حياة كريمة فى الدقهلية.. المبادرة الرئاسية تغيّر وجه 26 قرية بشربين    استشهاد فتى متأثرا بجروحه برصاص الاحتلال فى بلدة بيت فوريك شرق نابلس    محافظ الغربية يستقبل رؤساء المراكز والمدن والأحياء ومديري المديريات    ترامب: سنرسل مستشفى عائما إلى جرينلاند لتقديم العلاج لعدد كبير من المرضى هناك    الأرصاد: طقس «الأحد» شديد البرودة في الصباح الباكر    استشاري صحة عالمية: الحامل ليست مريضة.. والمتابعة الطبية تحسم قرار الصيام    بينهم طفلة، إصابة 3 أشخاص في تصادم سيارة نقل ب"توكتوك" أمام كوبري الجامعة بالدقهلية    الحلقة الرابعة من «رأس الأفعى».. سقوط عنصر هارب يكشف مخطط «نترات الأمونيوم» لتصنيع المتفجرات    دينا الشربيني تكشف أسرارًا لأول مرة: بطولة ضائعة مع وحيد حامد وذكريات موجعة عن والديها وأحلام فنية جديدة    مفاجأة تهز العرش البريطاني، الأمير أندرو استخدم طائرات سلاح الجو الملكي للقاء إبستين    وفاة لاعب ناشئ عمال المنصورة أثناء توزيع وجبات إفطار على الصائمين    ميليشيا مسلحة تصدر "أمر اعتقال" بحق عضو في لجنة إدارة غزة    الاحتلال يجبر فلسطينيا مقدسيا على هدم منزله شمال القدس المحتلة    مواقيت الصلاة الأحد 22 فبراير 2026 في القاهرة والمحافظات    لأول مرة بالمدن الجديدة.. أكشاك حراسة للمسطحات الخضراء في حدائق أكتوبر    مؤتمر سيميوني: الانتصار أمام إسبانيول مهم قبل مواجهة كلوب بروج    هل تحسنت الكرة في عهد أشرف صبحي؟| سيف زاهر يُجيب    موقف مؤلم من 18 سنة| سمية درويش تروي تفاصيل خلافها مع شيرين    لم تكن مصلحة| سمية درويش تكشف حقيقة علاقتها بنبيل مكاوي    موعد اذان الفجر.... اعرف موعد اذان الفجر ومواقيت الصلاه بتوقيت المنيا الأحد 22فبراير 2026    كرة يد – الأهلي والزمالك يفوزان على الجزيرة وسموحة    الأهلي يضع شروطًا لتجديد عقد حسين الشحات    أحمد موسى يطالب اتحاد الكرة بتوضيح سبب إسناد مباريات سيراميكا تحكيميًا لمحمد معروف    600 شهيد منذ بدء الهدنة بغزة ..«هجمة استيطانية» تعصف بالضفة    اغتيال قيادى بحزب الله ..غارات إسرائيلية جنوب وشرق لبنان.. وعون يدين    قبل السحور، حريق هائل بقرية البصارطة في دمياط والدفع بسيارات الإطفاء (فيديو وصور)    هل تخطط الولايات المتحدة لإعادة فتح سفارتها فى دمشق بعد أكثر من 14 عامًا ؟    أخبار مصر: كل ما تريد معرفته عن المنحة الإضافية على بطاقات التموين، تفاصيل حفل تكريم وزير الدفاع السابق، قواعد قبول طلاب الثانوية الأزهرية بالجامعات الحكومية والمعاهد، أمطار خفيفة على هذه المناطق    مصطفى بدرة: تحسن صافي الأصول الأجنبية يعكس ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري    «سند المواطن».. فرصة آمنة لكل أسرة لبناء دخل ثابت    عمرو دياب يشاهد مسلسل كلهم بيحبوا مودى بصحبة ياسر جلال    أحدث ظهور ل عمرو دياب وعمرو مصطفى: أخويا وعشرة العمر    موفد الأوقاف لأستراليا: رأيت دموع الهداية للمسلمين الجدد ..