أخطر القضايا التي تواجه مصر بعد استكمال باقي استحقاقات خارطة الطريق هو الخطاب الاقتصادي وإعلانه بوضوح. هل تسير مصر علي طريق العدالة الاجتماعية أم تواصل عملها في طريق الرأسمالية المتوحشة مع بعض عمليات التجميل والترقيع التي تمت علي مدار سنوات طويلة ولم تفلح في احتواء الفقر والبطالة أو تحقق العدالة الاجتماعية. مشكلة الفقر هي الأهم الأكبر والرئيسي والذي يجب أن يكون في مقدمة الأولويات لصانع القرار والمؤسسات الدستورية بعد استكمالها. وقد بدأت مصر تجربة لمحاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية بإنشاء بنك كان يستهدف الفقراء وهو بنك ناصر الاجتماعي ولكن عقب الحقبة الناصرية زاد تعثر البنك وتعثر في تحقيق أهدافه بالرغم أن الفكرة تلقفتها دول أخري ونفذتها بكفاءة وكما حدث في بنجلاديش. فقد استلهم محمد يونس تجربة بنك ناصر في تأسيس بنك جرامين في بنجلاديش وكلمة جرام تعني القرية وركز في تمويل أنشطته علي النساء الفقيرات وحقق ناجحا منقطع النظير ونال الدكتور محمد يونس جائزة نوبل عن هذه الفكرة في دعم قدرات الفقراء. وكان الدكتور محمد يونس قد بدأ إنشاء بنك القرية - جرامين عام 1983 وفي عام 1989 بعد 6 سنوات من إنشاء بنك القرية في بنجلاديش التقيت الدكتور محمد يونس في مؤتمر بالجزء التركي لجزيرة فبرص وكان عن دور البنوك في تمويل المشروعات الصغيرة والتنمية وكانت المفاجأة أنه قال ان تجربة بنك جرامين هي فكرة بنك ناصر الاجتماعي الذي أنشيء في مصر خلال الستينات. وقد استلهم الفكرة ووضعها في إطار يتناسب مع الظروف المحلية والفقر المدقع في بنجلاديش وقال الدكتور يونس انه ركز علي النساء وأن التمويل يذهب إليهم في بيوتهم وبدأ بمبالغ صغيرة من 500 دولار إلي ألف دولار ولكن تحركت العجلة الإنتاجية وزاد الطلب علي الأقراض الذي يقدم دون تعقيدات اعتمادا علي الثقة في هؤلاء الفقراء الذين يرغبون في تحسين أوضاعهم وجاءت نسبة السداد للقروض بنسب تصل إلي 99 بالمائة ولا تعثر علي الاطلاق بل رغبة في العمل والإنتاج وحرص علي السداد اذهل كل من تابع التجربة. وقال مبتسما- لا تسألني عن تجربة مساندة الفقراء فأنتم الرواد في مصر ولكنكم لم تحرصوا علي الاستمرار في التجربة وتصويبها ولو نفذت بحكمة وقدرة لما كان في مصر عاطلاً أو جائعاً أو محتاجاً. فأين بنك ناصر الآن وأين التمويل للفقراء وأين دعم قدرات الفقراء ومساعدتهم علي الكسب الحلال الذي يضمن الحرية والكرامة والعيش الكريم. أين بنوك القري في مصر التي تحولت إلي سباق لفروع التجارية ولا هي نجحت كبنوك تجارية ولا نجحت كبنوك للقري التابعة للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي الذي أصبح عنوانه الرئيس سجن المزارعين والايقاع بهم وأصبح من يمر من أمامه الزراع يشعر بالخوف وقد يلجأ إلي تجار المحاصيل ويسقط في بالوعة الاستغلال والربا الفاحش خوفا من بنك لا علاقة له بالتنمية. وبنك ناصر الاجتماعي كان يمكن أن يكون بنكا للفقراء ويحقق خطة قهر الفقر والبطالة ولكن لأسباب عديدة تعثر إداريا ومصرفيا وبسبب عدم وضوح الرؤية والهدف أو تنفيذ قرار إنشائه تعثر ولم يحقق اجازا يذكر في مواجهة الفقر. وقد تم طرح فكرة إنشاء بنك للفقراء في مصر منذ سنوات ولكنها تعثرت ونظر إليها بعض المصرفيين ورجال البنوك إنها مجرد إضافة لبنك جديد والساحة لا تحتمل. وذلك بينما تمويل الأنشطة الصغيرة والفقراء قد يجري علي استيحاء في بعض البنوك ولكن التمويل للفقراء بحاجة إلي نظام جديد وفكر مختلف يهدف إلي تشغيل الناس واحتواء الفقراء ومعاونتهم علي العمل والكسب الحلال. وربما يكون الحل دمج بنك ناصر وبنك التنمية والائتمان الزراعي وأحد البنوك الكبري وتكون رسالته مساندة وتمويل الفقراء بالإضافة إلي دوره المصرفي الرئيسي وظهور كيان مصر في عملاق لتمويل مشروعات التنمية ومعاونة الفقراء علي الكسب الحلال دون تشدد في الضمانات التقليدية. ان مصر قدمت أفكاراً مبدعة في قهر الفقر والتكافل الاجتماعي ولكنها تعثرت لأسباب عديدة وتحولات مختلفة كان ضحيتها الفقراء الذين دفعوا الثمن غاليا. وتمويل الفقراء وتقديمه والتعامل مع هؤلاء البسطاء من خلال البنوك يحتاج إلي عناصر جديدة وجيل جديد من المصرفيين يتم تدريبه مصرفيا واجتماعيا أنه في مهمه وظيفية وقتالية أيضا ضد الفقر. لقد ذكر لي الدكتور محمد يونس نموذجاً علي التغيير السريع أن موظفي بنك جرامين عندما زاروا السيدات والمقترضين في بيوتهم للمرة الأولي كانت علي الوجوه لمحات الحزن والقهر والعوز والاحتياج وفقدان الأمل. وبعد أن جرت الأمور وقدم التمويل ظهرت السعادة علي الوجوه بينما ساهم البنك أيضا في منتجاتهم في داخل بنجلاديش وخارجها. وكان الملاحظ أن بعض المقترضين بدون ضمان كانوا يطلبون مبالغ بسيطة جدا ويقولون حتي نستطيع السداد دارت العجلة وتحولت قري بنجلاديش ومدنها إلي مواقع إنتاجية في البيوت اننا الآن علي أبواب مرحلة جديدة نحتاج فيها إلي التصدي للفقر والعوز والحاجة. ولا يجوز إنكار الفقر أو أن نخجل منه لأننا يجب أن نخجل من استمرار الفقر وزيادته وسقوط شرائح جديدة فيه ومهمتنا أن نحاصره ونتصدي له حتي يعود الأمل وتعود الابتسامة للمصريين. ان كلمة السر في احتواء المصريين جميعا هو علاج الفقر والتصدي له وهي مهمة يجب أن تتصدر أولوية مطلقة فهي الطريق لتحسين جودة الحياة وعودة الأمل إلي كل المصريين.