أحداث عديدة وساخنة شهدتها الساحة المصرية مؤخرًا..بعضها يبدو متباعدًا متباينًا لا رابط بينها.. لكن المدقق يدرك أن هناك خيطًا رفيعًا لكنه حاد وقاتل بين بعض تلك الأحداث.. يكشف إلي أي مدي وصلت الأمور بمصر من تراكمات عهود وعقود من الإهمال والبلادة والفساد الإداري.. التي يبدو أن ثورات وتغييرات مزلزلة لم تكن كافية للتخلص من تلك العيوب »الجينية» لدينا. نختار من تلك الأحداث ثلاث.. تتقاطع في المنشأ والمصب والنتائج والتأثير، لكنها تتلاقي عند نقطة الدولة الهشة فاقدة البوصلة الإدارية.. نبدأها بالطبع بالكارثة الإنسانية المفجعة بغرق مركب المهاجرين أمام رشيد.. التي أزهقت أرواح أكثر من 200 ضحية.. ارتادوا مركب الموت تسبقهم أحلام عديدة أبسطها العيش الكريم.. ثم غاصوا في قاع البحر، تلحقهم كوابيس مؤلمة لذويهم محاطة بالدعوات لهم وعلي من تسبب في غرقهم.. وكأن هذا العدد من الضحايا مصريين أو غيرهم لم يكن كفيلًا بزلزلة حكومتنا الرشيدة.. فغابت عن المشهد الحزين المخزي ساعات وأيامًا.. واستيقظت أمس بخبر اجتماع لمجلس الوزراء لبحث الحادث!!.. كيف تحصنت الحكومة بهذا البرود وتلك البلادة الشديدة التي وصلت لدرجة أننا لم نشاهد رئيس الوزراء او وزراءه ينتفضون من كراسيهم أو مضاجعهم متوجهين لمكان الكارثة حتي من قبيل الشو الإعلامي وذرف دموع التمسايح امام الكاميرات علي الضحايا.. من أين جاءهم النوم ساعات وأيامًا ودموع عامة الشعب لم تتوقف علي زهرات شبابنا التي اقتطفتها عصابات اتجار بالبشر تمرح وترتع وأجهزتنا لها من الحافظين ! هل أرادت الحكومة قضاء عطلة نهاية الأسبوع بعيدًا عن وجع دماغ صرخات أهالي الضحايا.. أم أنها كانت تنتظر الاستئذان والإذن بالتحرك.. وهل يكون التحرك باحتماع وزاري بعيدًا عن رءوس تقتلع وأجهزة تحتاج يدًا من حديد حتي تستيقظ من سباتها!! نصل لإرجوت القمح.. فالحكومة التي تمايلت تيهًا وفخرًا بقرارها بمنع استيراد الأقماح المصابة بالفطر حتي ولو بالنسبة المسوح بها دوليًا.. فهي أفضل حكومات العالم حفاظا علي أرواح مواطنيها حتي ولو تسبب تراخي أجهزتها في غرقهم.. وبعد أسابيع تعود لإلغاء قرارها وتجهيز القصائد في مدح الفطر.. بل تعلن عن التجهيز لسلسلة عقوبات من نوع قطع الرقاب للمسئولين المفترين الذين ظلموا فطر الإرجوت وضللوا حكومتنا السنية بقرارها السابق التي منّ الله عليها بنعمة إلغائه في الوقت المناسب.. أي إدارة تلك لشئون دولة بحجم وقيمة وقامة مصر التي تتبعها تلك الحكومة لتضيع القيمة وتحني القامة!!.. إن أبسط القواعد عند اتخاذ قرار مثل منع قمح الإرجوت دراسته من كل الجوانب.. آثاره السلبية وتداعياته علي الإنسان والدولة داخليًا ودوليًا.. لكن بكل بساطة صدر قرار المنع.. وبنفس البساطة صدر قرار السماح دون أن يكون هناك شفافية وشجاعة في تحديد من المسئول -مهما علا- عن الإساءة لشكل مصر وليس الحكومة داخليًا وخارجيًا. وأخيرًا نصل لمحطة ماسبيرو وفضيحة إذاعة حوار قديم لرئيس الجمهورية.. هذا المبني العملاق بوسط عاصمة المحروسة الذي يعد شاهدًا بل نموذج مما يحدث بمصر منذ إنشائه.. ماسبيرو الذي كان محط أنظار العالمين العربي والأجنبي لعقود.. الآن يتحول وبكل أسف لقزم إعلامي.. غاب تأثيره وتراجع دوره وعزف عنه المريدون ليحولوا مؤشر قناعاتهم وقبلتهم لمحطات أخري محليًا وإقليميًا.. ما حدث في ماسبيرو أكبر من مجرد خطأ في إذاعة حوار قديم لرأس الدولة.. إنما مؤشر خطير لما يجري داخل دهاليز هذا المبني.. فإقالة رئيس قطاع الأخبار أو حتي رئيسة اتحاد الإذاعة والتلفزيون ليست الحل، فما حدث نموذجًا للغالبية العظمي من مؤسسات الدولة من ترهل إداري ولامبالاة وغياب الرؤية والثواب والعقاب والبحث مع كل مشكلة عن كبش فداء بدلًا من الحلول.. مع العلم أن ماسبيرو مصنع كل نجوم الإعلام المصري بل والعربي من مذيعين ومخرجين ومصورين وإنتاج ومونتاج.. لماذا يصبحون مغيبين داخل ماسبيرو ويبدعون خارجه.. تلك هي ازمة ماسبيرو.. وأزمة مصر.. فهل من حلول ؟!!