الحناوى: الدعوة جسر إنسانى يعبر بالناس إلى سماحة الإسلام    الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية تشارك الشعب الكازاخي فرحته بشهر رمضان    كونسيساو: كنا ندافع من أجل أن نهاجم أمام الهلال    أطعمة تعزز الهضم والنشاط بعد الصيام.. تعرف عليها    هل حليب اللوز مناسب لسكر الدم؟.. دراسة توضح البديل الآمن لمرضى السكري    أخبار × 24 ساعة.. للاستفادة من ال400 جنيه على بطاقة التموين.. الاستحقاق وأماكن الصرف    الأرصاد: طقس الغد دافئ نهارا بارد ليلا على أغلب الأنحاء.. والصغري بالقاهرة 11    لتعزيز قنوات التواصل، محافظ الوادي الجديد تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ    مصر الخير تطلق حملة لإفطار 1.5 مليون صائم بقطاع غزة خلال شهر رمضان    إنبي يطيح بقاهر الأهلي ويتأهل لنصف نهائي كأس مصر    محافظ دمياط يفاجئ مستشفى كفر البطيخ المركزي بزيارة ليلية    خطوات صرف زيادة 400 جنيه على بطاقة التموين    بلمسة وفاء من القائد الأعلى.. السيسي يُثمن مسيرة عطاء الفريق أول عبد المجيد صقر    وكيل الأزهر: الإفطار الجماعي يجسد معاني الأخوة الإسلامية ويعكس عالمية المؤسسة الأزهرية    هم آل البيت .. من هم العترة الذي ذكرهم النبي محمد في حديثه الشريف؟    في أول لقاء رسمي، محافظ الإسماعيلية يستقبل مدير الأمن لتقديم التهنئة    "صحة الدقهلية": تنفيذ 103 عمليات جراحية خلال 48 ساعة    طلب إحاطة حول تكليف خريجي الكليات الطبية "أسنان وصيدلة وعلاج طبيعي"    ضبط شخصين عرضوا بيع طائرات درون بدون ترخيص على مواقع التواصل الاجتماعي    تفاصيل جريمة مأساوية بالمنيب... قاصر يقتل طفلة    في ثالث أيام رمضان.. مواقيت الصلاة في الاسكندرية    وزارة «العمل» تعلن توفير 5456 وظيفة جديدة في 14 محافظة    المرور يضبط 96 ألف مخالفة و33 سائقا مسطولا في 24 ساعة    رمضان 29 ولا 30 يوم.. الحسابات الفلكية ترد وتكشف موعد عيد الفطر 2026    جامعة القاهرة تطلق برنامجا موسعا لتأهيل القيادات والكوادر الإدارية    قرار ضد عاطل قتل عاملا في مشاجرة بالمرج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإخوان في مواجهة العنف
نشر في مصر الجديدة يوم 21 - 02 - 2013


فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين
رسالة من: أ.د. محمد بديع
المرشد العام للإخوان المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد..
فإن أول صفة من صفات الله تعالى في القرآن الكريم أنه هو "الرحمن الرحيم"، فالله تعالى يعامل خلقه بالرأفة والرحمة قبل المؤاخذة والعقاب، حتى العصاة منهم {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ} (الحجر: 49، 50)، {ولَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ} (فاطر: 45)، ويقول في الحديث القدسي "إنَّ رحمتي سبقت غضبي" رواه مسلم.
كذلك ما أنزل الله تعالى الكتب السماوية، وما أرسل الأنبياء والمرسلين إلا رحمة للعالمين؛ لإنقاذ البشرية من شقاء الدنيا والآخرة عندما طالب آدم عليه السلام (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى) (طه: 123)، وقد وصف نبيه الخاتم محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات الغالية والوصايا الربانية {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران: 159)، ووجَّه الحديث للمؤمنين {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128).
