لأول مرة يعصاني قلمي، يأبي أن احتضنه، ويأبي أن يلمس الورق ويكتب، لأنه يعرف أنك لن تقرئي ما أكتبه، فهو مثلي كان يتشوق أن تقع عيناك علي ما نكتبه معاً، أنا والقلم. لم يكن قلمي وحده من عصاني، فالعصيان كان حالة عامة اجتاحت كل حواسي واعضائي، وأدواتي، وأماكني، بل امتدت إلي الزمن.. الكل أعلن العصيان والخصام. قلبي يهددني بالتوقف بين لحظة وأخري فلم يعد قادراً علي أن يدق لغيرك أو يخفق لإمرأة سواك. شفتاي تحجرت وتيبست لأنها تأبي أن تقبل يداً أو جبينا غيرك. لساني علي وشك الخرس، فلا حروف غير اسمك ينطقه، ولاطعم للحديث مع غيرك أو الكلام عن امرأة سواك. أذناي تهدداني بالصمم، فكلماتك العذبة التي كانت تطربهما صمتت، وترانيم دعائك توقفت، وتسابيحك ذهبت. جسدي يفتقد من يربت عليه، ومن يحنو عليه ومن يحتضنه، ويخبئه، ويحميه، ويطمئن عليه. قدماي لاتطاوعاني في السير لغير سبيلك. يداي تشتاقان أن يحتضنا يديك، ولمستهما الدافئة. انفي يأبي أن يشم رائحة غير رائحة المسك التي كانت تفوح منك، وتملأ كل مكان تنزلين به. سجادة صلاتك ترفض أن يسجد عليها أحد غيرك، مسبحتك، طرحتك، كوبك، كرسيك ملعقتك نظارتك منبهك، كل اشيائك تأبي أن يلمسها أو يستخدمها غيرك فهي مصنوعة ومخلوقة من اجلك انت دون سواك. غابت الشمس التي كانت تغار من نورك ودفئك، ولن يظهر القمر الذي كان يغار من حسنك وينير الليل، فصارت العتمة من بعدك. صمتت العصافير يوم رحيلك حداداً. ذبلت الورود حزناً علي فراقك. امتنعت الأشجار عن الاثمار. أحلامي السعيدة هربت، وحلت مكانها الكوابيس التي كانت تهابك فتخشي الاقترب مني. عقارب الساعات توقفت، والأيام طويلة طويلة ولم تعد تتحرك، فحركتها كانت لك وبك. أخشي أن تكون الملائكة قد تركت الأرض من بعدك، وسكنت الشياطين مكانها، فمن غيرك يستحق أن تحيطه الملائكة، ولمن بعدك تكتب الحسنات. رحمك الله يا امي.. الدنيا كلها «وحشة» بدونك. لا راحة لا أمان لا أمل لا سكينة آخر كلمة ماتت «الأمومة» برحيل أمي. يارب اجعلني صالحاً .. كي يصل إليها دعائي.