ربما يري البعض أنه ليس هناك ما يربط بين واقعة اختفاء الصحفي السعودي الشهير جمال خاشقجي في تركيا. والشكوك التي أحاطت بذلك وعلي رأسها احتمال قتله. وبين سقوط الإرهابي المصري الخطير هشام عشماوي في درنة الليبية علي أيدي قوات الجيش الليبي التي اقتحمت المدينة وتقوم بتطهيرها الآن من الإرهابيين.. وبالفعل ليس هناك ما يربط الحدثين سوي أنهما يعدان من الأحداث الكبيرة التي حازت علي اهتمام إعلامي كبير. وإن كان الحدث الأول مرشحاً لاستمرار الاهتمام الإعلامي به لفترة ليست بالقصيرة. في ظل الغموض الذي صاحبه وارتبط به. وكثرة الشائعات التي أثيرت ومازالت تثار حوله.. والأهم عدم العثور علي خاشقجي حياً أو ميتاً حتي الآن.. فإن جمال خاشقجي هو صحفي سعودي نال شهرة ليست بالقليلة وتولي رئاسة تحرير إحدي الصحف السعودية الرسمية لفترة من الوقت. وعمل مستشاراً إعلامياً للأمير تركي الفيصل الذي ترأس جهاز المخابرات السعودية لفترة طويلة بعد أن صار دبلوماسياً.. ولم يعرف عنه طوال عمره الذي يقترب الآن من الستين إنه كان معارضاً داخل أو خارج السعودية إلا في السنتين الأخيرتين وخاصة بعد مغادرته السعودية العام الماضي وإقامته في الولاياتالمتحدةالأمريكية والكتابة الدورية في صحيفة واشنطن بوست. التي تركت مكان مقاله بعد اختفائه بلا كلام.. ولكنه قبل ذلك كان يوظف قلمه في الدفاع عن السياسات السعودية. التي صارت مؤخراً ينتقدها.. أما هشام عشماوي فهو ضابط سابق في القوات المسلحة المصرية تم إبعاده منها بعد أن تم اكتشاف ميله للفكر التكفيري المتطرف.. وبعد أن خرج من القوات المسلحة قاده تطرفه الديني إلي ممارسة العنف والإرهاب وقد أسس تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء. وهو التنظيم الإرهابي الأخطر فيها. وأعلن مبايعته لأبوبكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي. ثم انشق عنه وسافر إلي ليبيا. وهناك أسس تنظيم المرابطين الذي كان يقوم بأعمال إرهابية داخل مصر وداخل ليبيا. ويرتبط بتنظيم القاعدة الإرهابي المنافس الأساسي في عالم الإرهاب لتنظيم داعش الإرهابي. وهكذا نحن إزاء شخصيتين مختلفتين كثيراً في أمور عديدة. سواء في الجنسية. أو العمل وطبيعته. أو السن. أو حتي الدور الذي اختاره لنفسه أن يؤديه كل منهما. أو أيضاً العلاقات التي أقامها كل منهما.. ومع ذلك فقد جمع بينهما الاهتمام الإعلامي. لأن الأول اختفي في تركيا بعد أن زار قنصلية بلاده فيها في ذات الأسبوع الذي سقط فيه الثاني في قبضة القوات الليبية بإحدي المدن الليبية التي كانت حتي وقت قريب مركزاً للإرهاب وتنظيماته وجماعاته. الذي تعدي حدود ليبيا وطال جيرانها ومنها نحن في مصر. ولكن ببعض التدقيق سوف نكتشف أمراً آخراً ربما جمع ما بين الشخصيتين المختلفتين. أو ما بين الكاتب الصحفي السعودي الذي كان مؤكداً طوال الوقت لحكم بلاده ومدافعاً عنه. ثم صار مؤخراً معارضاً له. وبين الضابط المصري السابق الذي لفظته القوات المسلحة. واحترف الإرهاب وتولي التخطيط والإشراف علي العديد من العمليات الإرهابية في مصر وليبيا التي هرب إليها.. وهذا الأمر يتمثل في علاقتهما بجماعة الإخوان. وعلاقة الجماعة بهما!.. وهذا قد يفسر لنا لماذا الإخوان هم الأكثر بكاء الآن. وأيضاً الأكثر قلقاً علي سقوط عشماوي في ليبيا. وهم أيضاً الأكثر صخباً وضجيجاً لاختفاء خاشقجي في تركيا. والأكثر ترويجاً للشائعات حوله وحول السعودية وتوجيه الاتهامات لها بتورطها في عملية الاختفاء. وربما قتله أيضاً. فإن جمال خاشقجي ظل