السيسي يضع أكاليل الزهور على شهداء القوات المسلحة وقبر السادات بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    لتعزيز التعاون الدولي.. وفد جامعة بنها في زيارة لنظيرته "أوبودا" بالمجر    سعر الدولار اليوم الخميس 23 أبريل في مصر    بعد ساعات.. بداية التوقيت الصيفي ونهاية الشتوي| استعد لتغيير الساعة    تراجع أسعار النحاس عن أعلى مستوى منذ فبراير    وزير الري: التوجيه باستمرار التنسيق والتكامل بين أجهزة الوزارة والنواب لتعزيز الاستجابة الفعالة لاحتياجات وطلبات المواطنين    أسعار الذهب ببداية تعاملات اليوم الخميس، وهذا العيار يسجل 5991 جنيها    بوليتيكو: بريطانيا تجهز خبراء عسكريين للمشاركة فى مهمة لإزالة الألغام بمضيق هرمز    الرئيس اللبناني: تعمد إسرائيل استهداف الإعلاميين هدفه إخفاء حقيقة عدوانها    القيادة المركزية الأمريكية: قواتنا تنتشر في كل أنحاء الشرق الأوسط    الجيش الإسرائيلي يزعم اعتراض هدف مشبوه في لبنان    الاتحاد الأوروبي يبحث حلولًًا بديلة لتجنب تحول أزمة الطاقة إلى اضطرابات مالية    مجموعة التتويج بالدوري، موعد مباراة الأهلي وبيراميدز والقناة الناقلة    مواعيد مباريات الخميس 23 أبريل 2026.. قمة الزمالك ضد بيراميدز ونهائي سيدات الطائرة    عبدالجليل: مواجهة الزمالك وبيراميدز حاسمة في سباق الدوري.. والتعادل الأقرب    طقس اليوم الخميس.. بدء ارتفاع درجات الحرارة بأغلب الأنحاء    حريق يلتهم شقة سكنية في دار السلام    علي الحجار يدعو ل هاني شاكر: اللهم بعزتك وقدرتك كن أنت الشافى المعافى    "السينما... ليه؟" قراءة في التراث والهوية العمرانية ببيت المعمار المصري    تمثال يزن 6 أطنان.. مدير عام آثار شرق الدلتا يوضح أهمية كشف الشرقية الأثرى    قرارات جديدة بجامعة بنها لتعيين وكلاء كليات ورؤساء أقسام    جامعة القاهرة الأهلية تُطلق مبادرة طلابية شاملة لتعزيز الصحة والوعي    الصحة: خطة طموحة لميكنة المستشفيات 100% وتطوير البنية الرقمية    طب بيطري القاهرة تنظم ورشة حول منح إيراسموس لتأهيل الباحثين للمنافسة الدولية    مسئولة أممية: نتطلع لدعم أوجه رعاية الطفل فى سوريا    رئيس رابطة التعليم المفتوح: تحركات برلمانية لتنفيذ الأحكام القضائية ومؤشرات عن انفراجة قريبًا للأزمة    اليوم.. قطع المياه عن بعض المناطق بالعاشر من رمضان لمدة 24 ساعة    مسؤولو الصحة في أمريكا يرفضون نشر دراسة حول فعالية لقاح كوفيد    اليوم.. طلاب النقل الثانوى الأزهرى يؤدون امتحانات البلاغة والمنطق والهندسة    الرؤية الملف الشائك| الآباء: أولادنا ينظرون إلينا وكأننا غرباء عنهم    أمير الغناء العربي.. 50 سنة إبداعا    من «مرحبا دولة» إلى «مربط الفرس».. الكوميديا السوداء تكشف المأزق اللبناني    غدا، انطلاق أول احتفالية رسمية "الإسكندرية، مولد مدينة عالمية" احتفاء بتأسيسها منذ 23 قرنا    مسكن الحضانة.. وألاعيب بعض الأزواج    فاينانشال تايمز: مبعوث ترامب يسعى لإشراك إيطاليا محل إيران بكأس العالم    من الغزل السياسي إلى الهجوم العلني.. نهاية شهر العسل بين ميلوني وترامب    طريقة عمل الدولمة العراقية، مذاق لا يقاوم    محمد صلاح يكتب: الإنسان.. كلمة السر    حركة القطارات| 45 دقيقة تأخيرًا بين قليوب والزقازيق والمنصورة.. الخميس 23 أبريل    المؤبد