3 قتلى في تظاهرات تطالب بإسقاط آبي أحمد.. ماذا يحدث في إثيوبيا؟    وكيل الأزهر: الإرهاب مرض نفسي وفكري لا علاقة له بالأديان السماوية    "اتحاد الغرف التجارية" يشكل غرفة عمليات لمتابعة حالة السوق بالمحافظات    وزيرة البيئة تشارك في أسبوع القاهرة للمياه    الخارجية تحتفل بيوم الأمم المتحدة غدا    أبو الغيط للحريري: نتمنى للبنان وشعبه كل الخير    ميركيل تهنئ قيس سعيد لتنصيبه رئيسًا للجمهورية التونسية    إصابات في هجوم طعن بمدينة مانشستر البريطانية    لاعب الأهلي يجري أشعة للاطمئنان على ركبته بعد إصابته بالتدريبات    بعد قليل.. أياكس وتشيلسي.. التشكيل    يسيتش يُعلن تشكيل الإسماعيلي لمواجهة الجزيرة الإماراتي    تأجيل إعادة محاكمة 15 متهمًا في أحداث "السفارة الأمريكية الثانية" إلى الاثنين المقبل    سجن طالبين هتكا عرض زميلهما بالمنيا    لقاء الخميسي تشعل إنستجرام بضحكة من القلب    البرق والرعد.. كيف نتعامل مع آيات الله الكونية؟    جامعة طنطا تفتح أبوابها للتعاون مع دول القارة السمراء    الجمعة والسبت قوافل طبية مجانية الي وادي أبوجعدة برأس سدر    في بيان رسمي.. "لا ليجا" ترفض موعد الكلاسيكو.. وتتوجه للقضاء    سامح زكي رئيسا لشعبة المصدرين بغرفة القاهرة التجارية    صحيفة يابانية: الدستور يقف عائقا أمام إرسال قوات إلى الشرق الأوسط    نيابة جنوب سيناء تسلم جثة سائح أمريكي إثر انقلاب أتوبيس سياحي لذويه.. وامتثال 12 مصابا للشفاء    ضبط مخزن أدوية وتشميع 9 صيدليات وتحرير 41 محضر في حملة بأسيوط    فودة: رفع درجات الاستعداد للحالة القصوى.. وتشكيل غرفة عمليات تحسبا للسيول بجنوب سيناء    أجندة إخبارية.. تعرف على أهم أحداث الخميس 24 أكتوبر 2019    بعد فيديو الجندى اللبنانى .. إليسا : الجيش والشعب إيد واحدة    طارق الشناوي لمصراوي: صلاح السعدني دفع ثمن آرائه السياسية في السبعينات    بينها الأهلي ومصر.. أسعار الدولار تواصل التراجع أمام الجنيه    الأوقاف : شطحات اللسان من أخطر الأمور على العبد    بالفيديو| خبير اقتصادي يكشف أهمية الاستثمار الروسي في القارة الإفريقية    أوراوا يضرب موعدًا مع الهلال في نهائي أبطال آسيا    ميلنر: أي لاعب في ليفربول سيضحي بالجوائز الفردية لأجل الفريق    الطيران المدني: إلغاء غرامات تأخير الرحلات الجوية مستمر حتى انتظام الحركة    مثل الكليات العسكرية.. "التعليم" تكشف عن اختبار نفسي للمعلمين الجدد    الآثار توضح حقيقة اللون الأبيض الذي ظهر على واجهة قصر البارون.. صور    كتب على جدرانه تهديدات بالعربية.. اعتقال شخص اختبأ داخل متحف فرنسي    رئيس البرلمان الأوروبي يدعم تأجيل «بريكست»    حقوق امرأة توفي زوجها قبل الدخول بها.. تعرف عليها    فتاوى تشغل الأذهان.. هل يجوز تربية كلب في المنزل لرغبة الأبناء؟ حكم الصلاة في مساجد بها أضرحة.. وهل يجوز الذهاب للعمرة دون رضا الوالدين؟    المستشار حمادة الصاوي يخلى سبيل عدد من النساء والشيوخ والأطفال من المتهمين في تظاهرات 20 سبتمبر    هونج كونج تعتزم إلغاء قانون "تسليم المجرمين"    مصطفي الفقي: الحملة الفرنسية مرحلة ثقافية محورية بتاريخ مصر    تجديد تعيين "الطيب" مساعدا لوزير التعليم العالي للشئون الفنية    أبرز قرارات "الوقائع المصرية" اليوم    الموعد والقنوات الناقلة لليفربول وجينك البلجيكي    موانئ البحر الأحمر: تداول 32 شاحنة وسيارتين بميناء نويبع    تكرار الذنب بعد