كان وسيماً ويعرف بأمره.. أنيقا ويعي ذلك لطيفاً محبوباً.. من النوعية التي تألفها سريعاً. وتقترب منها دون توجس.. يميل للمرح وبعيد تماماً عن النكد وتوابعه من كآبة وسخافة.. طرقاته علي الباب تعني دخول البهجة.. وله في المفاجآت فن.. فحين رزقه الله طفلته الأولي دثرها بفراء أبيض وضغط جرس الباب وتركها علي العتبة كقطة رائعة.. لنشهد أحلي مفاجأة وصل بها من سفره لأول وليدة في العائلة.. لأخي الأكبر.. وله منزلة الاب فكلمته مجابة ورضاه غاية. حين سافر بريطانيا للحصول علي الماجستير لم تكن وسائل الاتصال الحديثة قد ظهرت. والموجود مكالمة تليفون تأتي عن طريق طلب للتحويل من السنترال وتتم نادراً. أما الحكايات كلها فنجتمع واخوتي مع أبي وأمي لنسجلها علي شريط كاسيت: نتكلم ونغني ونبكي شوقاً وننتظر شريط الرد لنعيش كلنا يوم فرح وكانت الخطابات بأحلي كلام يخطه أبي وتضاهيه أمي في البلاغة ومهارة اللغة. نجوي لم تحصل أختي علي مجموع في الثانوية العامة يؤهلها للكلية التي تتمني فاصطحبها أخي إلي لبنان.. وكان يقوم وقتها بتدريس الأدب الإنجليزي بجامعة بيروت. وعادا معا ليحكي حلمي وتحكي نجوي مغامرات وأيام مليئة بالمرح. يرتدي بدلة رسمية ويخبرها أنه علي سفر إلي مدينة بعلبك لحضور مؤتمر مهم. ويفتح الباب ليخرج ويدخل وهي لم ترمش بجفنها بعد ليؤكد أنه سافر وعاد وهي تصرخ لا يمكن. ويقول حملوه ملوك الجان وأعادوه كملكة سبأ. لا أوروبا ولا لبنان أمالت قلبه.. رق القلب في بلده.. أحب وتزوج ورزقه الله بالأبناء. وأشهد الله أنه كان نعم الزوج.. ضاعفت العشرة من حبه لزوجته وزادتها عنده غلاوة. أب حنون ملأ بيته بهجة وأنسا ولم يترك أمنية في نفس أبنائه إلا وحققها. تفاني في العطاء وأغدق في الحب. حنانه ومودته كانت مثار دهشة من الجميع.. أما الأغرب والأندر فهو ما حدث عندما ماتت زوجته.. حبيبة عمره وفي كل جملة ينطقها لابد أن يعقبها بذكرها.. "لو كانت معي". أيام قليلة من رحيلها واصابته جلطة شلت منه نصف جسده وأشهد ثانية بما عايشت بنفسي من بر أولاده.. لقد شربوا حباً وارتووا.. فقدموا وتفانوا. درس عملي قدمه الاب وجنته يداه.. صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم حين قال: "بارك الله في أب أعان أولاده علي بره".. وقد أبروه حتي آخر لحظة وهو علي فراش مستشفي بين أجهزة وأطباء وغرفة رعاية والابناء من حوله.. يقرأون القرآن ويرددون الدعاء حكاية أخي سندي وحبيبي.. إلي حفرة حملوه وهالوا عليه التراب. و النظر يأبي أن يراه فملأ العيون ضحكاته وحكاياته طفلة كنت.. حين أخبره أني لا أحب طعاماً في البيت فيأخذني من يدي لأكبر مطعم ويدعني أختار ما اشاء ويطلب مني أن أحكي عن زميلاتي ومدرستي وكان بيننا اتفاق يومي أن أفرد علي سريره مفرشاً من حرير قبل أن يصل للبيت بدقائق ليظل مفروداً.. وكنت اعشق هذه المأمورية كان نومه علي حرير.. كيف يستلقي الآن علي تراب. تركناه في عز النهار.. فكيف سيأتي عليه الليل. هل سيؤنسه وجود اختنا بجانبه وهي التي طالما إئتنس بها في حياتها. ستشعر بوصوله.. سيواسيان بعضهما.. وستنقل الملائكة كلمات كل منهما للآخر.. سيحكيان حكايا سنوات الصبا والشباب وبيت العائلة الذي كان دافئاً وسيتوقعان معا من اقربنا في الوصول إلي مكانهما. هل تذكر يا أخي الغالي أمي وما فعلته معك حين ابتلعت عملة معدنية ووقفت في الحلق.. والحل الوحيد الذي يعرفه الطب من يومها وحتي الآن يتم بشق الرقبة لكن أمي مدت يدها باستماتة وباصبعيها التقطت الجسم الغريب.. أخرجته بالدم لتنقذ حياة طفلها الصغير.. فيعيش ويكبر.. ويسافر ويحلم ويحقق.. ويثري وينفق.. ويتزوج ويرحم.. وينجب ويحسن.. ويموت.