فتحت باب بيتنا أضع كيس القمامة الأسود خارجه. بعد أن أثقلته بكل ما يجب التخلص ممنه. لتحضرني نصيحة أمي المتكررة.. ضعي شنطة وراء ظهرك.. وألقي فيها بما يؤرقك ولا تنظري خلفك وأكملي الحياة. رحمك الله يا ست الحبايب.. مال الكتف وانحني وانقصم من الظهر وانقسم.. وتفتت وصرت ألملم الفتافيت في محاولة لتجميع كائن.. كان. دارت برأسي الأفكار اليومية التي تلهث وتجري إلي تلافيف المخ لتجلس فوق دماغي وتضع ساقاً علي ساق. وتعبث بأصابعها لتنبهني.. هل تستطيعين التخلص من بشر مثلما تفعلين مع الأشياء. وتغرز أظافرها في مسامي لتعذبني. وتصرخ في أذني انهم بني آدمين منحيتهم الدم واللحم. وفتحت لهم الشرايين وكنت لهم قبلة الحياة.. بها عاشوا وتمددوا وتضخموا وظلوا يرتعون طويلاً في مساحتك. ثم قضموك بأسنانهم التي ظننتها لبنية وهي في الحقيقة أنياب.. برزت ولم يسعها فم. وصارت تمزق حريرك الغالي. آه.. يا أمي كيف ارمي بهم للخلف وهم اللون الغالب علي لوحة الحائط.. والجدران مجسمة والرسوم متحركة. والبطل الشرير له أطول الأدوار وأرذلها علي القلب. عمايل يا ربنا.. متي تنتهي تلك المسرحية الهزلية.. وتفرغ صحيفة أعمالي من "العمايل". وأضع يوماً كيس بقايا أسود دون تقليب.. مواجع. وضعت ما بيدي جانباً. وأغلقت بابي علي ما فيه. وخرجت إلي الدنيا الواسعة.. أعشق شوارع مزدحمة بالخيرات. أسواق فاكهة وخضراوات وألواناً تملأ المكان. ينتابني الشعور مع هذه الأكوام من طماطم وأهرامات من بطيخ.. وتلال عنب. إن كل ناسنا سيأكلون.. ما أروع الشعور بأن من حولك شبعان. يخبط بائع العصير بوعاء يبرق كالفضة ويعلو به عن الأكواب المعدنية ليحدث رغوة متاع للشاربين.. يروون الظمأ.. ولا أحد يشعر بالقصب.. اتعصر. وسط شارع وعلي الرصيف وجدتها تبكي. نهنهة خافتة واضحة. امسكت يدها بين يدي.. ماذا بك.. وكأن أحداً لم يضغط موضع الكلام عندها من قبل. فانفجرت تقول: ثلاثون سنة أخدم في البيوت وزوجي يأخذ كل جنيه اشتغل به. وأمس عدت إلي البيت فلم أجده. طلب اخوته واستغاث بهم لأني أتركه وحده وأذهب للشغل. شغالة ابنتي الكبيرة متفوقة وتريد دخول الجامعة وبمجهودي وحدي "وجردل المياه والممسحة" دفعت مصاريفها واشتريت لها ملابس مثل باقي البنات وكتباً وأوراقاً وتخرجت.. وقلدتها ابنتي الثانية وصارت جامعية.. دخلت جمعيات لاشتري جهاز الكبيرة وزوجتها بحمد الله وسترتها.. وبعدها الثانية واشتريت لابني بضاعة يبيعها ويعيش منها هو وزوجته ووحدي من صرف عليه. كل هذا يعرفه زوجي ولم يعترض بالعكس كنت أدخل البيت وقدمي متورمة وأنام كالميتة فيوقظني هو قبل الفجر ويقول "شوفي أكل عيشك". والآن بعد أن تحولت من خادمة في كل بيت وصرت مديرة منزل. كل مهمتي أطلب من الشغالة التنظيف ومن السائق شراء الطلبات. وافتح الباب للأبناء عند وصولهم من المدرسة وانصرف. وفي شنطتي نقود تسمح لي بمجاملة لابنتي أمام زوجها وشراء طرحة أو عباءة. ودفع تذكرة علاج. الآن استدعي زوجي اشقاءه ليأخذوه إلي البلد لأنه لا يطيق عملي ولأنه يريد مني البقاء في البيت. لماذا تركني أعمل بمشقة شديدة لأصرف كل هذا. ثم الآن صار يشكو من عملي؟! من الأول الرجل الذي يريد زوجته لا تعمل يجب أن يطلب ذلك من البداية. أما أن يظل يحلب الزوجة كبقرة حلوب. ثم يخطر علي باله لماذا لا تبقي لتسليني في البيت وتكون هي اعتادت العمل عشرات السنوات وتعودت أن تملك بضعة جنيهات.. صرخت الزوجة ارحمونا من أمثال هؤلاء انه يتهمني بالتقصير بعد المشوار الطويل.. ووجدتني أكرر قول أمي رحمها الله.. ألقي وراء ظهرك ما لا يستحق. ومن لا يستحق أيضاً.