التنظيم والإدارة يعلن نتيجة الامتحان الإلكتروني للمتقدمين لوظيفة طبيب بيطري    استقرار سعر الريال السعودي في بداية تعاملات اليوم 6 ابريل 2026    وزير الزراعة يستعرض استراتيجية الأمن الغذائي في ندوة مجلس الأعمال المصري الكندي    شعبة الدواجن: تراجع الأسعار بنسبة 30%.. والكيلو ب 73 في المزرعة    وزير البترول يستقبل جثمان الشهيد حسام خليفة ويشارك في تشييع الجنازة    صراع البقاء بالدوري.. كهرباء الإسماعيلية في مواجهة قوية أمام بتروجت    ميلان ونابولي في لقاء البحث عن وصافة الدوري الإيطالي    هل نشهد تقلبات جوية من جديد على حالة الطقس؟.. الأرصاد تجيب    إنقاذ شخص احتجز داخل مصعد بالفيوم واستجابة سريعة من الأجهزة الأمنية    محمد عدوى يكتب : رؤية لتحويل الحلم إلى حقيقة    خطأ غير مقصود.. حكاية صدفة الحرير التي صنعت مزاج عشاق الشاي    وزير الخارجية الإيراني: تنفيذ ترامب لتهديده له آثار مدمرة على الطاقة والاقتصاد العالميين    لبنان في مهب العاصفة.. يوم دامٍ في بيروت والجنوب مع دخول التصعيد مرحلة "الأرض المحروقة"    استشهاد 7 أشخاص وإصابة آخرين في غارات إسرائيلية على جنوب وشرقي لبنان    أكسيوس: محادثات وقف إطلاق نار لمدة 45 يوماً بين إيران والولايات المتحدة    صور الأقمار الصناعية تُظهر طرقًا مليئة بالحفر في منطقة إنقاذ الطيار الأمريكي    جيش الاحتلال الإسرائيلي: إنذار عاجل بالإخلاء لسكان 7 أحياء في الضاحية الجنوبية لبيروت    يصل ل14%.. مطار القاهرة يسجل نموا في حركة الركاب والرحلات خلال الربع الأول من 2026    تداول 11 ألف طن و766 شاحنة بضائع بموانئ البحر الأحمر    موعد مباراة ريال مدريد ضد بايرن ميونخ في دوري أبطال أوروبا    إطلاق المشروع الوطني لتأهيل الأطفال الأكثر احتياجا بمهارات رقمية.. تفاصيل    دورة تدريبية حول الملكية الفكرية والبحث العلمي بكلية الآداب جامعة العاصمة    فتح الطريق الدولي الساحلى مطروح- الإسكندرية بعد إخماد حريق نشب في شاحنة محملة بالفواكه    بسبب ضوء الدراجة.. أولى جلسات محاكمة المتهم بقتل طالب فى الشرقية    كثافات مرورية بسبب كسر ماسورة بطريق الإسماعيلية الصحراوى    وزير التخطيط يترأس اجتماع مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي    رئيس جامعة القاهرة يصدر قرارات بتعيين 24قيادة جامعية جديدة تتضمن 3وكلاء كليات و12رئيسًا لأقسام    "تغريب" و"جسور" يضيئان مسرح قنا ضمن فعاليات المهرجان الدولي لشباب الجنوب    باسم سمرة يستعيد كواليس «ذات»: من أهم محطاتي الفنية.. واستغرق تحضيره 3 سنوات    انضمام البطريرك برثلماوس إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم الأخلاقية والسياسية    محافظ المنيا يعلن تنظيم قافلة طبية مجانية بقرية نواي بملوي ضمن حياة كريمة    قسم جراحة العظام بجامعة أسيوط ينظم المؤتمر السنوي التاسع غدا    مصرع طفل أسفل عجلات قطار دمنهور دسوق بمزلقان بنى هلال بالبحيرة    ذئب يعقر شخصين في دار السلام بسوهاج    تصعيد خطير.. ترامب يتوعد إيران بيوم غير مسبوق الثلاثاء المقبل    وصول أجهزة طبية لمستشفى العريش العام واستعدادات لافتتاح وحدة الغسيل الكلوى    بعد الإصابة بالصليبي وغيابه عن كأس العالم 2026.. إسلام عيسى يوجه رسالة شكر لهؤلاء الأشخاص    محمد حماقي يعود بقوة.. ألبوم جديد في الطريق رغم