فتح مزاد الآثار على مصراعيه بيعًا وتهريبًا وإعارة بعد انتهاء مهرجان القروض الذي بدأ مع انقلاب السفاح عبد الفتاح السيسي في يونيو 2013، وقررت عصابة الانقلاب بمصر إعارة 84 قطعة أثرية من مقتنيات متحف الفن الإسلامي بالقاهرة لمدة عامين للكفيل السعودي، صاحب الفضل في تمويل وأد الديمقراطية في مصر. وبعد إهداء العسكر جزيرتي تيران وصنافير للسعودية وقعت شركة "أرامكو"، وما يسمى ب"المجلس الأعلى للآثار" في مصر والذي يرأسه السفاح السيسي، اتفاقية لنهب الآثار الاسلامية وتجريفها لصالح الكفيل تحت مسمى وردي تتصدره تلك العبارة "تعاون مشترك بين الطرفين فيما يخص قطاع المساجد بهدف النهوض بالقطاع الحيوي، والتركيز على المشهد الحضاري والفني والثقافي للمسجد، الذي يعد عنوانًا بارزًا للبناء المعماري الإسلامي". ولجأ السفاح السيسي الى كنوز الآثار تهريبًا وسرقة وإعارة بعد امتناع كثير من الدول عن إقراضه المزيد من الديون، بسبب وصول مصر إلى قاع الاستدانة بالقدر الذي لن تستطيع الأجيال القادمة سداده، ولا يكترث السفاح لحجم الديون مطلقا، مما أثار تساؤلات حول هذا الأمر، حيث أشاد -في نهاية أغسطس الماضي، خلال مداخلة له بأن "أمامنا خيارا من اثنين لنعمل أو منعملش لو معملناش كده يعني الدولة هتتراجع وشعبها بيعاني وهيبقى الرقم المطلوب بعد كده أكبر بكتير من اللي احنا بنعمله والبدائل هي أننا نقوم بالاقتراض بأرقام ميسرة". وأضاف "فيه كلام كتير بيتقال على الدين العام والخارجى، وبالتالى محتاجين أننا نوضح للناس أن إحنا منقدرش نتوقف عن ده، مع الوضع فى الاعتبار نقطة مهمة وهي أن قياسات الدين وإن كانت عالية ولكن جهدنا كدولة فى ضبط هذا الدين وزيادة حجم الناتج القومى هيخليه داخل الحدود الآمنة". مسيرة التهريب وتلك ليست المرة الأولى التي تسافر فيها الآثار المصرية للخارج ثم تختفي ولا تعود، فقد بدأ الأمر منذ انقلاب عبد الناصر الذي كان يمنح معابد كاملة هدايا للدول التي تدعمه سرا وعلانية، حتى جاء السفاح السيسي واكمل المسيرة، ومن اشهر وقائع النهب الخبر الذي أعلنته صحيفة إيطالية عن ضبط روما حاوية دبلوماسية قادمة من ميناء الإسكندرية، تحتوي على آلاف القطع الأثرية المهربة التي وصفتها ب"الفريدة من نوعها". وأكدت صحيفة إيمولوجي الإيطالية، في مايو 2018، ضبط شرطة الجمارك الإيطالية في ميناء ساليرنو عددًا من القطع الأثرية مهرّبة في حاوية دبلوماسية قادمة من ميناء الإسكندرية، وأن بها قطعًا فريدة من نوعها؛ منها قناع مصري قديم مصنوع بالكامل من الذهب الخالص، وتابوت وقارب الموتى مع أربعين مجدافًا. وزارة الخارجة في حكومة الانقلاب أشارت إلى أن إيطاليا اكتشفت حاوية الآثار الدبلوماسية المهربة في 9 مارس 2018، وحينها أُبلغت السفارة المصرية في روما بالواقعة. وبعد إعلان الصحيفة الإيطالية عن الحادث، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية في حكومة الانقلاب، أحمد أبو زيد، أن واقعة اكتشاف الآثار المهربة لإيطاليا ليست جديدة، وأنها تضم آثارًا من بلاد مختلفة، مشددًا على أن