴿8﴾﴾ [الكهف:7-8].
وحيث أن الله أمرنا بالعمل .. فعلي كل انسان أن يعمل ويجتهد .. ولكن يجب أن يكون العمل طاعة لله وبما يرضيه لأن الله يعلم سرائرنا وعلانيتنا ولا يخفي عليه شيء من باطن أمورنا وظواهرها .. قال تعالي: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَي اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَيٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:105]. ولذا فليس من الحكمة أن يكون همنا الأكبر ومضمار التنافس والصراع هو إنجاز أكبر قدر من "المَدَنيٌّة" علي حساب طاعتنا لله وبمخالفة القواعد التي شرعها لاستخلافنا في الأرض .. لأن الله لن يحاسبنا علي مقدار "المَدَنيٌّة" التي تحققت ولكنه سبحانه محاسبنا علي "سعينا" في إطار ما كلفنا به وهو: اتباعنا لهدي الله وما شرع لنا من الدين .. قال تعالي: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَيٰ﴿39﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَيٰ﴿40﴾ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفيٰ﴿41﴾﴾ [النجم:39-41] .. ويصبح من العبث التفاخر بمقدار "المَدَنيٌّة" المحققة إذا لم نتلمس ونتبع السبل المشروعة لتحقيق هذه "المَدَنيٌّة".
وعلي مر التاريخ الانساني قد يضيق بعض الناس بما شرع الله لهم من "الدين" لما يفرضه عليهم من قواعد منظمة لحياتهم .. لأنها تحملهم من التكاليف ما يستنزف جزء غير قليل من أموالهم وأوقاتهم وجهدهم .. كما أنها تلزمهم جهاد النفس وترويض الشهوات. فإذا ما حسب أولائك أن "الدين" يقيد حركتهم في الحياة ويحد من إشباع شهواتهم وسعوا إلي "التحرر" مما شرع الله - بعضه أو كله - يضل "سعيهم" وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. وقد نبأنا الله بأمر أولائك "المتحررين" وبأنهم الأخسرين أعمالاً وجزاؤهم يوم القيامة أن تحبط أعمالهم ويلقون في جهنم .. لأن "تحررهم" مما شرع الله - بعضه أو كله - هو كفر بآيات الله وبلقائه .. قال تعالي: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴿103﴾ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴿104﴾ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴿105﴾ ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا '106'﴾ [الكهف:103-106].
إن الله شرع لنا "الدين" وأمرنا ''أَنْ أَقِيمُوا الدِّين'' في كل شئون حياتنا 'الأمر شوري - الحكم بالعدل - احترام العهود والمواثيق - عدم العدوان - الجنوح إلي السلم - الاقتصاد تنموي غير ربوي - طلب العلم والأخذ بالأسباب - إتقان العمل - المجتمع يتراحم ويتكافل - المعاملات بالإحسان ومكارم الأخلاق - نبذ العنصرية والتعصب - حرية الرأي والاعتقاد - حرمة النفس والعرض والمال - ... إلخ' .. وهو سبحانه محاسبنا علي مدي اتباعنا لما شرع لنا .. فأما من اتبع شرع الله 'أقام الدين' فأطاع أوامره وانتهي عما نهي عنه فإن مصيره إلي الجنة .. وأما من خالف شرع الله 'لم يقيم الدين' فعصي أوامره ولم ينتهي عما نهي عنه فإن مصيره إلي النار ولو كان أثري الأثرياء أو أعلم العلماء أو أبرع المخترعين أو حائز علي نوبل أو الأوسكار أو ميدالية أوليمبية ... إلخ. وباطل كل ما قد يُدْرَك من تقدم وتفوق وسبق و"مَدَنيٌّة" نتيجة "التحرر" مما شرع الله لنا من "الدين" .. ويصدق عليه قوله تعالي: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلونَ﴾ [الأعراف:139] .. فما بني علي باطل فهو باطل .. والغاية لا تبرر الوسيلة .. ولكن يجب اتباع الوسائل المشروعة لإدراك الغايات وإن تأخر تحقيقها أو تعثر أو حتي تعذر. ولنتذكر دائماً أننا مستخلَفون في الأرض .. لا ملاك .
اللهم قد بلغت .. اللهم فاشهد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.