التحديات    موجة صاروخية إيرانية جديدة تستهدف شمال إسرائيل    يهدد الحرية الأكاديمية للأساتذة.. حظر المنصات الرقمية عقاب للطلبة الغلابة من الأعلى للجامعات    نقابة الأطباء عن واقعة طبيبة دهب: الإشارة غير لائقة ونرفض التعدي اليومي على الأطباء والتصوير دون إذن    دعاء صلاة الفجر| اللهم اغفر لنا الذنوب التي تحبس الدعاء    درة تكشف كواليس «علي كلاي»: مجوهرات شخصية ميادة المستوحاة من الحيوانات عكست طباعها    سقوط سائق توك توك دهس مُسنا وفر هاربا بالمحلة    لكل قصة جميلة نهاية، مدرب مانشستر سيتي يكشف مصير برناردو سيلفا مع الفريق    التاريخ يعيد نفسه.. «الإخوان» تتبرأ من علي عبدالونيس بعد اعترافات تدين الجماعة    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 6 أبريل 2026 في القاهرة والمحافظات    جالى فى ملعبى.. برنامج أسبوعى لمها السنباطى مع نجوم الكرة على راديو أون سبورت    محمد رمضان يدعم ترشيد الطاقة: إحنا فى ضهر بلدنا والسينمات ستزدحم بسبب فيلم أسد    كرة يد – الأهلي يتعادل مع الجزيرة.. والزمالك يخسر من الشمس في دوري السيدات    Gaming - اتحاد الكرة يقيم بطولة EFAe للألعاب الإلكترونية    تحتوى على إنترنت وألعاب.. "القومي لتنظيم الاتصالات" يُعلن تفاصيل طرح شريحة محمول مخصصة للصغار    الترشيد فى الدين    رمضان عبد المعز يوضح الطريق الصحيح للعبادة: هناك أخطاء شائعة في الدعاء والصلاة    جايب بناته وجايين يشاركوهم الفرحة.. مسلم يحتفل مع الأقباط بأحد الشعانين في قنا    نقابة المهن السينمائية تنعي الإعلامية منى هلال.. بهذا البيان    بث مباشر الآن.. صدام ناري بين الزمالك والمصري في الدوري المصري 2026 – الموعد والقنوات والتشكيل المتوقع لحسم القمة    السر الكامن في الصالحين والأولياء وآل البيت    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




نشر في الوطن يوم 05 - 10 - 2015

علاقة خاصة جداً أراها تربط بين يحيى الفخرانى وجمهوره يغلفها الصدق من «يحيى» والدفء من جمهوره، لو حسبتها بالورقة والقلم وقلت مثلاً إنه على مدى يربو على ربع القرن يقدم لجمهوره مسلسلاً فى رمضان، وإن هذا المسلسل يحظى بالمركز الأول فى كثافة المشاهدة، فصار هو إفطارهم وسحورهم اليومى، تستطيع بعدها أن تقول إن هذا التراكم النوعى لم يستطع أى نجم آخر تحقيقه، فهو صاحب الدائرة الجماهيرية الأوسع فى البيت المصرى والعربى، والشفرة هى أنه ببساطة يحترم هذا الجمهور.
تعوّدنا أن نهتف للزعماء، الكثير من هتافنا نفاق، القليل صادق، الفنان هو الوحيد الذى لا يمكن أن يشترى هتاف الجماهير، فهم يصوّتون لاسمه من خلال قنوات لا ترقى أبداً إلى نزاهتها أى لمحة شك، وهكذا تهتف له القلوب قبل الأيادى «يحيا يحيى».
فى كل رمضان صار من إحدى علاماته مثل «المدفع - الإفطار - السحور - الفانوس»، أصبح «الفخرانى» منذ أكثر من ربع القرن طقساً لا غنى عنه فى حياة المصريين والعرب، تنتظره العائلة المصرية والعربية من العام إلى العام، وهو لم يخلف الوعد أبداً.. دائماً ما يزداد الشوق وتستبد بنا اللهفة ويأتى اللقاء مفعماً بالفن، دافئاً بالحب، حاملاً شيئاً من المجهول، هناك دائماً مغامرة، يحرص عليها «الفخرانى»، نعم قد يتباين المستوى بين مسلسل وآخر، لكن الثابت دائماً هو قدرة «الفخرانى» على الاستحواذ على مشاهدى الشاشة الصغيرة!!