التوبة.. علي جمعة يكشف السبب والعلاج    الصين: سرعة قياسية جديدة لأول قطار سكة حديد ذاتي القيادة في العالم    اخبار الفن.. ظهور توأم زينة وأحمد عز.. كارثة في منزل رانيا فريد شوقي بسبب المطر    شاهد.. أحمد السعدني لوالده في عيد ميلاده: كل سنة وانت طيب يا عمدة    «الخشت»: تحديث قاعدة البيانات جامعة القاهرة لتحديد احتياجاتها المستقبلية    المجلس الأعلى للجامعات: مشروع القانون المقترح للتعاقد مع الهيئة المعاونة    مياه الأمطار تغرق «مول طنطا الجديد».. وأصحاب المحال: عوامل الأمان معدومة    السيطرة على حريق داخل شقة سكنية فى مدينة بدر دون إصابات    السيجارة الإلكترونية وراء إقلاع 50 ألف بريطاني عن التدخين في عام واحد    مصر والأردن ينفذان التدريب العسكري المشترك "العقبة 5"    دراسة: «الخلايا الدبقية الصغيرة» تعيد تنظيم الروابط العصبية أثناء النوم    باحثون يطورون آلية جديدة للتنبؤ ب«تسمم الحمل» مبكرًا    مرتضى: فايلر تلقى اتصالا مفاجئا جعله يرفض ضم كهربا للأهلي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رضوى عاشور.. لا وحشة في قبر أستاذة الأمل (بروفيل)
نشر في مصراوي يوم 01 - 12 - 2014

في أواخر مايو 1946، جلس رجلين أحدهما كهل، في الطابق الأول ببيت بسيط مطل على النيل بمنطقة المنيل، يحاول الأكبر سنا تهدئة الآخر، يهدهد توتره، يُشغله بالحديث عن الاسم الأفضل للطفل المنتظر، فيما كانت ابنته ''مية'' في الطابق الثاني تعاني آلام الوضع، قبل أن تصلهم صرختها، تتبعها صرخة أوهن لطفلتها التي حضرت توا إلى الحياة، يهرعان إليها، يتأملان الكائن الصغير الرقيق، يقول الجد لابنته وزوجها ''لنُسميها رضوى'' نسبة إلى جبل يقع بالقرب من المدينة المنورة، تضرب به العرب المثل في الرسوخ فتقول ''أثقل من رضوى''.
تربت ''رضوى'' في كنف والديها، المحامي العاشق للغة العربية المولع بالأدب العربي القديم، و''مية'' الأم التي تعشق الرسم، كثيرا ما وقفت الطفلة أمام لوحتان زيتيتان كبيرتان معلقتان أمام باب المنزل، رسمتهما والدتها قبل أن تتم العشرين، تتطلع إليهما في وله، ثم تتركهما وتنشغل بتصفح الكتب التي يقتنيها والدها.. تفاصيل بيت المنيل ألهبت الموهبة لدى الصغيرة، إتقان الكتابة، حُب الأدب، فصنعت سيرتها المجيدة في هذا العالم.
شهادتها الدراسية كانت تؤكد أنها طالبة نجيبة، لكن دائما ما كانت تُلحق بملاحظة أنها ''مطيورة'' تنسى أشيائها في المدرسة، تصطدم أثناء سيرها بباب أو حائط أو شجرة، تقول رضوى إنها وقعت ذات يوم في فناء المدرسة، وعندما سُألت ماذا حدث قالت ''اتكعبلت في نفسي''، هذا لم يعيق الطفلة عن التفوق في دراستها حتى التحقت بقسم اللغة الانجليزية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وحصولها على شهادة الماجستير في الأدب المقارن.
تكتب رضوى حينما تدق الكتابة على أبوابها، تستوقفها، تدهشها، تربكها، فتبدأ دون خطط مسبقة، تسرد ما يأتيها عبر شخصيات تصنعها من الخيال تضفرها في نسج تاريخي، تحكي بها تاريخ أمة، وتدفع بفلسفتها الخاصة في الحياة عن الوطن والأمل ورؤيتها للمستقبل من خلال لغة بديعة، ورُغم هذا بدأت مشروعها الأدبي وهي على مشارف الأربعين بروايتها الأولى ''الرحلة.. أيام طالبة مصرية في أمريكا'' عام 1983، ومن بعدها عدد من الأعمال أهمها ''ثلاثية غرناطة والطنطورية وسراج وقطعة من أوروبا''، كانت تخشى الفشل فأضاعت على قراءها المزيد من الأعمال العظيمة في سنوات الخوف.