ينهي رحلة «عامل الهيروين» في الخانكة    بطريرك الكاثوليك يهنئ مار بولس الثالث نونا بطريركًا على الكنيسة الكلدانية    مصرع شخص وإصابة 14 في انقلاب ميكروباص على طريق سفاجا – قنا    "تجارة عين شمس" تتزين باللون الأخضر احتفاء بيوم الأرض العالمي    آمال خليل.. صوت الميدان الذي لم يغادر الجنوب    انطلاق الملتقى التكنولوجي لكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة دمياط    «السكة الحديد» تبدأ العمل بالتوقيت الصيفي الجمعة.. هل تتغير مواعيد القطارات؟    عضو صحة النواب: المرحلة الثانية من التأمين الصحي الشامل تبدأ بالمنيا ضمن خطة التوسع بالمحافظات    أول شلتر متخصص.. خطة متكاملة لجهاز العبور للتعامل الحضاري مع الكلاب الحرة    قبل صدام الأهلي وماتشيدا.. تاريخ المواجهات السعودية اليابانية في النهائيات الآسيوية    سبورتنج لشبونة يتخطى بورتو ويتأهل لنهائي كأس البرتغال    حلمي طولان: المال حول وائل جمعة من الزمالك إلى الأهلي    أخبار × 24 ساعة.. الحكومة: الخميس 7 مايو إجازة رسمية بمناسبة عيد العمال    20 لاعبا بقائمة غزل المحلة لمواجهة بتروجيت في الدورى    عويضة عثمان: الصدقة على الفقير قد تُقدَّم على حج التطوع وفقًا للحاجة    جهود وزارة الداخلية وقضية النقاب ومصلحة المجتمع    هل الدعاء يُغير القدر؟!    هل إكرامية عامل الدليفري تعتبر صدقة؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    خالد الجندي: زوال الأمم مرتبط بالفساد والظلم.. والقرآن الكريم يربط بشكل واضح بين الظلم والهلاك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رضوى عاشور.. لا وحشة في قبر أستاذة الأمل (بروفيل)
نشر في مصراوي يوم 01 - 12 - 2014

في أواخر مايو 1946، جلس رجلين أحدهما كهل، في الطابق الأول ببيت بسيط مطل على النيل بمنطقة المنيل، يحاول الأكبر سنا تهدئة الآخر، يهدهد توتره، يُشغله بالحديث عن الاسم الأفضل للطفل المنتظر، فيما كانت ابنته ''مية'' في الطابق الثاني تعاني آلام الوضع، قبل أن تصلهم صرختها، تتبعها صرخة أوهن لطفلتها التي حضرت توا إلى الحياة، يهرعان إليها، يتأملان الكائن الصغير الرقيق، يقول الجد لابنته وزوجها ''لنُسميها رضوى'' نسبة إلى جبل يقع بالقرب من المدينة المنورة، تضرب به العرب المثل في الرسوخ فتقول ''أثقل من رضوى''.
تربت ''رضوى'' في كنف والديها، المحامي العاشق للغة العربية المولع بالأدب العربي القديم، و''مية'' الأم التي تعشق الرسم، كثيرا ما وقفت الطفلة أمام لوحتان زيتيتان كبيرتان معلقتان أمام باب المنزل، رسمتهما والدتها قبل أن تتم العشرين، تتطلع إليهما في وله، ثم تتركهما وتنشغل بتصفح الكتب التي يقتنيها والدها.. تفاصيل بيت المنيل ألهبت الموهبة لدى الصغيرة، إتقان الكتابة، حُب الأدب، فصنعت سيرتها المجيدة في هذا العالم.
شهادتها الدراسية كانت تؤكد أنها طالبة نجيبة، لكن دائما ما كانت تُلحق بملاحظة أنها ''مطيورة'' تنسى أشيائها في المدرسة، تصطدم أثناء سيرها بباب أو حائط أو شجرة، تقول رضوى إنها وقعت ذات يوم في فناء المدرسة، وعندما سُألت ماذا حدث قالت ''اتكعبلت في نفسي''، هذا لم يعيق الطفلة عن التفوق في دراستها حتى التحقت بقسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وحصولها على شهادة الماجستير في الأدب المقارن.
