أنت واحد من خلق الله. يحتاج إلي آخر بجانبه يؤنس وحشة الوحدة علي طريق الحياة. فماذا لو ألقت الدنيا عليك بواحد جاحد. وكلنا يعرف نتيجة جمع واحد « واحد. وتساوي اثنين في انسجام تام. أو كما هي في كلمات بيرم التونسي "من ده و.. ده الحب كده" فربما صار حاصل الجمع يعني الامتزاج في واحد. فيتشابهان في الطرفة التي تضحكهما والموقف الذي يرضيهما.. وحتي في الملامح. أو يظلان علي حالة الأغنية "ينسيني الوجود كله ولا يخطر علي بالي. ولما طبعه يتغير وقلبي يبقي متحير مع الأفكار أبات في نار". ينصهر اثنان ويذوبان. أو يغمض كلاهما الجفن راضياً عمن يجاوره بما فيه من اختلافات تملأ كل ثغرة فيه. تردم الأخاديد. وتتوغل داخل ثناياه.. كطلاء جدار ينفذ للشقوق فيرمم. لتعيش حياة أكثر سلاسة ونعومة. تنزلق عليها كل الهموم. بعد أن صرت أهلاً "لزحلقة" كل سخيف. فاتحاً ذراعيك كمصلوب وأنت علي دين الإسلام "زاهداً فيما سيأتي.. ناسياً ما قد مضي". وتكمل مع جبران خليل جبران "إنما الناس سطور كتبت لكن بماء". فأنت تخففت من الأحمال وسددت الحفر. وأنعم الله عليك بإنسان من حنان. أمير يلف دنياك.. بالحرير. كل هذا ناتج العملية الحسابية واحد « واحد. فماذا لو تحولت حياتك بكاملها إلي واحد « جاحد.. وتعالوا نقول. أمومة.. يا أمي نلهو ونفرح بحياتنا مع أمهاتنا. لكن نشعر بمعني الأم حين يهبنا الله طفلاً. وقد صارت الأمومة عندي هي أمي حين احتضنت ابنتي. ارتعش بدني ألماً.. ليس ألمي وإنما لامسني ما شعرته أمي في ودلاتي. تحملت هي كل هذا لآتي أنا. ومن تحملها تعلمت واحتملت. لكن لم استطع احتمال بعدها عني. فوصلتني.. قطعت المسافات وكانت في آخر أيام عمرها.. لتقطع غربتي وتحتضن معاناتي. وترأب الصدع الكبير. سافرت عن اريكتها وفراشها وحجزت تذكرتها ذهاباً وعودة.. لتضمني ووليدتي لصدرها. وفي عيونها وشنطتها حملت كل الخير لتلقي به علي بيتنا الضيق في الخليج. كل الحق لمن أقر بأن الغربة.. كربة. إما أن تعيش فيها الأنثي في كنف رجل يحمي. أو يكون له صفة الراعي وفعله. يهش بعصاه الآخرين. ليستفرد بغنيمته ويلتهمها في نهاية الطريق. والويل لمن كان لها.. راع. وضعت أمي علي مائدة البيت إسورة ضخمة من جنيهات ذهب تملأ عين الآخر. ووضعت علي جبين صغيرتي وداخل قلبي قبلة حياة. منحتني أياماً قليلة من سعادة كبيرة. تدفأت بها لحظاتي.. وخبأت فرحتي عندها. فلم يكن مصرحاً لي بالفرحة بأمي. فاكرة يا.. مولاتي مفروض أن أنسي. إلا أني أتذكر. علبة فول احضرتها سعيدة أنني سأطعمها لأمي لأذكرها بمصر. وبين أصابعي نزعت القشرة عن كل حبة فول. نسيت إخفاء القشر. وقامت الدنيا ولم تقعد غضب وثورة وصراخ الزوج.. تقشرين لأمك الفول. ربما تبحث عن علامة تعجب. لكني لم أتعجب. لأني طوال حياتي يتم حسابي علي كل معقول.. فسنواتي مع الشريك كلها.. لا معقول. في البلد البعيد لا تخرج المرأة بغير رجل. ولا وصول لمكان أتمني أن تراه أمي إلا بسيارة يقودها هو.. حتي لو كانت من عرق جبينها هي.. لكنه يصر ألا أوقظه قبل الثامنة مع أنه في التاسعة ستغلق كل الدنيا أبوابها. أقف علي كراسي.. أقفز فوق الكتب.. "أتشعلق" في الحائط.. أخلع غطاء زجاجياً لساعة حائط وأحول العقرب الصغير إلي الثامنة لأرضي العقرب الكبير. وأخرج مع أمي ساعة زمن. كم رجوته وتوسلت أن تبقي أمي معي أياماً لا تزد علي أصابع اليد حيث موعد رجوعنا في اجازة لبلدنا. وصمم أن ترحل حتي لا يسدد غرامة لتأخرها. والغرامة مضروبة في ألف كانت دخلي الشهري الذي لم يدخل لي.. يوماً. ويمنعني الأدب عن كلام في أرقام. واليقين أن كله لأولادي. والحقيقة أنه لا يقين إلا في الله. حبيبتي.. ماما غادرت أمي والدموع في عيني وعينيها. وأنا أودعها.. سأصلك بعد ثلاثة أيام. وهي تهمس بآخر ما سمعت منها "اللقا.. نصيب". يومان وقبل الثالث وصلني موت أمي. وتطفئ الدموع علي أستار الكعبة حرقة الفقد. سأجفف الدموع الآن لأكتب صراخ وعويل الزوج بعد سفر ماما.. "أمك حرامية" فقد أخذت صورتي. اتهم أمي بالسرقة لأنها وضعت في شنطتها عن ابنتها صورة. مع أنه سرق.. عمري. صفحة من مذكرات أرملة.