لم تتوقف يومًا عن الحياة، كانت رضوى عاشور تحب الحياة بما اتسع له قلبها الكبير، فاستطاعت أن تضم إليها حب الفلسطيني ''مريد البرغوثي'' يتبعه سؤاله الوجودي عن أرضه، يتراص بجوار واجبها تجاه مصر، فهي الأستاذة الجامعية التي شهدت جدران كلية الآداب بجامعة عين شمس، على دأبها وسعيها الدائم، صوتها الدافئ يبوح بحبها للمادة الإنجليزية التي ظلت برحابها طيلة عمرها، هي المادة التي درستها وعلمتها لأجيال.
لم تسكت عن قول الحق، هي المُعافرة دومًا ذي الجسد الضئيل، كان إصرارها أكبر من يديها الصغيرة، وبهاتين اليدين كان باستطاعتها هدهدة العالم وتأديبه أيضًا، لها من الصولات والجولات التي يعرفها أساتذة الجامعة وطرقات مكاتب رؤسائها، ضمن حركة 9 مارس تمكنت من التعبير عن رأيها في قضايا عدة، منها ما ذكرته بكتابها ''أثقل من رضوى'' عن رفض تواجد الأمن الجامعي بعين شمس.
جعلت رضوى من الأدب ساحتها الرحبة التي تنطلق من خلاله فتسع كلماتها الأرض وماعليها، تحدثت عن كل شئ، عن الأمل، السجن، اليأس، الحب، والقضية التي تكبر داخل الفرد، قلب رضوى الذي حمل همه داخله، قضيتها التي كفت العالم وفاضت، حبها لمريد البرغوثي الفلسطيني الذي كان وطنه الشتات، وتميم ابنها الشاعر الذي ناله بعض من هذه الفرقة، ووطنها الذي لم تعرف يومًا كيف السبيل لكرهه.
مريد زميلها بكلية الآداب الذي أحبته، ظلوا عمرًا كاملًا يحاربان طواحين الهواء معًا، لم يملوا، حُب ولّف بقلوبهم رغم البعد، ولدت تميم وهو بالمنفى، ظلت تحمله إليه على جناح طيارة ترسلهما للمجر، وتميم بعمر شهور، تربى الولد على العناد والعنفوان، ليصبح شاعرًا يبث قوته خلال كلماته ''يا شعب ياللى دفع تمن الشوارع دم، احفظ أسامى اللى ماتوا فى الشوارع صم''.
مرضت رضوى عاشور بورم في الدماغ، ذلك الورم الذي عافرت معه كما كانت تعاند كل شئ أمامها، لكنه هزمها فلجأت لمحاربته بالعمليات الجراحية، أخذ منها عدد من العمليات بأمريكا أثناء ثورة 25 يناير، كانت رضوى تخرج من عملية لتدخل أخرى، وبين ايفاقاتها القليلة كانت تسأل ''مريد'' ''العيال انضربوا ؟''، قاصدة شباب الثورة، حملت رضوى هم الثورة أيضًا كما حملت هموم كثيرة.
الأمل كان إحدى قضاياها الكبرى، خبرته مع أمور الحياة ليصبح رفيقها الدائم، مهما انقلبت الموازين كانت تحكي دومًا عنه ''أقول لنفسي: لا يصح أو يجوز لأنني من حزب النمل، من حزب قشة الغريق، أتشبث بها، ولا أفلتها من يدي أبدًا، من حزب الشاطرة تغزل برجل حمارة''.
ألفت كتاب ''أثقل من رضوى'' لتحكي فيه عن معركتها مع الورم والاستبداد، غيبها المرض أيام الثورة الأولى، والآن مع براءة الديكتاتور الذي هتفت ضده، رحلت هي عن تلك الأرض، لتعلو كنجمة ترشدنا كلماتها للأمل، ولتسكن في قبر لا وحشة فيها كما وصفت من قبل قَبر بطلتها مريمة في ''ثلاثية غرناطة''.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.