خرج الموظف الصغير من بيته يجر قدميه جرا.. وصل إلي المقهي.. جذب كرسيا وانزوي في ركن بعيد.. كان يسخر من رواد هذا المقهي الذين يضيعون وقتهم بلا فائدة.. الآن صار زميلا لهم بعد ان طردته زوجته من جنتها .. وحرمته من أنوثتها.. وحكمت عليه بالعزلة داخل نفس البيت الذي شهد أجمل أيام عمره معها!.. الليلة لابد ان يتخذ قرارا بعد ان فاض به الكيل.. إما ان يطلقها.. أو يؤدبها بطريقته مثلما يفعل أي زوج شرس.. أو يهملها ويستسلم لحالة اللاحرب واللاسلم في حياته الزوجية.. وفجأة.. ظهر صديقه القديم.. اقترب منه.. ورحب به الزوج دون ان يدري ان صديقه أتي ومعه الخراب المستعجل؟!« دار حوار قصير بين الصديقين.. لكن حسن لم يكن في حالته وانما انعكست عليه مشاكله مع زوجته زينة التي ضاقت ذرعا بمرتب الزوج الذي لا يحقق لها الحد الأدني من طموحاتها! سأل شكري صديقه حسن عما تريده زوجته فأسرع حسن يقول له: عايزه موبايل جديد.. وعايزه تشتري انتريه.. وتطلع المصيف.. وكمان اعوضها عن الغويشة اللي باعتها من كام شهر عشان أسدد ديوني.. ولما عجزت احقق طلب واحد بدأت تفرض عليّ الحصار!! أما انت راجل عبيط صحيح.. إوعي تخسر زوجتك؟.. يا اخي بلاش تبقي حنبلي.. اعمل زي زمايلك ولو مرة واحدة.. العملية كلها كام ألف جنيه والمدام تنهي الحصار وترجعك حسن بتاع زمان! طأطأ حسن رأسه ولزم الصمت.. كان يعرف ان الجدل مع شكري لا فائدة منه فهو واحد من أمهر الفاسدين في ادارة الحي الذي يعمل به وحولها إلي قطاع خاص مع عصابة من زملائه الذين يتاجرون بالوظيفة!
اليوم التالي ، جلس حسن إلي مكتبه البسيط في مظهره، الخطير في المهام الموكوله إلي صاحبه.. كلمات شكري مازالت ترن في اذنبه وشبح زوجته يتراقص امام عينيه.. وها هي الفرصة أمامه.. صاحب شركة توريدات يريد صرف مستحقاته من المصلحة التي يعمل بها حسن، واللوائح تمكن حسن من تأخير صرف هذه المستحقات او صرفها في الحال اذا لم يتحجج بالروتين! .. ودون وعي.. قرر حسن ان يجرب حظه.. طلب خمسة الاف جنيه من صاحب الشركة.. وتظاهر الرجل بالموافقة وحدد معه موعدا لمكالمة تليفونية خلال يومين يدبر فيهما المبلغ!.. وقبل ان ينصرف دس الرجل الف جنيه في يد حسن لاثبات حسن نواياه! عاد حسن إلي بيته يرقص فرحا علي أنغام أول رشوة في حياته.. نادي علي زوجته وهو جالس واضعا ساقا فوق ساق.. وجاءت إليه في كبرياء.. وبادرها هو في ثقة: بعد يومين او ثلاثة بالكتير هتاخدي مبلغ محترم.. ويمكن العملية دي تتكررمرتين او ثلاثة في الكام شهر الجايين! تهلل وجه الزوجه.. ونظرت في دهشة الي يد زوجها وهي تخرج الالف جنيه من جيبه وتمنحها لها.. علي الفور تغيرت الزوجة مائة وثمانين درجة.. سألت زوجها: اتعشيت يا حسن ..؟! بصراحة.. أنا جعان.. جعان قوي! طمأنته باشارة من يدها.. اسرعت الي المطبخ.. وانشغل حسن بشاشة التليفزيونية بينما عقله سارح فيما سيحدث الليلة من احتفالات ربما تشهد مفاجآت ترد بها زوجته اعتباره كرجل! تناولا العشاء.. دخلا حجرتهما.. وخرج الحب من مخبأ الزوجة.. أجهدته وأجهدها. تدللت وتعظمت وتعملقت ثم صارت كالدمية بين ذراعيه! الصباح كان مثل أيام العيد لكليهما.. زينة سعيدة بألف جنيه هي عربون حياتها الزوجية الجديدة.. وحسن سعيد بليلة الحب وان كانت مدفوعة الثمن ، لكنه اقنع نفسه بأن الحياة تغيرت وهو الذي كان قد تخلف عن موكب التغيير! صاحب الشركة ابلغ الرقابة الادارية.. اتصل بحسن.. حدد زمانا ومكانا.. المكالمة مسجلة باذن النيابة.. تم اعداد الكمين.. ذهب حسن في الموعد المحدد .. شعر بالمراقبة.. حاول ان يهرب.. ونجح بعض الوقت.. لكنه وقع في قبضة العدالة! النيابة العامة حققت مع حسن وانتهت إلي احالة القضية إلي القضاء الاداري بعد ان رأت الاكتفاء بالشق التأديبي دون الجنائي.. وامام الدائرة التأديبية برئاسة المستشار أمجد عبدالفتاح ابو مسلم وعضوية المستشارين أحمد إبراهيم عابدين وهشام متولي اطلعت المحكمة علي مستندات الدعوي واستمعت للشهود ثم قضت بإحالة المتهم إلي المعاش. امام مجلس الدولة كان حسن وزوجته ينتظران محاميه.. وحينما سمعت زينه بالحكم صاحت في زوجها! معاش !!؟ يعني خيبة أمل راكبة جمل. مشي حسن منكس الرأس إلي جوار محاميه، بينما سبقت زينه الاثنين إلي موقف الميكروباص.. ربما كانت ذاهبة إلي بيت اهلها لتبدأ في اجراءات الطلاق.. وربما عادت إلي بيت الزوجية لتفرض حصارا من نوع جديد يزداد فيه الزوج عطشا والنهر يجري امامه!!