فى مثل هذا الوقت من عام 2011، كانت مصر مثل المرجل تغلي من الغضب، ومثل برميل من البارود ينتظر من يشعل الفتيل، انطلقت شرارة الربيع من تونس لتفجر الغضب في مصر، ولا تختلف مصر مبارك من حيث الفساد والقمع.. عن مصر بن عليّ، كما لا يختلف السيسي عن السبسي، إلا أن الأول أكثر دموية وقمعاً وغارق في العمالة من الثاني. كانت مصر تتجه لتكون جمهورية ملكية للوريث أيام مبارك، والأن عاد الحال أسوأ، فالتوريث يجري على قدم وساق لعسكرة الدولة في كل مفاصلها، حتى أن "السيسي" وضع نجليه أحدهما في المخابرات العسكري التي جاء منها، والثاني في الرقابة الإدارية التي تفتش عن فساد الأول، ناهيك عن المصاهرة والتزاوج بين أبناء الجنرالات وقادة الجيش. أصبح الشعب يري الأن مثل 2011 أن الثورة واجبة فرض عين، بعد خمس سنوات من التنكيل بالثوار والقتل والقمع والانتهاك ثم الانقلاب، البعض يردد :"مصر تختلف فعلاً عن تونس، وبالفعل هى كذلك فالظلم المقسم إلى تسعة أعشار، جزء منه في تونس، وتسعة أعشار في مصر، وبالليل يأتي الجزء العاشر ليبيت مع أخوته ثكنات العسكر. ظهرت الاحتجاجات في تونس من جديد، وهى مستمرة منذ ثلاث سنوات في مصر، وأصبح اليوم يشبه بارحة جمعة الغضب، وجاء حظر التجوال في تونس، ليؤكد ان في الأرحام ثورة! سيناريو "بوعزيزى" حاضر في أذهان ووعي التوانسة، كما يحضر في اذهان المصريين سيناريو "خالد سعيد" و"سيد بلال"، أيضاً سيناريوهات الثورة فى مصر واردة، لا سيما مع اقتراب ذكرى ثورة 25 يناير، الإعلام العسكري يردد زاعماً ان من في الشارع والمعتقلات هم فقط من جماعة الإخوان، ثم يروج مستبقاً لجريمة يحضر لها بأن الإخوان لم يعودوا قادرين على الحشد، واصفاً المسيرات والمظاهرات السلمية العفوية للشعب الذي انهكه الجوع والقمع ب"الأعمال الإرهابية الخسيسة من قبل قوى الظلام"! نفس الكتالوج "الكتالوج التونسي قريب من مصر"، هكذا قال الكاتب الصحفي عبد الله السناوي، المؤيد للانقلاب العسكري، موضحًا أن ما يحدث فى تونس قريب من مصر وليس بعيدا عنها كما يردد البعض. مشددًا أنه يجب أن نلتفت إلى احتمالات حدوث انفجار اجتماعي، وهو أمر وارد حدوثه وليس صعب المنال، مشيرًا إلى أن المظاهرات التى وقعت فى تونس حدثت فى المدن البعيدة وليس العاصمة، وبالتالي من الممكن أن تنشأ تلك الأمور فى أماكن بعيدة فى مصر وليس شرطا أن تحدث فى العاصمة مثل المحلة أو كفر الدوار، بسبب البطالة وارتفاع الأسعار وسحق العدل الاجتماعي. وردد السناوي نغمة إعلام الانقلاب، وقال إنه ليس قلقا بشأن ذكرى 25 يناير المقبل، موضحًا أن هذا اليوم سيمر مرور الكرام ولن يحدث شيء، قائلًا "الإخوان لم يعودوا قادرين على الحشد، والشباب لن ينزل، والشعب مش عايز يشارك، أمال مين اللى هينزل؟"! وحول نزول الجيش إلى ميدان التحرير، قبل انطلاق ذكرى 25 يناير، برر ذلك الخوف وتلك الفوبيا العسكرية ، بأن هذه الاحتياطات الأمنية زائدة على اللزوم ومبالغ فيها بشكل كبير. بكري في الخدمة! من جانبه قال الكاتب الصحفي مصطفى بكري، المؤيد للانقلاب العسكري، إن ذكرى 25 يناير ستمر مثل أى يوم طبيعي، قائلًا "لا يوجد أي داع للقلق"، مردداً اسطوانة العسكر بالقول:"مصر اعتادت على الأعمال الخسيسة الجبانة التى تقوم بها بعض الجماعات الإرهابية فى بعض الأماكن بين الحين والآخر، ولكن الشعب المصري وحكومته وأجهزته الأمنية قادرون على دحر وقمع تلك العمليات الإرهابية وقتلها قبل ولادتها"، مضيفًا أن الشعب المصري قوى ولا يخشى أحدا، قائلًا: "مصر قوية بشعبها وجيشها العظيم والإخوان لم يعودوا قادرين على الحشد". وأضاف بكري :"أننا اعتدنا على التهديدات الإرهابية، وفى تقديرى أن الأمر لن يخرج عن بعض العمليات الإجرامية التى تقع بين الحين والآخر فى مناطق سكنية وغير سكنية، وهذا يؤكد أن الجماعة وعناصرها هم من الإرهابيين الذين يسعون لإثارة الفوضى"، وراهن على أن ميلشيات العسكر مستعدة لهذا اليوم، الذى "سيمر مثله مثل أى يوم آخر". بينما قال الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل، ما يحدث فى تونس يؤكد أن مسار الثورة التونسية اختلف كثيرًا عن مسار الثورة المصرية، موضحًا أن نداءات الثورة فى مصر كانت أسبق منها فى تونس، ولكن حاسة الثورة فى تونس كانت أسبق من مصر، مشيرًا إلى أن المجتمع التونسي أقل معاناة من المجتمع المصري.