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالاً للرفق وللرحمة في كل سلوكه، ليس مع أتباعه المؤمنين فقط، بل حتى مع الأعداء والمناوئين، فهل سمعتم عن الهجر الجميل للأعداء المستهزئين (واصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ واهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً) (المزمل: 10)، وفي أحلك الظروف والمواجهات أبى أن يدعو على المشركين، رغم ما ناله منهم من أذىً وجراحات، وهو صاحب الدعوة المستجابة فكان يقول عليه الصلاة والسلام: "اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، وكان قلبه يتفطر حزنًا على الضالين المعرضين، خوفًا عليهم من مصير أليم {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفًا} (الكهف: 6)، حتى في المعارك وأثناء الاقتتال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، أي نهينا عن التمثيل بالجثث حتى ولو فعل الأعداء ذلك.
ولقد رسم الله تعالى للأنبياء والمرسلين، ومن تبعهم من الصحابة والحواريين والدعاة والمصلحين إلى يوم الدين خطة الإصلاح ومنهج الدعوة إلى الله في كل زمان ومكان على أساس من الرفق واللين والإقناع الهادي، حتى عند عرض الرسالة على الفرعون مُدَّعِي الألوهية قال لهم رب العزة: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: 44)، حتى العنف في الكلام مرفوض؛ حيث إن لين الكلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام هي مفاتيح الجنَّة من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، والجدال بالتي هي أحسن {ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل: 125)، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف: 108)، {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} (البقرة: 256)، {إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} (القصص: 56)، {ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99).
بل إنه يدعو إلى عدم تسفيه الذين وقعوا في الشرك –وهو أكبر جريمة في حق الله تعالى– حتى لا تدفعهم إلى المزيد من الوقوع في الذنب، رأفة ورحمة بهم، وحتى لا نغلق عليهم طريق التوبة والرجوع إلى الحق {ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} (الأنعام: 108)، {وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (الأنعام: 68).
لقد كانت سمة دعوته صلى الله عليه وسلم الرِّفْق والرحمة بالخلائق كلها، الجماد والنبات والحيوان والطيور والإنسان على رأسها، والسيرة النبوية الشريفة مليئة بالأحداث والروايات المؤكدة لهذا، وحينما اشتدَّ عليه قومه وجاءه ملك الجبال يقول: "إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين"، وفي هذا هلاك كل المخلوقات في مكة، فردَّ رسول الله صلى الله عليه وقال: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا" متفق عليه.
وحين فتح الله تعالى عليه بالنصر المبين ودانت له مكة وخضع له المشركون، ما انتقم لنفسه قط، بل عفا وصفح وقال صلى الله عليه وسلم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء.. هذا يوم المرحمة".
على هذا النهج القويم سارت دعوة الإخوان في هذا العصر منذ أن بدأها إمامنا الشَّهِيد حَسَن البَنَّا رحمه الله، ورضي عنه وأرضاه.. دعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.. تدرج في الخطوات بحلمٍ وأناة "تعريف، ثم تكوين، ثم تنفيذ".. في خطوات عمليَّة محكمة "إصلاح الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم، ثم الحكومة المسلمة...، ثم الخلافة الإسلامية على منهاج النبوَّة، ثم هداية العالم كله لرسالة الإسلام الخالدة" تسعى جماعة الإخوان المسلمن في خدمة الناس -كل الناس –، وحمل الخير للناس – كل الناس –، شعارها الله غايتها، وأسلوبها "لين في غير ضعف وقوة في غير عنف".
وكم حاول المتحمِّسون والمتعجِّلون اعتساف الطريق واستخدام العنف لسرعة الإنجاز، فوقف لهم الإمام في حَزمٍ وعَزمٍ مع الهداية والإشفاق؛ قائلاً: "إن هذا الطريق مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال"، "ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين... إما النصر والسيادة، وإما الشَّهادة والسعادة".
وكم واجهت دعوة الإخوان من عداوات ومكر، وحروب ومكائد، وظلم ومؤامرات وصل إلى حد القتل والتعذيب والسجن والاضطهاد لعشرات السنين، مع حملات التشويه والتزييف والكذب والتضليل... ما دفعها ذلك إلى ردّ العنف بالعنف، أو ردّ الإساءة بالإساءة... ما سعت يومًا للانتقام حتى من القتلة والظالمين، بل احتسبت شهداءها عند الله تعالى... على أمل أن يفيء الظالمون إلى طريق الحق، وأن يتوب العصاة إلى الله عز وجل، مع اليقين الكامل أن الله سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، وأن الله قد عوَّض الصابرين المحتسبين في الدنيا قبل الآخرة (ولأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (النحل: 41)، بل لقد رأينا في حياتنا القصيرة انتقام الله عز وجل من بعض من تولَّى كِبْر التَّعذيب والقتل في السجون المصرية شرَّ انتقام (ولَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وأَبْقَى) (طه: 127).