الحاوية لا تخص دبلوماسيًا مصريًا. بحسب تأكيد رئيس إدارة الآثار المستردة بوزارة الآثار المصرية، شعبان عبد الجواد، فإن القطع الأثرية المصرية في الحاوية المهربة بلغت 118 قطعة، تنتمي للحضارة المصرية القديمة والحضارة الإسلامية، في حين تضم الحاوية 23 ألفًا و700 قطعة أثرية من حضارات مختلفة، هُربت من ميناء الإسكندرية إلى إيطاليا. ورغم الإعلان عن اكتشاف حادثة التهريب، أكد عبد الجواد أنه فوجئ بأن إيطاليا ضبطت الحاوية المهربة، وأبلغت بها وزارة الآثار في حكومة الانقلاب، موضحًا أن التحقيقات الإيطالية حول القطع الأثرية المهربة لم تنته بعد. وفي ظل نزيف الآثار الذي تعانيه مصر يُشدد خبراء على ضرورة تسييس ملف الآثار، لا سيما بعدما ترأس السفاح السيسي مجلس أمناء المتحف المصري الكبير في يونيو 2017. ويرى علماء آثار أن تهريب الحاوية الدبلوماسية إلى إيطاليا ليس الحالة الأولى لتهريب الآثار بمصر، وأن ما يتم تهريبه أضعاف مضاعفة، واصفين الوضع بالكارثي وموقف الحكومة بالمخجل. من جانبه، يؤكد عالم المصريات وعضو الجمعية التاريخية، بسام الشماع، أن وضع تهريب الآثار بمصر "كارثي"، مشيرًا إلى وجود ما وصفها ب"هيستيريا لتهريب الآثار بالعالم"، مبينًا أن "الإهمال والفساد" يقفان خلف تهريب الآثار بمصر. ويُشير إلى أن سرقة الآثار بمصر عملية ممنهجة، وأن هناك مافيا آثار عالمية على أعلى مستوى، ولها أيادٍ بمصر، وذهب الشماع للقول: إن "العدد الكبير من الآثار المهربة من الحضارات الكبيرة معناه أن مصر أصبحت بلد عبور لتهريب الآثار، وأن مافيا الآثار الدولية درست وعرفت أن مصر بلد سهل التهريب فيها". وتساءل: "لماذا اختيرت مصر دون باقي الدول لتهريب الآثار منها؟"، وبين عالم المصريات أن تهريب الآثار مطمع كبير؛ فهي تجني أموالًا طائلة بطريقة سهلة، لافتًا النظر إلى أن الحاوية الإيطالية هذه ليست الحالة الوحيدة لتهريب الآثار. وشدد على ضرورة أن "تكشر مصر عن أنيابها للعالم بالنسبة لآثارها المهربة، وأن تُسيس ملف الآثار المصرية وتضعه الجهات السيادية بالدولة ضمن أولويات القضايا الكبيرة لديها". ورفض الشماع الاتهامات الموجهة لثورة 25 يناير 2011، وتأكيد البعض أن كمية الآثار التي سرقت من مصر بعد الثورة كبيرة، موضحًا أن سرقة الآثار كانت كبيرة جدًا قبل 25 يناير أيضًا. بيّن عالم المصريات أن كمية الآثار المهربة وحجمها يُثيران التساؤلات حول كيفية تهريب تلك الآثار وخروجها خارج مصر، قائلًا: "لم نعرف من هو المسئول عن تهريب الآثار، ويجب تفتيش جميع حقائب المسافرين بمن فيهم الدبلوماسيون". وطرح الشماع عدة تساؤلات حول حاوية الآثار المهربة من ميناء الإسكندريةلإيطاليا، قائلًا: "لماذا لم تُعلم إيطاليا مصر عندما تم القبض على السفينة منذ عام؟ ولماذا أخبرتها في مارس الماضي فقط؟ ولماذا لم تعلن الخارجية المصرية في مارس خبر القبض على الحاوية؟". وتابع: "ولماذا لم يتم إعلام الشعب المصري إلا من المقال الإيطالي؟ أين كانت وزارة الآثار تلك المدة؟ وكيف خرجت الحاوية الدبلوماسية التي تحتوي على آلاف القطع الأثرية من الميناء دون الكشف عنها؟". وشدد الشماع على ضرورة استخراج بوليصة الشحن التي خرجت بها الحاوية الأثرية من ميناء الإسكندرية، وفي حالة لم تخرج تلك البوليصة فستثار الشكوك حول المسئول عنها وصاحب الحاوية. وأكد أن حاوية الآثار وغيرها من الآثار المهربة تمر من المطارات والموانئ إما بالفساد أو الإهمال، لافتًا إلى أنه يتم الكشف عن 5% فقط من الشحن والحاويات التي تخرج من مصر. وأشار عالم المصريات إلى أن "بعض المصادر كشفت عن احتواء الحاوية الأثرية تلك على أعضاء بشرية مصرية، ما يُثير تساؤلات كثيرة"، ولفت الانتباه إلى أن مصر استردت الكثير من الآثار المهربة ولكنها ليست كاملة؛ فعملية استرداد الآثار كبيرة ومعقدة، موضحًا أن الآثار نوعان؛ نوع مسجل ونوع غير مسجل. ووفق ما أكده الشماع فإن الآثار المسجلة فقط هي التي تستطيع مصر استرجاعها، في حين أن الآثار غير المسجلة لا يمكن استرجاعها، وأن الآثار غير المسجلة تم الحفر عنها واستخراجها خلسة وتهريبها، أو التي لم توثقها وزارة الآثار. وأكد أن "مصر الآن تعيش حقيقة المؤامرة وأن كل السيناريوهات متوقعة، وأن غموض إزالة الكاميرات من المتاحف والمخازن يُثير شكوكًا كثيرة". أضعاف مضاعفة في السياق ذاته، أكد أمين عام اتحاد الأثريين العرب، محمد الكحلاوي، أن كمية الآثار المهربة التي لم يُكشف عنها أضعاف مضاعفة من شحنة الآثار التي ضبطتها إيطاليا. وأشار إلى وجود مسئولين كبار يقفون خلف تهريب الآثار، موضحًا أن من يستطيع إخراج هذه الحاوية الكبيرة لا بد أن يكون مر بتسهيلات كبيرة للغاية. وذهب الكحلاوي لتأكيد وجود "إهمال كبير متعمد وخلل، وأن الدولة المصرية لا تعالج ولكنها تطمس الحقيقة، وأن هناك تعتيمًا من وزارة الآثار التي لم تبعث مندوبين لبحث الآثار التي ضبطتها إيطاليا". ونبه إلى عدم وجود أجهزة بالمطارات والموانئ المصرية للكشف عن الآثار المهربة، موضحًا أن ما يتم كشفه من آثار قد يكون "مصادفة"، وأكد أمين عام اتحاد الأثريين العرب أن 30% من تراث مصر مفقود منذ 2011. وأشار إلى أن "جهود مصر في استرداد آثارها تتم على استحياء؛ فاليونسكو لا تستطيع إرجاع الآثار المهربة غير المسجلة لمصر"، وألمح الكحلاوي إلى أن الخارجية المصرية تُقلل من شأن الحاوية المهربة والآثار المصرية الموجودة فيها؛ مبينًا أن مصر لا يوجد بها أمن كافٍ لحماية الآثار. ويرى أن "كل سيناريوهات عملية السرقة موجودة، ويُبدع سارقو الآثار في حيلهم، ويستندون إلى عدم تخصص الأمن سواء بالمتاحف والأماكن الأثرية أو بالمطارات والموانئ". ووصف أمين عام اتحاد الأثريين العرب موقف الحكومة المصرية بالمخجل، مشددًا على ضرورة أن تعالج الدولة تهريب الآثار "برؤية استراتيجة منضبطة". وكان برلمان الدم بمصر وافق في 23 أبريل 2018، على تشديد العقوبة على تهريب الآثار خارج البلاد بالسجن المؤبد، وغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تزيد على 10 ملايين، لمن هرّب أثرًا إلى خارج البلاد مع علمه بذلك، فهل يتم تطبيق القانون على عصابة السفاح السيسي؟