حاولت أن أتأمل سر هذا الفنان الاستثنائى فى حياتنا، فوجدت أن الإصرار على عبور الذرى التى يصل إليها هو سره الخفى.. إنه ينسى النجاح مهما بلغت درجته.. يعتقد البعض أن الفشل هو العدو الأكبر للفنان، لكن الحقيقة أن النجاح فى أحيان كثيرة يصبح العدو الأشد ضراوة وفتكاً، إذا اقتحم حياة الفنان فلن يملك مواجهته، البعض قد يتوقف أمام نجاحه فى حالة أقرب إلى النرجسية، ينظر إلى مرآته الفنية ويتغزّل فى الدور الذى لعبه، وفى النجاح الذى انتقل به إلى قلوب الناس، حيث يتحوّل النجاح الطاغى إلى لقطة من كاميرا فوتوغرافية تُطيل النظر إليها، لقطة ثابتة تمسكها بيدك وتعصرها فى نشوة.. إن هذا هو النجاح القاتل، لأنه يضع نهاية للطموح، أما «يحيى الفخرانى» فلا توجد لديه لقطات ثابتة ولا كاميرا فوتوغرافية.. اللقطات الفنية التى تمر به لا تعرف الثبات.. لقطاته تتحرك سريعاً، 24 كادراً فى الثانية بالضبط، وكأنها شريط سينمائى لا تستطيع أن توقفه.. وهكذا فى كل مسلسل تليفزيونى لا يسكره النجاح، بل يحرك بداخله على الفور غدة الإبداع، حيث إنه قادر على أن يطوى الصفحة سريعاً، ليعيش مع اللحظة الحاضرة فى تجربة قادمة يتحدى بها نجاحه ونفسه، ليدخل فى مغامرة جديدة!!
«سليم البدرى»، «ربيع الحسينى»، «سيد أوبرا»، «جابر مأمون نصار»، «رحيم المنشاوى»، «عباس الأبيض»، «حمادة عزو»، «شيخ العرب همام» و«الخواجة عبدالقادر» و«الباسل» وغيرها وغيرها، كل هذه شخصيات انتقلت من الشاشة الصغيرة لتعيش معنا، باعتبارها بشراً من لحم ودم، ونشعر بها وكأننا سبق أن التقيناها وعايشناها، ثم يمر زمن وهى لم تغادرنا، رغم أنها غادرت صاحبها الذى جسّدها، لأنه يعيش حالة أخرى بكل الصدق، فلا يتبقى من دمائه ولا بقايا فى فكرة تخونه مع شخصية سابقة، لقد طوى هذه الصفحة التى كتبها بإحساسه ودمائه، ليكتب صفحة جديدة.
عرف «يحيى الفخرانى» أن هذا الجهاز السحرى «التليفزيون» يمتلك قوة جماهيرية، وحدث بينه وبين التليفزيون كيمياء فنية، وفى تاريخنا الفنى ستجد دائماً أن هناك علاقة بين الوسيط والفنان يصبحان بعدها وكأنهما وجهان لعملة واحدة.. إنها علاقة غامضة وتحتاج إلى دراسة علمية.. حيث يصبح الوسيط مثل التربة والمناخ الذى تنمو فيه النباتات.. إنه أرض وطقس وعندما تزرع فيها موهبة فنان ما تحقق محصولاً أكثر وفرة وغزارة، وهكذا يتباين النجاح فى العالم كله بين الفنانين من وسيط إلى آخر.. كل وسيط فنى يملك سراً ما له مفتاح وشفرة، و«الفخرانى» بينه وبين وسيط التليفزيون «باسوورد» مشترك.. ربما كان أقوى العناصر التى يمتلكها التليفزيون أنه لا يقع تحت طائلة قانون «شباك التذاكر».. فهو يأتى للمشاهد فى منزله، دون أن يحتاج إلى إقناعه بأن يرتدى ملابسه وينزل إلى الشارع ويقطع ثمن التذكرة.. ولهذا يسمح التليفزيون للفنانين بالمغامرة، فلا خوف مسبق، ولا يوجد مبرر لهذا الخوف، خاصة لو كنا نتحدث عن فنان يخلص لفنه.