وحينما لجأ البعض – تحت وطأة التعذيب الذى لا يطيقه بشر – إلى تكفير الظلمة والمعتدين... كانت الوقفة الحاسمة للمرشد الثاني حسن الهضيبي رحمه الله، حينما أصدر كتابه "دعاة لا قضاة"؛ ليحدد معالم الحق بعيدًا عن ضغط الواقع وانفعال المظلومين الغاضبين.
وكم تعرَّضت دعوة الإخوان في مسارها الطويل إلى نقد الناقدين ولوم اللائمين حتى من الإسلاميين الذين استبطئوا طريق الدعوة والإقناع والتربية، ولجئوا إلى العنف واستخدام السلاح، فماذا كانت النتيجة؟! دماء وأشلاء... تأجيج للكراهية لدى عموم الناس، تشويه الدعوة وإعطاء المنافقين والكارهين الفرصة والمبرِّر لضرب الفكرة الإسلامية واضطهاد المؤمنين، وقد شاء الله تعالى أن يفيء هؤلاء – أو معظمهم – إلى طريق الحق ومنهج الأنبياء، وأن يُدركوا أن خير الأمور أواسطها، وأن "الرِّفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء -أي شيء -إلا شانه"، وأن من القوة كظم الغيظ والعفو عن الناس وخاصة عند المقدرة {والْكَاظِمِينَ الغَيْظَ والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134)، "ليس الشَّديد بالصُّرَعَة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
وبعد سنوات من الصبر والمصابرة... نجح منهج التغيير السلمي بهذه الثورة المباركة والتي كان من أجمل صفاتها أنها (ثورة سلمية) لشعب مصر الصبور المسالم والحريص على نيل حقوقه؛ لأنه يعلم أن الحق هو الله والعدل هو الله، ولن يضيع حقٌّ وراءه مطالب، وقد فعلت الثورة المصرية ما لم تفعله أعتى الحركات والثورات والانقلابات المسلحة في 18 يومًا فقط أزاحت أعتى النظم الديكتاتورية، بأقل قدر من الخسائر، ولكنها قوة الحق والصبر والمصابرة، للشعب كله بجميع فصائله وطوائفه وأعماره وأجناسه على نيل الحرية وتغيير الواقع وإزاحة الباطل وتطهير الأرض من الظلم والظالمين، بقوَّة الحقِّ ونصرة الحق.
ما بالنا، بعد هذا الفتح المبين، وهذا السلوك الراقي الذي بَهَر كل شعوب العالم، وهذه الصورة المضيئة للتلاحم والتآلف والتعاطف بين كل جموع الشعب، وهذه الدعوات والصلوات الخاشعة لملايين المسلمين، يحرسهم إخوانهم المسيحيون في ميدان التحرير وميادين الثورة، ويشاركونهم في اللجوء إلى الله لينقذ مصر بقوته وسلطانه التي أقسم بها لكل المظلومين "وعِزَّتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين".. ما بالنا نرى الآن صورًا بغيضة غريبة، من استخدام للعنف والإيذاء والاعتداء من البعض ضد جموع الأمة.. لمجرد خلاف في الرأي، أو اختلاف في الأسلوب، أو تعجّل للخطوات... دون تقدير لحجم المشاكل التي يواجهها بلد كبير، تمت سرقته وتجريفه، وتبديدٌ لكل مقدّراته وثرواته على مدى عشرات السنين على أيدى الفاسدين والمفسدين الذين اعترفوا هم بأنهم أوصلوا الفساد إلى صورة غير مسبوقة في تاريخ الأمة.
