يبدو واضحا أن المنطقة تتجه مرة أخرى إلى تصعيد وتوترات سياسية جديدة، ربما يتبعها أحداث عسكرية وفقا لما قد يستجد من أحداث، ولكن التصعيد الحالي لن تكون الدولة العبرية هي من تتصدره بنفسها، بل هي ستقتصر حاليا على دور المخطط والمحرك لأذنابها ووكلائها الجدد في المنطقة، مركزة على محاولة إلحاق أكبر ضرر ممكن تجاه اللاعبين الرئيسين اللذين وقفا بشكل واضح أمام مخطط التهجير القسري للفلسطينيين وإنهاء وجودهم في أرضهم التاريخية، وهما الدولة المصرية والمملكة العربية السعودية، حيث تحاول الدولة العبرية إحاطتهما بأحزمة نارية من بيئات وفصائل ودول معادية لهما، واستنزاف قدراتهما الاقتصادية، ودفعهما إلى مواجهات متعددة الأطراف وعلى مساحات شاسعة. ففي جنوب المملكة ينشط المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، مدعوما بقوى إقليمية عسكريا وماليا من أجل إعادة تجربة انفصال الجنوب اليمني عن الشمال مرة أخرى، بالرغم من كون هذا المجلس هو أحد مكونات الحكومة الشرعية اليمنية، حيث قامت القوات التابعة للمجلس بالاستيلاء على محافظتي حضرموت والمهرة تحت ادعاء السيطرة على عمليات تهريب للحوثيين بتلك المنطقة، حاشدا مؤيديه في المحافظتين لدعم تلك الخطوة والدعوة لإعلان دولة الجنوب اليمني من جديد، خطوة قد تحمل معها الكثير من التصعيد السياسي والعسكري باليمن. خاصة مع البيانات السعودية الرافضة لتلك الخطوة الأحادية، والداعية إلى انسحاب قوات المجلس الانتقالي من تلك المحافظات وتسليمها سلميا للحكومة المعترف بها دوليا، بل وقيام الجيش السعودي بغارات تحذيرية على مواقع قوات النخبة الحضرمية التابعة للمجلس الانتقالي في خطوة تحذيرية واستعراض واضح للقوة، وتأكيد على عدم سماح المملكة بوجود قوات للمجلس الانتقالي على طول حدودها الجنوبية، تلاها القصف المركز والمصور للإمدادات العسكرية القادمة من ميناء الفجيرة لميناء المكلا، وما أعقبه من إعلان إنهاء أي تواجد إماراتي في اليمن. حيث ترتبط السعودية بشريط حدودي يبلغ طوله 700 كيلومتر يشمل منفذ الوديعة الحدودي، كما تصنف المملكة شرق اليمن كامتداد للأمن القومي السعودي، في منطقة تتخللها الكثير من الروابط القبلية والعائلية على جانبي الحدود، منطقة يصعب السيطرة عليها حال حدوث نزاعات وتناحر داخلي، خاصة إذا تحولت الثروة النفطية لهذا المكان، والتي تمثل الممول الرئيسي للحكومة الشرعية باليمن، وشبكات التهريب لممول أساسي لميليشيات غير شرعية، بحيث يسمح هذا الصراع بوجود تحالفات وتدخلات لدول مناوئة ومعادية على حدود المملكة، أو إعلان كيانات غير شرعية تحصل على اعترافات من دول عدوة، تماما كما فعلت الدولة العبرية باعترافها بكيان صوماليلاند بالقرن الإفريقي، ليصبح الجنوب اليمني هو حزام ناري يطوق خاصرة المملكة السعودية جنوبا، ويمثل تهديدا مستقبليا جسيما لأمنها القومي.