في مشهد يعكس مفارقة صارخة، تتسارع وتيرة بيع وتدويل السواحل المصرية في ظل حكم عبد الفتاح السيسي، من دون أن يُسجَّل أي تحرك يُذكر من المؤسسة العسكرية، أو اعتراض فعلي من المعارضة العلمانية، أو حتى من صحافة لطالما رفعت قبل انقلاب 2013 شعارات التحذير من "بيع سيناء وقناة السويس" في عهد الرئيس المدني المنتخب الشهيد الدكتور محمد مرسي، وهي ادعاءات لم يثبت صحتها شيء، لا قبل الانقلاب ولا بعده، رغم مرور أكثر من عقد على وصول المنقلب إلى السلطة عبر التزوير والقوة. اليوم، تتكشف الوقائع على الأرض: رأس الحكمة، علم الروم، شاطئ الغرام، وغيرها من المواقع الاستراتيجية على الساحل الشمالي، باتت مطروحة للاستحواذ والاستثمار الأجنبي، في عملية يرى مراقبون أنها تتجاوز الاستثمار العقاري والسياحي إلى إعادة هندسة السيادة المصرية نفسها.
مفاتيح الساحل في يد رأس المال العابر للحدود ويرى الباحث خضري أن هذه الاستحواذات "تضع مفاتيح المنطقة في يد لاعبين محددين، ما يُضعف دور الدولة الوطنية التقليدي لصالح إدارة استثمارية عابرة للحدود"، مشيراً إلى أن الأمر لا يمكن فصله عن "دور المال السياسي والصفقات الكبرى" التي باتت تحكم القرار السيادي في مصر. ويضيف أن الاعتماد المتزايد على التمويل الخليجي "حوّل جغرافيا الساحل الشمالي إلى جزء من صفقة إقليمية أوسع"، موضحاً أن الدول ذاتها التي تستثمر في رأس الحكمة وشاطئ الغرام هي نفسها المحرّك الرئيسي للملف الليبي، ما يعني – بحسب تقديره – أن الأرض المصرية أضحت ورقة مقايضة أو ضمانة ضمن ترتيبات سياسية إقليمية تشمل مستقبل الحكم والثروة في ليبيا.
إقليم شبه مستقل خارج الجغرافيا الوطنية ويحذر خضري من سيناريو أخطر، متوقعاً أنه "خلال خمس سنوات قد يتحول الساحل الشمالي الغربي إلى إقليم إداري شبه مستقل اقتصادياً، يرتبط بشرق ليبيا أكثر من ارتباطه بالداخل المصري"، مع نشوء منطقة ترانزيت كبرى للمال والسلاح والخدمات، حيث تذوب الحدود التقليدية أمام تدفقات رءوس الأموال. ويخلص إلى أن "الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في فقدان الأرض، بل في تحويل شاطئ الغرام – أحد رموز الذاكرة المصرية – إلى نقطة ارتكاز في مشروع تدويل الحدود، تسيطر فيه الشركات الكبرى على الموارد، ويُختزل المواطن المحلي إلى عامل بلا حق دخول أو ملكية، لتُفرض السيادة بالمال لا بالحدود".
"مرسى مطروح تحت الإخلاء العسكري" من جانبهم، يرى معارضون أن ملف بيع الأصول، خصوصاً الأراضي الاستراتيجية، بات جريمة أمن قومي مكتملة الأركان، لا يمكن تبريرها بشعارات التطوير أو الاستثمار السياحي، في ظل تهجير الأهالي ونزع الملكيات بحجة "المنفعة العامة"، وبالمخالفة للقانون، ودون تعويض عادل. وفي هذا السياق، كتبت خبيرة التخطيط الاستراتيجي سالي صلاح على صفحتها ب"فيسبوك": "مرسى مطروح تحت الإخلاء العسكري"، مشيرة إلى تهجير ملاك يمتلكون عقوداً رسمية، لصالح مشروعات مرتبطة ب"الهيدروجين الأوروبي"، ومحذّرة من "تصفية السيادة المصرية من بوابة المشروع القومي". وترى سالي صلاح أن ما يجري "ليس حدثاً عقارياً منعزلاً، ولا تطويراً سياحياً بريئاً، بل ذروة نموذج منهجي بدأ في الوراق، مروراً برأس الحكمة وعلم الروم، وصولاً إلى كورنيش النيل، ويستقر اليوم في شاطئ الغرام، أحد أبرز معاقل السيادة الجغرافية والاقتصادية غرب البلاد". غضب شعبي وأسئلة عن الذاكرة الوطنية وأثارت هذه التطورات موجة غضب وتساؤلات بين مصريين اعتبروا أن "طرح شاطئ الغرام أمام المستثمرين الخليجيين يطرح سؤالاً مخيفاً: هل تحولت سواحل البحر المتوسط إلى محميات خليجية مغلقة؟". وتساءل آخرون: "بعد بيع رأس الحكمة وعلم الروم وشاطئ الغرام، لماذا لا تترك الحكومة شريطاً ساحلياً مفتوحاً للمصريين، في وقت تصدمهم حملات تسويق محمومة لاستثمارات لا تناسب أكثر من 90% من الشعب؟". كما عبّر كثيرون عن مخاوفهم من "بيع مساحات شاسعة لدول أخرى، مع سن قوانين خاصة بها، وإقامة مشروعات عملاقة لغير المصريين"، منتقدين التفريط في شرق مرسى مطروح وغربها، رغم كون هذه المناطق تمثل خط تماس مباشر مع الحدود الليبية الملتهبة، ما يجعلها – بحسب وصفهم – قضية أمن قومي لا تحتمل الصفقات.