صحيح أن المنافسة شرسة، خاصة أن ما يزيد على 1000 قناة ناطقة باللغة العربية تتهافت على المشاهدين، والكل صاحب مصلحة فى أن يحقق أكبر رواج جماهيرى.. إلا أن مشاهد التليفزيون من الممكن أن يوافق على المغامرة الفنية، خاصة إذا تعوّد من الفنان على أنه بقدر ما تمنحه الثقة، فإن الفنان على المقابل لا يخذله ليصبح جديراً بتلك الثقة.
فى كل رمضان نسمع ونقرأ ونعرف أن كل نجم أو نجمة يبدأ فى البحث عن وسيلة لكى يضع مسلسله فى ذروة المشاهدة أرضياً وفضائياً، وتتصارع شركات الإعلان بعقد صفقات لهذا النجم أو تلك النجمة، لكن «يحيى الفخرانى» دائماً تجده بعيداً عن كل ذلك.. أتذكر قبل 14 عاماً تم إبعاد مسلسله «أوبرا عايدة» للكاتب الراحل «أسامة غازى» والمخرج «أحمد صقر».. وتم إقصاؤه إلى قناة النيل الدولية، بعيداً عن المنافسة، وفى قناة لا يعرفها أحد، لكن الجمهور ترك المسلسلات الأرضية وأخذ يبحث عن «الفخرانى» فى الفضاء، وبعد نهاية شهر رمضان، وبناءً على رغبات المشاهدين تم عرض المسلسل فى القناة الأولى!!
كانت إرادة الناس أكبر من الصفقات والوساطات، ومن بعدها لا يجرؤ أحد على إقصاء «يحيى الفخرانى» بعيداً عن قلوب مشاهديه، ودائماً ما يبحث ريموت كنترول قلوب الجماهير عن «يحيى الفخرانى» فى كل القنوات!!
لم يستسلم «الفخرانى» لدور ناجح، هذه حقيقة، لكن الأهم أنه لم يخضع إلى تنميط أدائه أو إلى سيطرة الصنعة، لا تجد تعبيراً ثابتاً يطوّق أداءه، لكن الشخصية هى التى تفرض عليه أسلوب التعامل معها، هى التى تلهمه، صوتها ولزمتها.. هناك مدرستان رئيسيتان فى فن الأداء.. مدرسة يلعب فيها العقل الواعى والقدرة على الإمساك بالتفاصيل دور البطولة.. حيث إن الفنان يضع إمكانياته الإبداعية الواعية فى رسم الملامح المميّزة لهذه الشخصية أو تلك.
وهذه المدرسة من علاماتها البارزة «فاتن حمامة»، «كمال الشناوى»، «عمر الشريف»، «نور الشريف».. وعلى الجانب الآخر لدينا مدرسة يلعب فيها اللاوعى دور البطولة، حيث إن عفوية الأداء هى القناة التى يعبّر من خلالها إلى قلوب الناس، وفى هذه المدرسة تلمع أسماء «سعاد حسنى»، «رشدى أباظة»، «سناء جميل»، «أحمد زكى»، «يحيى الفخرانى».
وفى العادة، فإن هؤلاء الفنانين رصيدهم العددى أقل، إلا أن أعمالهم تتغلغل داخل الناس وتعيش عمراً أطول فى وجدانهم، لأنها عاشت من قبل فى وجدان مبدعيها.
لا يعنى ذلك أن أصحاب هذه المدرسة التلقائية يندمجون فى أدوارهم إلى درجة نسيان الواقع الفنى الذى يقتضى من الفنان مراعاة الحركة وموقع الكاميرا والزاوية وتوزيع الإضاءة وإيقاع الممثل المشارك فى اللقطة.. كل هذه التفصيلات المادية يدركونها بوعيهم، لكنها تظل بمثابة خطوط لتحديد الحركة ودرجة الأداء، لكنهم لا يخضعون لها فى منهجهم فى الأداء.. تبدو هذه القواعد المادية من فرط معايشتهم، وكأنها هى التى تخضع لهم؟!
