هل ستكون مركب رشيد هي الأخيرة؟ بالطبع.. لا، رغم أنها لم تكن الأولي، ورغم أن البني آداميين لهم ذاكرة وتاريخ يأخذ منه العبر، ويتجنب ما وقع فيه غيره. كل الأطراف مسها الخطأ، منهم من هو مجبر، ومنهم متعمد، وآخر لا يستطيع إدارة الأزمة. ضحايا مركب رشيد وصلوا إلي 170 ما بين نساء ورجال، والبحث مازال جاريا عن آخرين. لا أحد يعرف عدد ركاب المركب، فالركاب غير شرعيين، والمركب غير شرعي، والحكومة لا تعرف الحقيقة، لأن ماحدث وقع في غفلة منها. مركب يخرج من السواحل المصرية علي متنه مئات الأشخاص، ويسير في عرض البحر، دون علم أحد، ودون رقابة، ودون أن يراه أحد، البعض يقول 300 ومعهم طاقم المركب، وآخرون يقولون 350 بالإضافة لطاقم المركب، كيف استقلوا المركب دون أن يراهم أحد، إلا إذا كانوا جميعا ارتدوا "طاقية الاخفا" ونثروا علي المركب بودرة العفريت حتي تسير في اليم دون أن يراها أحد. التقصير واضح وضوح الشمس، والحكومة يجب أن تتحمل مسئوليتها كاملة، فمهمتها ليست فقط إدارة الأزمات وحلها، بل مهمتها الأساسية هي تجنب وقوع الأزمات والكوارث، واتخاذ الإجراءات الواجبة لتلافي الكوارث وبخاصة أنها كوارث متكررة، وحدثت مرة واثنتين وثلاثا، ولا قدر الله ربما ستحدث مرة واثنتين وثلاثا . ولا يمكن أن يقبل أحد أن يسمع أن الغرقي هم المخطئون ويتحملون مسئولية موتهم. فلو كانت هناك رقابة علي تجار الموت وتجار البشر ما غرق هؤلاء الضحايا، فلا يمكن أن تبيع دولة مثلا المخدرات، وتقول إن من يتعاطي المخدرات يتحمل العواقب، بل عليها أن تمنع المخدرات من الأصل! الحكومة تأخرت في رد فعلها تجاه الغرقي والضحايا، والبرلمان مشغول في الاستعداد للاحتفال بمرور 150عاما علي إنشاء برلمان مصر، فلم يتقدم أحد باستجواب لمساءلة الحكومة عن تقصيرها، ومحاسبة المسئول. حياة الإنسان لابد أن تكون الأغلي، وأن تكون هي الشغل الشاغل لكل المسئولين. ولكن يبدو أن هناك مسئولين لايشغل بالهم حياة البني آداميين. الحكومة ستصرف تعويضات للموتي لا تكفي لسداد الديون والمصروفات التي أنفقتها أسر الضحايا في رحلة موتهم، ولكن ليست هذه المشكلة، ولكن الأزمة في الناجين، فإذا سألت أحدهم، سيقول سأكرر المحاولة، مرة واثنتين، فإما الموت أو الهجرة، وتلك هي المشكلة الحقيقية، ولابد أن تأخذ الحكومة هذا الكلام بعين الاعتبار. وظني أنه لابد أن تشكل لجنة "حل أزمة"، وليس »إدارة أزمة»، تكون مهمتها، الجلوس مع كل الناجين وبحث حالتهم من كل الجوانب، وتحليل كل ما يطرحونه من أسباب لإصرارهم علي الهجرة، رغم المخاطر، ورغم المجهول الذي يحلمون به. ويجب أن يكون ضمن اللجنة عناصر من أطباء نفسيين وأساتذة علم اجتماع ورجال قانون ورجال أمن، وحقوق إنسان، وتقوم هذه اللجنة بإعداد تقرير وافٍ عما سمعوه، وعن رأيهم في علاج المشكلة، ويتم عرض هذا التقرير بشفافية علي الحكومة، وعلي البرلمان، لإيجاد حل جذري لهذه المشكلة، سواء كانت حلولا أمنية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو قانونية. فالأمنية ربما تتجاوز ملاحقة سماسرة البشر الذين يتاجرون بحاجة وآمال وأحلام الغلابة، ويجنون الملايين، وملاحقة أصحاب المراكب غير الشرعية، التي قد لا يحمل أصحابها تراخيص. والاجتماعية ربما تتجاوز توفير البيئة الصحية التي يعيش فيها هؤلاء الحالمون الهاربون. والاقتصادية ربما تتجاوز توفير فرص عمل، وتمويل لمشروعات صغيرة. والقانونية ربما تتجاوز تغليظ العقوبة علي مهربي البشر والمتاجرين فيهم. بصراحة البلد لم يعد يتحمل مزيدا من الكوارث، مابين حوادث قطارات، وحوادث تصادم سيارات، أو غرق مراكب غير شرعية، كل ذلك إهدار لأهم ثروات مصر، ألا وهي الثروة البشرية التي لا يلتفت إليها أحد. ندعو الله أن تكون حادثة مركب رشيد هي الأخيرة. آخر كلمة بسم الله الرحمن الرحيم { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّي يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} صدق الله العظيم سورة الرعد آية 11