تكتب رضوى حينما تدق الكتابة على أبوابها، تستوقفها، تدهشها، تربكها، فتبدأ دون خطط مسبقة، تسرد ما يأتيها عبر شخصيات تصنعها من الخيال تضفرها في نسج تاريخي، تحكي بها تاريخ أمة، وتدفع بفلسفتها الخاصة في الحياة عن الوطن والأمل ورؤيتها للمستقبل من خلال لغة بديعة، ورُغم هذا بدأت مشروعها الأدبي وهي على مشارف الأربعين بروايتها الأولى ''الرحلة.. أيام طالبة مصرية في أمريكا'' عام 1983، ومن بعدها عدد من الأعمال أهمها ''ثلاثية غرناطة والطنطورية وسراج وقطعة من أوروبا''، كانت تخشى الفشل فأضاعت على قراءها المزيد من الأعمال العظيمة في سنوات الخوف.
لم تتوقف يومًا عن الحياة، كانت رضوى عاشور تحب الحياة بما اتسع له قلبها الكبير، فاستطاعت أن تضم إليها حب الفلسطيني ''مريد البرغوثي'' يتبعه سؤاله الوجودي عن أرضه، يتراص بجوار واجبها تجاه مصر، فهي الأستاذة الجامعية التي شهدت جدران كلية الآداب بجامعة عين شمس، على دأبها وسعيها الدائم، صوتها الدافئ يبوح بحبها للمادة الإنجليزية التي ظلت برحابها طيلة عمرها، هي المادة التي درستها وعلمتها لأجيال.
لم تسكت عن قول الحق، هي المُعافرة دومًا ذي الجسد الضئيل، كان إصرارها أكبر من يديها الصغيرة، وبهاتين اليدين كان باستطاعتها هدهدة العالم وتأديبه أيضًا، لها من الصولات والجولات التي يعرفها أساتذة الجامعة وطرقات مكاتب رؤسائها، ضمن حركة 9 مارس تمكنت من التعبير عن رأيها في قضايا عدة، منها ما ذكرته بكتابها ''أثقل من رضوى'' عن رفض تواجد الأمن الجامعي بعين شمس.
جعلت رضوى من الأدب ساحتها الرحبة التي تنطلق من خلاله فتسع كلماتها الأرض وماعليها، تحدثت عن كل شئ، عن الأمل، السجن، اليأس، الحب، والقضية التي تكبر داخل الفرد، قلب رضوى الذي حمل همه داخله، قضيتها التي كفت العالم وفاضت، حبها لمريد البرغوثي الفلسطيني الذي كان وطنه الشتات، وتميم ابنها الشاعر الذي ناله بعض من هذه الفرقة، ووطنها الذي لم تعرف يومًا كيف السبيل لكرهه.
مريد زميلها بكلية الآداب الذي أحبته، ظلوا عمرًا كاملًا يحاربان طواحين الهواء معًا، لم يملوا، حُب ولّف بقلوبهم رغم البعد، ولدت تميم وهو بالمنفى، ظلت تحمله إليه على جناح طيارة ترسلهما للمجر، وتميم بعمر شهور، تربى الولد على العناد والعنفوان، ليصبح شاعرًا يبث قوته خلال كلماته ''يا شعب ياللى دفع تمن الشوارع دم، احفظ أسامى اللى ماتوا فى الشوارع صم''.
مرضت رضوى عاشور بورم في الدماغ، ذلك الورم الذي عافرت معه كما كانت تعاند كل شئ أمامها، لكنه هزمها فلجأت لمحاربته بالعمليات الجراحية، أخذ منها عدد من العمليات بأمريكا أثناء ثورة 25 يناير، كانت رضوى تخرج من عملية لتدخل أخرى، وبين ايفاقاتها القليلة كانت تسأل ''مريد'' ''العيال انضربوا ؟''، قاصدة شباب الثورة، حملت رضوى هم الثورة أيضًا كما حملت هموم كثيرة.
الأمل كان إحدى قضاياها الكبرى، خبرته مع أمور الحياة ليصبح رفيقها الدائم، مهما انقلبت الموازين كانت تحكي دومًا عنه ''أقول لنفسي: لا يصح أو يجوز لأنني من حزب النمل، من حزب قشة الغريق، أتشبث بها، ولا أفلتها من يدي أبدًا، من حزب الشاطرة تغزل برجل حمارة''.
ألفت كتاب ''أثقل من رضوى'' لتحكي فيه عن معركتها مع الورم والاستبداد، غيبها المرض أيام الثورة الأولى، والآن مع براءة الديكتاتور الذي هتفت ضده، رحلت هي عن تلك الأرض، لتعلو كنجمة ترشدنا كلماتها للأمل، ولتسكن في قبر لا وحشة فيها كما وصفت من قبل قَبر بطلتها مريمة في ''ثلاثية غرناطة''.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.