«الفخرانى» هو هذا الفنان الذى لا يسعى إلى امتلاك الشاشة بمفرده.. نجاح الآخرين بجواره، بل توهجهم مع الناس، لا يزيده إلا إصراراً على أن يزيد بريقهم.. إنه يدرك بثقافته أن الفنان وحده لا يصنع عملاً متكاملاً، وأن النجاح عدوى مثل الفشل، وإذا لم يسع لنجاح الآخرين بجواره فسوف تنتشر عدوى الفشل وتغتال العمل الفنى كله، وعلى رأسهم، بطل العمل.. لا ننسى مثلاً «ماما نونا» الفنانة القديرة «كريمة مختار» فى «يتربى فى عزو» المؤكد أنها كانت بطلة موازية ليحيى الفخرانى، والمعروف أن النجم الكبير لا يقبل عادة بهذا التوازى، وفنان مثل «الفخرانى» يصبح هدفاً لكل المؤلفين، أى أن كل كاتب يضع أمامه شخصية «الفخرانى» يحاول أن يكتب له، يعتقد أنه سوف يروق له، لكن الحقيقة كما شاهدناها فى «يتربى فى عزو» أن «يوسف معاطى» كتب شخصية «ماما نونا» لتسرق الكاميرا وتستحوذ فى لحظات كثيرة على كل الاهتمام وهذا -كما هو واضح على الشاشة- لم يُغضب «الفخرانى»، وهكذا حصدت «كريمة مختار» العديد من الجوائز، باعتبارها الأفضل، بل فى بعض الاستفتاءات جاءت «كريمة» هى الأفضل بين النساء، وكان هو دائماً أول المهنئين ل«ماما نونا»!!
«الفخرانى» يصالح الزمن ولا يتحدى بصماته، يتركه يمارس سطوته وقانونه.. ولهذا طوال ما يزيد على عشر سنوات كان يحلم بتجسيد حياة «الملك فاروق»، وعاش كل مفردات تلك المرحلة الزمنية.. كان «الملك فاروق» هو حلمه الأثير، فهو دور تتعانق نبضاته وكراته الدموية مع «الفخرانى».. عانى المسلسل الذى كتبت له السيناريو زوجته «د. لميس جابر» مشكلات مادية ورقابية عديدة، أهمها أن بعض المسئولين حذّروا أصحاب السلطة فى «ماسبيرو»، وقتها، من أن الناس تتعاطف مسبقاً مع «الفخرانى»، ولهذا سوف يتعاطفون مع الملك الذى يجسّده فنانهم المحبوب، وكأنهم تخوّفوا من أن تشهد مصر مظاهرات تملأ شوارع القاهرة والمحافظات تطالب بعودة الملكية وتنصيب الملك أحمد فؤاد ابن الملك فاروق عرش البلاد.
وظل المسلسل مقيداً بهذا الخوف السياسى، حتى انتصر صوت العقل والمنطق الذى يؤكد أن «الملك فاروق» لم يكن شراً خالصاً، وفى مرحلة الثلاثينات من القرن الماضى، النصف الثانى تحديداً، كان يعبر عن أمل للصحوة المصرية، وهذا لا ينفى أن له أيضاً سلبياته وتجاوزاته الكبيرة، وتمت الموافقة على المسلسل، لكن «يحيى الفخرانى» كان صادقاً مع نفسه ومع جمهوره، فلقد تجاوز مرحلة الشباب التى ينبغى له أن يجسّدها على الشاشة، ولن يقتنع به المشاهدون وهو يقف أمامهم شاباً يافعاً لم يتجاوز العشرين فى بداية توليه حكم البلاد.. لقد تأخر قرار الإفراج عن «الملك فاروق»، لكن الزمن لم يتوقف، ولأن «الفخرانى» ينصت لصوت الزمن فهو لم يشأ أن يدخل فى معركة يخسر جولتها الأولى، وهو الإيحاء بالتوافق الزمنى على المستوى الشكلى.. لأن مجرد أن يصعد تساؤل إلى المشاهدين يردّدون فيه كلمة -معقولة- «الفخرانى» عنده 16 عاماً عندما أصبح «فاروق» ملك البلاد.. مجرد حدوث ذلك يعنى بداية للهزيمة مهما بلغت مقدرة الممثل العبقرى، ولهذا ترك حلمه «فاروق» ليعيش أحلاماً أخرى، ولعب فى التوقيت نفسه دور «حمادة عزو»، الذى بلغ الستين من عمره مع اليوم الأول فى عرض حلقات «يتربى فى عزو»، وهو بالمناسبة العمر الزمنى نفسه ليحيى الفخرانى وقتها. وتجدد الأمل مرة أخرى مع مسلسل «محمد على» وأطلق «الفخرانى» لحيته قبل بضع سنوات، لأداء الدور الذى كتبته أيضاً «لميس جابر»، لكن معوقات إنتاجية حالت -حتى الآن- دون تحقيق المسلسل، الذى تمت صياغته فى البداية كمسلسل، شىء ما غامض يقف حائلاً بين يحيى الفخرانى والأسرة العلوية.
