الإعلام يمكن أن يشارك فى مسيرة الإرشاد النفسى، وفى إنجاز أهدافه من الوقاية والتنمية والعلاج للإنسان المصرى وللأسرة المصرية، بل لمؤسسات المجتمع، تحفيزا على العمل والإنتاج والتنمية البشرية للإنسان فى مختلف سنى حياته للأسوياء وغير الأسوياء معا، إنها مسئولية إنسانية فى تصنيع وهندسة إنسان مصرى جديد لمجتمع مصرى جديد رعاية حماية وتنمية. الإعلام شريك فى احتضان الثروة الحقيقية القوى الناعمة التى تتحقق بها خطط التنمية ورفاهية الإنسان وتقدمه وتقدم المجتمع، فالإعلام له تأثير فاعل فى المناخ النفسى والاجتماعى، خاصة فى هذه المرحلة الفعلية التى نعيشها بعد ثورة 25 يناير المجيدة، إنه أداة فاعلة فى تكوين وتوجيه وتهيئة الرأى العام فى الأطر السياسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية كافة، خاصة ونحن نعيش عصر الإنترنت والتطبيقات العلمية المتسارعة، عصر العولمة والكوكبية، عصر يلهث فيه قادمه يكاد يلحق بسابقه، وتتهاوى فيه النظم والأفكار على مرأى من بدايتها، وتتقادم فيه الأشياء وهى فى أوج حدتها، ولكن الطريق يصنعه المشى فى هذه القرية الكوكبية الصغيرة مساحية الجدران، إنه عصر تقنيات الإعلام بفنونه وآلياته وما تنطوى عليه من تقدم إنسانى وحضارى لتشكيل إنسان جديد يفكر بقلبه ويشعر بعقله. إن الإعلام المقروء والمسموع والمرئى والإنترنتى يشكل درجة الوعى التى يتمتع بها المواطنون بشأن معرفة حقوقهم وواجباتهم السياسية، ودرجات اهتماماتهم بمتابعة ما يجرى على الساحة السياسية، وفهم معطيات التشريعات والقوانين التى تنظم الحياة السياسية فى مصر. والإعلام يشكل اتجاهات الأفراد وآراءهم فى مفردات المناخ السياسى السائد، التى تتكون نتيجة ما يتعرض له الأفراد من معلومات عبر وسائل الإعلام وما يعيشوه من مناقشات وندوات ومؤتمرات وخبرات البيئة السياسية المحيطة، ودرجة تقييم الأفراد لعناصر هذه البيئة، وفاعلية الأحزاب فى المسرح السياسى، وتقييم النظام الانتخابى المتبع، وتقدير الأفراد لأهمية المشاركة فى المسرح السياسى، وما تتبناه الدولة وتتخذه من إجراءات على مستويات التشريعات والقوانين المنظمة للممارسات الديمقراطية. أضف إلى كل ذلك ما تحققه وسائل الإعلام فى مستوى السلوك السياسى للمواطنين من حيث المشاركة فى التصويت فى مستويات الانتخابات الرئاسية والتشريعية والنقابية المهنية والعمالية كافة، والمنظمات أو المؤسسات كافة. إنه على الإعلاميين أن يدركوا أنه إذا كانت الحروب تتولد فى عقول البشر ففى عقولهم أيضا تبنى حصون السلام، إنه لا بد من نشر أفكار السلام السامية والمثل العليا بتغليب الحوار على الصراع، وتغليب التعاون على التطاحن، وصولا إلى هدف إنسانى نبيل، وحلم إنسانى واحد هو السلام والأمن، حيث لا غالب ولا مغلوب، إن الحوار بوابة السلام فى عالم يشهد التنوع والتعددية وهما مصدر ثراء للإنسان. إن الإعلام يفتقد الحوار فلسفة ورؤى، ومنهجا للتفكير والتدبر، الحوار فلسفة تقوم على أنه ليس هناك من يمتلك الحقيقة المطلقة، أو الإجابة القاطعة فى المسائل الوطنية والإنسانية، وإنه ليس هناك جهول جهلا مطلقا ينتظر الإجابة الكاملة، والمعرفة الرشيدة من فصيل دون غيره، وإنما تتولد المعرفة من حوار جدلى يتواصل بين مختلف الأطراف، أخذا وعطاء، حيث ينتهى إلى مغالبة الاستقرار على الخلاف، وانتصار الوفاق بين ما يطرح من تيارات الفكر والرؤى، وهذه هى قيمة الحوار الجدلى الحقيقى كفلسفة فى منظومة الحياة الديمقراطية التى تستند إلى حرية الرأى، وإلى عدم الخوف من ممارسة هذه الحرية واختراق ثقافة الصمت. إن الإعلام الفضائى والإعلام الإسلامى، عليهم أن يدركوا أنه فى هذا الإطار الديمقراطى لا يوجد شخص أو جماعة تنصب نفسها على أنها تفكر لنا، أو هى التى تتكلم نيابة عنا، أو هى التى ترى بعينها دون عيوننا، كما أنه ليس لنا من موقف إلا أن نستخدم آذاننا لنسمع إليها، طاعة وإذعانا لما تقوله ولما تراه وتعبر عنه هى وحدها، الحوار منهج للفكر والعمل، يتم على مستوى العلاقة الأفقية بين أفراد الجماعة، وليس على مستوى العلاقة الرأسية، إنه ينساب فى خطوط متواصلة لا تنقطع، ينطلق منها تنوع الفكر، وتعدد الخبرات، واختلاف السياقات الاجتماعية، والأيديولوجية والتاريخية، والاقتراب ثم الالتحام بالواقع وحركته، ومدى استشرافه للمصائر والبدائل الوطنية المستقبلية، وهذا المنهج من الحوار مغاير تماما لأسلوب الحوار الرأسى الذى يصطنعه البعض عملية تجميل أو تزيين أو تسويق لأفكار مسبقة لجماعات ارتضتها خبراتها فى الممارسة الطويلة فاطمأنت إلى مصداقيتها، أو من تهيئة أيديولوجية رسمية تحرص على برمجة العقول بتوجهاتها، وإذا أطلقنا على ذلك حوارا فهو حوار سطحى تجميلى قوامه ولحمته سلوكيات تتناقض وفلسفة الحوار الحقيقى الأفقى ومنهجه فى تطوير المنظومة المجتمعية فى مصر الجديدة والوطن العربى الكبير والشرق الأوسط الكبير. إننا لا نزال نرزح تحت وطأة البعد الأحادى والتوجهات الفوقية، وما قد يترتب عليها من عثرات فى مساعى التغيير الحقيقى، نتيجة الحوار الشكلى التجميلى الزائف المراوغ فى كثير من عمليات النقاش التى تعج بها وسائل الإعلام ليل نهار، حيث نرى رطانة سياسية وجعجعة ولا نرى طحنا، بل حوار الطرشان. وهذه رسالة لأحد الكتاب المرموقين يخاطب فيها الإعلاميين فيقول: ارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيّها ودنيّها، وسفاسف الأمور ومحاقرها، فإنها مذلة للرقاب، مفسدة للكتاب، ونزهوا صناعتكم عن الدناءات، واربأوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات، وإياكم والكبر والصلف والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة، وتحابوا فى الوطن والأهل وفى صناعتكم، وتواصوا عليها بالذى هو أليق بأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم، وإن نبأ الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله، ويثوب إليه أمره، وإن أقعد أحدكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروه بفضل تجربته، وقدم معرفته.