لا يقبل عقل ولا منطق أن يؤتمن المدانون من النظام السابق على تقديم أدلة إدانتهم بأنفسهم، خاصة أن الكذب كان لديهم عقيدة وممارسة.. ولا يصح لثورة قامت على ذلك النظام أن تبقى على دور هؤلاء فى حفظ أدلة تسمح بتوقيع عقوبات عليهم، فبعد أن قتلوا ما يزيد على ألف متظاهر فى ثورة 25 يناير، وتسببوا فى جرح وإعاقة آلاف آخرين لا يمكن أن يظلوا هم مخزن أسرار أدلة البحث والتحرى، لأنهم أحرص الناس -بلا أدنى شك- على التخلص من كل هذه الأدلة. قلنا مرارا وتكرارا إن محاسبة من قامت ضدهم الثورة لا تصلح ولا تصح بقوانين ما قبل الثورة، وإن أجهزة ما قبل الثورة المتورطة فى العنف والقتل، ومعها جماعات المصالح فى النيابة والقضاء، لا يمكن أن تقدم دليلا أو تقيم عدلا فى قضية بخطورة قضية قتل المتظاهرين وإتلاف الأدلة. هناك فارق واضح بين دولة القانون وقانون الدولة، دولة القانون التى قامت من أجلها الثورة، لا يمكن أن تسير بقانون "دولة ما قبل الثورة"، وإلا رجعنا إلى الوراء، وهذا هو سر تعثر الأمور فى السنة الأولى للحكم الحالى، الذى تصور أن قانون الدولة العميقة وأجهزتها المتكلسة المتعفنة يمكن أن تقيم دولة الحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم. مرت محاكمات كثيرة تمت فيها تبرئة جناة حقيقيين لعدم كفاية الأدلة التى كانوا هم مسئولين عن تقديمها، وضمن هذا المسلسل من الكوميديا السوداء جاء حكم محكمة جنايات الجيزة الأربعاء الماضى ببراءة حسن عبد الرحمن رئيس جهاز أمن الدولة الأسبق و40 قيادة شرطية من الاتهام بفرم مستندات أمن الدولة وحرقها، حرق الله قلوبهم جميعا بما أهدروا من كرامة المواطنين وبما ارتكبوا من جرائم تعذيب ثابتة أفضى كثير منها إلى قتل الأبرياء. لبس الثعلب حسن عبد الرحمن ثياب الواعظين فى مرافعته عن نفسه أمام المحكمة، فبدأ كلمته بآية قرآنية، وواصل قائلا: "كنا نتألم ونحن نقف وراء هذه القضبان نستمع إلى مرافعة ممثل الادعاء وهو يصفنا بما ليس فينا". وأضاف عبد الرحمن: "لم نكن نعمل لحساب النظام، بل كنا نرفع راية مصرنا الحبيبة عالية خفاقة بين أجهزة الأمن فى العالم، ويشهد بذلك القاصى والدانى، وكنا نضع نصب أعيننا مصالح شعبنا العظيم، ويكفينا شرفا نجاحنا بتوفيق من الله ودعم المواطنين الشرفاء فى القضاء على بؤر الإرهاب التى كانت تؤرق الشعب المصرى بأكمله". وادعى عبد الرحمن أنه تقدم بمذكرة فى 18 يناير 2011 قبل تحرك الشباب الثائر فى 25 يناير، نبه لخطورة الموقف الداخلى بالبلاد، وأنه طلب اللجوء إلى الحلول السياسية، والبعد عن التعامل الأمنى وضرورة تلبية مطالب الشباب الثائر، وإصلاح ما أفسدته نتائج انتخابات مجلس الشعب 2010 والإسراع بتعيين نائب لرئيس الجمهورية، وأنه حذر من الحشد الجماهيرى لفتح المجال للعناصر الإجرامية المدعومة من قوى خارجية للاعتداء على المنشآت والممتلكات العامة والخاصة وزعزعة الاستقرار". من ذاقوا ويلات حسن عبد الرحمن وسفالات رجاله يعرفون أن هذا الكلام كذبا محضا، ويفهمون جيدا أنه لا يمكن أن يكون دليل وطنية ومسوغ براءة، ويرون بواقعية شديدة أنه لا مبرر لهذه البراءة؛ لأن فرم المستندات ثابت وصاحب القرار فيه هو هذا الثعلب الماكر، وإلا فمن أمر بفرمها؟ ومن نفذ؟! إن قرار براءة هؤلاء يأتى استكمالاً لمسيرة براءة قتلة الشهداء فى الأقسام المختلفة، ومعلوم أن شرطة "المخلوع" مسئولة عن كل قطرة دم سالت وكل مستند إدانة تم إخفاؤه أو إعدامه، وأن الحكم -كما يقول جمال تاج الدين المحامى- له دلالة شديدة الخطورة، ويفتح الباب أمام أى متلاعب لإتلاف المستندات فى قضايا وأحداث أخرى. إن فرم المستندات وإتلاف الأدلة، حتى لو تم دون تعليمات، جريمة يجب أن يعاقب مرتكبها، ومن الضرورى الآن عدم ترك موضوع جمع الأدلة وتقديمها للقضاء "الشامخ" فى يد الداخلية وحدها بتشكيلها القديم الذى ما زال موجودا، ولا بد من التفكير جديا فى تطهير هذه الوزارة، وعمل إحلال وتجديد كامل لقياداتها حتى الصف الثالث، أو نبحث عن جهة أخرى لجمع الأدلة وحفظ المستندات خارج نطاق الداخلية، مع تفعيل دور نيابة حماية الثورة التى ما زلنا لم نسمع عن منتج واضح لها حتى الآن، فسابقة براءة هؤلاء المجرمين من فرم المستندات، ستكون مقدمة لفرم وتدمير كل أدلة فى أحداث مشابهة.. ومن ثم "فرم دولة القانون" بمنطق قانون الدولة السحيقة.