تبقى علاقة «الفخرانى» بالسينما فى حاجة إلى رصد.. نعم هو ليس نجماً للشباك بالمعنى التقليدى للكلمة، لم يفعلها فى شبابه ولن يستطيع بالطبع أن يحققها الآن، لكنه قدّم أدواراً لا تُنسى، وعدد من أفلامه رغم رصيده الضئيل، أصبحت علامات سينمائية مثل «خرج ولم يعد»، «عودة مواطن»، «للحب قصة أخيرة»، فى كل الاستفتاءات المصرية والعربية لأفضل الأفلام لا تخلو القائمة منها!!
فى «خرج ولم يعد»، حصل فى عام 1984، على جائزة أفضل ممثل فى مهرجان «قرطاج» السينمائى الدولى بتونس.. كان «نور الشريف» عضواً فى لجنة التحكيم وازداد الحرج، لأن «خرج ولم يعد» يشترك فى بطولته «فريد شوقى»، كما أنه كان يشارك «عادل إمام» فى المنافسة على الجائزة بفيلم «حتى لا يطير الدخان».. ومن يعرف كواليس لجان التحكيم يدرك أنه عندما يشارك فى اللجنة ممثل بحجم «نور»، فإن صوته فى العادة هو الذى يرجّح اسم الفائز فى جائزة التمثيل، وهكذا فمن الممكن أن تدرك أن «نور» انحاز إلى «الفخرانى» فنياً، وبالطبع لم يسلم الأمر بعد ذلك من غضب مشترك، «فريد شوقى» الذى قدم واحداً من أفضل أدواره السينمائية فى «خرج ولم يعد»، أغضبه أن الجائزة ليست له.. كما أن «عادل إمام» غضب من «نور» الذى منح صوته ل«الفخرانى».. إلا أن الحقيقة هى أن «الفخرانى» بهذا الدور وصل إلى ذروة إبداعية لم يجاملوه ولم يتجنّوا على أحد.. وتستطيع أن ترى أيضاً «الفخرانى» فى حالة ألق إبداعى مع «رأفت الميهى» فى «للحب قصة أخيرة»، وتراه أيضاً مع «ساندرا نشأت» فى أول أفلامها الروائية «مبروك وبلبل»، وآخر إطلالة سينمائية له حتى الآن وأتمنى حقيقة ألا تُصبح الأخيرة، حيث إن «يحيى الفخرانى» لا يؤدى فى الفيلم الأخير دور عبيط القرية كما تعودت الدراما أن تقدم مثل هذه الشخصيات، لكنه يعانى من إعاقة عقلية أوقفت نموه العقلى عند مرحلة الطفولة، فكان الرهان على البراءة هو منهجه فى الإمساك بمفتاح الأداء!!
عندما يسألون «يحيى الفخرانى»، أو إن شئت الدقة، يعايرونه بأنه لا يحقق إيرادات فى السينما، كان يقول «قدمت فيلماً تجارياً اسمه (الأوباش) حقق أعلى إيرادات فى السينما عام 86، لكننى أشعر أن الفيلم الذى سيعيش طويلاً هو (عودة مواطن) الذى قدمته فى العام نفسه من إخراج (محمد خان)، رغم تضاؤل إيراداته لكنه من خلال الفضائيات يحقق أكبر قسط من النجاح كلما أعيد عرضه».
سألت «الفخرانى» يوماً وقلت له: «هل تحلم بأن تقدم أفلاماً تحقق من خلالها نفس نجومية (عادل إمام)»؟!
قال لى: «أحلم بالطبع بالنجومية، لكن على طريقتى»، يومها أغضبت هذه الإجابة «عادل إمام»، لأنه يرى -أقصد «عادل»- أن النجومية والنجاح الجماهيرى لا يخضعان لمقاييس مسبقة يضعها الفنان.. الجمهور هو الذى يضع القواعد التى يصنع من خلالها نجومية الفنان.. «يحيى» لديه قناعة بأن النجومية فى السينما لم تتحقق له، وأيضاً لن تتحقق فى المقبل من السنوات، إلا أن هذا لا يعنى أن تزداد الخصومة بينهما كل هذه السنوات، آخر أفلامه «مبروك وبلبل» عُرض قبل ثمانية عشر عاماً.