إننا ندرك أن هذه الصور من استخدام العنف غريبة عن طباع هذا الشعب المسالم الصبور، وأن هناك أيادٍ خفيَّة تحاول إجهاض الثورة، وإتلاف ثمارها وتشويه صورتها، ودفع الناس إلى الكفر بالثورة والندم عليها.
هناك من يكره لمصر "ولكل دول الربيع العربي" الخير والنهضة، وهناك أموال تُدفع، ومؤامرات تُدبَّر، وخطط خبيثة لإجهاض كل خطوات الثورة في التحرر وإعادة البناء ومقاومة الفساد ومطاردة الفاسدين.. هناك من يُراهن على عودة الأمور مرة أخرى إلى عصر الظلم والفساد.. من أعداء بالداخل كانوا سدنة للنظام البائد ومنتفعين منه وآكلين على موائده الحرام، ومن أعداء في الخارج يكرهون عزَّتنا وقوتنا، ويعتبرون الثورة المباركة أكبر تهديد لهم بعدما فقدوا ما وصفوه بأنه "كَنْزٌ إستراتيجي لهم"، بل وجدنا حملة منظمة للإساءة المتعمَّدة لجيش مصر العظيم ودرع وسيف ليس لمصر وحدها، بل للأمة كلها على مدار تاريخه، فمن يا تُرى صاحب المصلحة في هذا؟
من صنع هؤلاء البلطجية ؟ ومن جنَّدهم ؟ ومن يدفع لهم ليُوهِمَهم.. أو يوهم المخدوعين بهم أنهم (ثوار) أو متظاهرون أو معتصمون ؟... في ثورة يناير كان كل المتظاهرين سلميين... واجهوا الباطل بصدورهم العارية، سقط منهم الشهداء الأبرار... لم يعتدوا، لم يُتْلِفوا، كان الملايين يجتمعون في الميادين... لم تحدث حادثة واحدة للاعتداء أو الإيذاء، لم تحدث حادثة تحرش واحدة... كان الاتحاد والتآلف والتراحم واقتسام كسرة الخبز... كان النظام والنظافة والعِفَّة والطَّهارة، فالغاية نبيلة والوسائل أيضًا نبيلة... ورأى العالم صورة للشباب الأطهار ينظِّفون الميدان بأيديهم، بعد أن نجحت ثورتهم وزالت دولة الباطل، وكما أسقط الله عز وجل وحده النظام، كما هتف الشباب في ميادين مصر، الله هو وحده المستعان لشعب مصر لإكمال نهضتها.
أين هذا الآن من محاولة هدم مؤسسات الدولة وحرقها بالمولوتوف وقطع الطرق وتعطيل مصالح الناس ورشق الشَّعب بالرصاص الحي والخرطوش... مع استخدام كل الموبقات من خمور ومخدرات وتحرُّش واغتصاب؟! ينبغي أن نميِّز جيدًا بين الشباب الطَّاهر الثائر البريء الذي يتمنى الإصلاح وربما يستعجل آثاره ونتائجه، وبين دخلاء يتم استخدامهم لإفشال النظام الشرعي المنتخب بعد جهد جهيد من صبر الشعب ومصابرته وبذله وتضحياته.
ينبغي أن ندرك أن الحوار والمشاركة، والصدق والإخلاص، وتجريد النفوس من كل هوى أو مصلحة شخصية عاجلة، والنظر إلى حاضر الأمة ومستقبلها، وتوحيد الجهود... هو السبيل للبناء والنهضة؛ لإنجاح التجربة وإعطاء الأمل والمثل لكل شعوب المنطقة، بل للعالم كله.. كيف تُبْنَى الأمم وتنهض الحضارات، كما فعلت مصر دائمًا.
أما استخدام العنف والكيد والمؤامرات، فلها في سنن الله تعالى نتيجة واحدة، نحن موقنون بها {ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ} (فاطر: 43).
ومن خلال الأحداث والمحن سيظهر للناس المُصْلِح من المفسد، أما مصر فقد حفظها الله بفضله وحده، وسيحفظها دائمًا بقدرته وسلطانه وببركة ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم – الصادق المصدوق من ربه – على أهلها.
{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (الرعد: 17).
{واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21).
والله أكبر ولله الحمد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.