يدافع. خاصة في السنوات الأخيرة عن جماعة الإخوان. رغم أن بلاده أعلنتها جماعة إرهابية وحظرت التعامل معها. مثلما فعلنا في مصر.. وبسبب ذلك نلنا نحن في مصر نصيبنا من هجومه الذي كان يقوم به علي من يعادون الإخوان. وكثيراً ما تهجم علينا في كتاباته العربية وغير العربية. بعد الثالث من يوليو 2013. أي بعد التخلص من حكم الإخوان الفاشي والمستبد. مثلما فعل الإخوان أنفسهم.. وهو لم ينكر تعاطفه أو تأييده للإخوان. بل كان يفعل ذلك جهراً. أما هشام عشماوي فهو دخل عالم التطرف الديني والتكفيري عبر بوابة الإخوان. أي من خلال جماعتهم التي جندته وأعدته لذلك فيما بعد ليحترف ممارسة الإرهاب.. وهو حظي سواء وهو يمارس الإرهاب انطلاقاً من مصر أو من ليبيا بدعم ومساندة الإخوان.. فإن تنظيم أنصار بيت المقدس الذي أسسه في سيناء وهو المسئول عن كثير من العمليات الإرهابية فيها. سواء قبل إعلان ولائه لداعش أو بعده كانت له علاقاته بجماعة الإخوان حتي وهي في الحكم. وهذه العلاقة وصلت إلي درجة وجود بعض التنسيق والتفاهم بينهما. وقد أوفدت جماعة الإخوان أحد قياديها وهم في الحكم إلي سيناء للاتفاق علي هذه التفاهمات. والتي كانت تقضي بإطلاق يد تنظيم أنصار بيت المقدس للسيطرة علي أجزاء من سيناء مقابل عدم إحراج الإخوان ببعض العمليات الإرهابية.. أما عندما هرب عشماوي إلي ليبيا وعاش في درنة التي كانت تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية حتي وقت قريب قبل أن تقتحمها القوات الليبية. فإنه حظي بحماية إخوان ليبيا أيضاً ودعمهم ومساندتهم وظفر بمساعدتهم. وهكذا رغم الاختلاف ما بين الرجلين. خاشقجي وعشماوي. في أمور عديدة لعل أهمها طبيعة العمل والسن والجنسية. إلا أنه جمع بينهما علاقتهما بالإخوان.. تلك الجماعة التي أسست قبل أن يولد أي منهما.. فإن الأول تعاطف مع تلك الجماعة واستخدم قلمه في الدفاع عنها. ولذلك هاجمنا بشدة بعد أن أطحنا بحكمها في مصر. ولم يعبأ بأن بلاده انضمت لنا في اعتبار هذه الجماعة إرهابية.. أما الثاني فإنه صار إرهابياً كبيراً وخطيراً بعد أن كان مقاتلاً في جيش خير جند الأرض بعد أن وقع في شباك الإخوان. ولم تنقطع صلته بهم طوال الوقت.. وهذا يفسر لنا لماذا الإخوان هم الأكثر اهتماماً بالحدثين معاً.. حدث اختفاء خاشقجي في تركيا. والذي يكتنفه الغموض وحادث سقوط عشماوي المفاجئ في قبضة القوات الليبية في درنة والذي لم يكشف النقاب بعد عن كل تفاصيله. خاصة أنه كان يرتدي حزاماً ناسفاً لم يتمكن من استخدامه. بقي القول إن تداعيات الحدثين سوف تستمر لفترة ليست بالقصيرة.. فإن عشماوي هو صيد ثمين للأمن في كل من مصر وليبيا. يمكن أن يوفر الكثير من أسرار عمل الإرهابيين. ويكشف من يساندونهم ويدعمونهم ويقدمون لهم السلاح والمال والملاذ الآمن. من حكومات وجهات وأجهزة مخابرات مختلفة. وهو ما سوف يساعد بالقطع في حرب الإرهاب التي نخوضها الآن ببسالة وقوة وحققنا فيه الكثير من النجاحات.. أما حدث اختفاء خاشقجي الغامض فإنه تتوفر فيه كل شروط الاستثمار السياسي له. سواء ما يتعلق بشخص الرجل المختفي أو بلاده وعلاقاتها المختلفة عالمياً وإقليمياً. وقد بدأت بالفعل بوادر هذا الاستثمار السياسي في اتجاهات شتي ومختلفة. وهكذا سنظل ولفترة ليست بالقصيرة نتابع تداعيات الحدثين.. سقوط عشماوي الذي كان مفاجأة سارة لنا وصدمة قاسية لجماعات الإرهاب.. والاختفاء الغامض للكاتب خاشقجي الذي أثيرت حوله ومازالت تثار الكثير من الأقاويل والشائعات التي تزيده غموضاً ولا تبدد هذا الغموض.