رغم أن السينمائيين كانوا ولا يزالون بين الحين والآخر يحلمون بفيلم يشارك «الفخرانى» فى بطولته، لا يعلم الكثيرون أن «الفخرانى» رفض بعض الأدوار المهمة طوال تلك السنوات لأسباب مختلفة، مثلاً رشحه «يوسف شاهين» لبطولة «المصير» فى دور «ابن رشد» الذى أداه بعد ذلك «نور الشريف»، لكنه طلب أن ينص فى التعاقد على أن يكتب اسمه سابقاً الجميع فى التترات، واصطدم مع «يوسف شاهين» الذى يعتبر أن هذه منطقة محظورة لا يجوز لأى فنان أن يشترط شيئاً فى كتابة التترات أو الأفيش، فلم يتم الاتفاق على الدور.. ورشحته «هالة خليل» للمشاركة فى بطولة فيلم «أحلى الأوقات»، لكن بسبب خلاف حول الأجر، لم يكتمل المشروع، وغيرها من الأدوار.. ورغم ذلك لا يزال «الفخرانى» يُشغل مساحة مهمة فى خيال السينمائيين، ومن كل الأجيال، وأتصور أن الانتظار لن يستمر للأبد، ربما نشهد صلحاً بينهما قبل نهاية هذا العام، خاصة أن لدينا جيلاً جديداً من المخرجين لديه طموح ورؤية خاصة أظن أن «الفخرانى» قادر على تحقيقها!!
لم يصبح «الفخرانى» نجماً جماهيرياً فى السينما مثلما لم يصبح «محمود مرسى» نجماً جماهيرياً فى السينما، لكن لا يعنى ذلك أن تدير السينما ظهرها له، وأن يدير هو أيضاً ظهره للسينما.. إنها، بلا شك، خسارة مزدوجة للسينما و«الفخرانى»، لكن تلك العلاقة، على عكس المسرح الذى لم يغادر خشبته «يحيى الفخرانى» إلا ليعود إليه.. وكان له لقاء قبل عشر سنوات فى «الملك لير» رائعة «شكسبير» التى أخرجها «أحمد عبدالحليم».. ومنح «الفخرانى» للملك لير ومضات خاصة تشعر بإشعاعها كلما أتيح لك أن تشاهد المسرحية، وهذه الأيام أنار المسرح القومى مجدداً بعد إعادة افتتاحه مع «الفخرانى» فى «ليلة من ألف ليلة»، تأليف بيرم التونسى وموسيقى أحمد صدقى، ومن إخراج محسن حلمى، والغريب أن مسرح الدولة يشهد حالياً أرقاماً غير مسبوقة فى شباك التذاكر، قفزت الأرقام من فوق سور المسرح القومى لنرى مسارح الدولة تعاود الانتعاش!!
وجاء اللقاء الحميم المرتقب مع «الفخرانى» فى رمضان 2014 فى مسلسل «دهشة» الذى يُعتبر بمثابة قراءة صعيدية للملك لير ل«وليم شكسبير» الذى صار فى تلك النسخة الجنوبية «الباسل»، من إخراج شادى الفخرانى، ثانى مسلسل يخرجه «شادى» بعد «الخواجة عبدالقادر»، للكاتب الذى صار يشغل مساحة على خريطة «الفخرانى» عبدالرحيم كمال، والذى بدأ اللقاء فى «شيخ العرب همام»، ثم جاءت الذروة فى «الخواجة عبدالقادر»!!
وهكذا نجد أن «الفخرانى» يعيد القراءة للعمل الفنى فى «لير»، وأيضاً فى «ليلة من ألف ليلة»، بعد 21 عاماً، فهو يشعر بأن الزمن من المؤكد سيضيف شيئاً ما ليمنحه قراءة أكثر عمقاً للشخصية، هؤلاء الفنانون الاستثنائيون مثل «الفخرانى» يلعب الزمن لصالحهم دائماً.. يقتربون من وجداننا أكثر وأكثر، ويعلو هتافنا لهم أكثر وأكثر «يحيا الفخرانى».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.