قليلون هم من يلتفتون إلى ملف الأدب (أو بالأحرى قلته وفى أقوال أخرى انعدامه)، وربما يكون ذلك بسبب كسر رهيب فى ماسورة الصرف الصحى الأخلاقى أدى إلى تفجر محتويات شبكة الصرف فى كل مكان، وهو ما كبس على أنفاس القلة القليلة المهمومة بقلة الأدب، فسكتت وخمدت، وقد يكون ذلك تحت وطأة جيل جديد نما وشب وكبر فى غفلة من الزمن والتربية والتنشئة، حيث لا عيب إلا ما قال الشيخ إنه حرام، و«لا يصح» إلا من أفتى مفتى بئر السلم بأنه لا يجوز، وكل ما عدا ذلك فهو مسموح بل محمود، (ولنا فى جماعة الإخوان وأبناء عمومتها وقواعدهم وما يستخدمونه من ألفاظ مصنفة تحت بند الشتائم المخلة والألفاظ الخارجة عبرة)، وربما يكون أيضاً راجعاً إلى سقوط مدو لمنظومة «التربية والتعليم» حيث وزارة ذات دهون بيروقراطية متكتلة، وشحوم لوجستية متحجرة، وعقود من التردى والتخلف والتسييس ساهمت فى هدم المنظومة برمتها. فلا كتب مدرسية تحوى علماً نافعاً، ولا معلم مدرسى (باستثناءات قليلة جداً) واعٍ إلى مهمته المختلفة تماماً عن التسويق لنفسه فى مجال الدروس الخصوصية، ولا منظومة مدرسية تنتهج نهج الابتكار والتجديد أو حتى الاجتهاد فى القيام بالمهمة التعليمية التربوية ولو بأقل القليل، وقد يعود السبب إلى صرعة حديثة نسبياً جعلت من قلة الأدب «روشنة» وشكلاً من أشكال التحرر الفكرى والاستقلالية الذاتية والثورية الغائبة، وقد يعود أيضاً إلى سكوت مجتمعى على تردٍ أخلاقى واضح وضوح الشمس الحارقة، وهو السكوت الذى لا يمكن تفسيره إلا فى ضوء نظرية المباركة، وقد يكون للإعلام والفن دور منذ خرج مذيعو التوك شو وهم يشرشحون شرشحة السنين ويفرشون ملاءات السب والشتم والقذف ويتفوهون بقبيح الألفاظ وكأنهم يتغنون بأشعار، وقد يكون للدرما والإعلانات أيضاً نصيب حيث تحولت الشتائم التى كان يندى لها الجبين بالأمس القريب كلمات عادية تتفوه بها البطلة ضمن السيناريو الهابط أو يجاهر بها البطل باعتبارها لغة الواقع الذى لا يعكس الفن سواه، ولذلك حين يرفض فلان مصافحة علان فى مناسبة تبثها الفضائيات وتتابعها الملايين، فيصب علان غضبه على فلان بألفاظ نابية وأخرى خارجة، فهذا لا يستدعى العجب، وحين يرفض لاعبو فريق مهزوم تسلم ميداليات التكريم فى إعلان صريح لانحطاط الروح الرياضية، فهذا لا يستوجب الدهشة، وحين تسمع سائق التاكسى «بتاع ربنا» الذى لا يغير مؤشر المذياع بعيداً عن محطة القرآن الكريم وقد أخرج رأسه من النافذة ليسب الدين ويصب غضبه المرورى على من حوله بألفاظ يعاقب عليها القانون وتغضب السماء، فهذا لا يعنى الحيرة، وحين ينادى شاب على صديقه فى عرض الشارع مذيلاً اسمه ب«يا ابن ال.. يا.. » على سبيل التحبب وخفة الظل، فإن هذا لا يستحضر الخجل، وحين تستخدم الفتيات الرقيقات صاحبات الرصيد الإنسانى الأكبر من التهذيب ألفاظاً قبيحة وكلمات رذيلة كجزء طبيعى من نقاشاتهن وحواراتهن المنطوقة والمغردة والمدونة، فهذا لا يستحضر البكاء، وحين يجد الثورى نفسه مضطراً لاعتناق قاموس الشتائم ومعجم القبائح ليحظى بمكانة ثورية مميزة أو توصيفاً طليعياً مؤكداً، فإن هذا لا يسترعى الكثير من الاهتمام أو الامتعاض، وحين يوجه ضابط شرطة ألفاظاً «نابية» سابقاً «عادية» حالياً، إلى شخص يتم توقيفه أو تفتيشه، فإن هذا لا يستتبعه قلق أو توجس أو حتى غضب، موازين الأدب خاضت عملية إعادة هيكلة فى غفلة من الزمن، والشعب المتدين بالفطرة صار شتاماً بالفطرة، ومنظومة التربية والتعليم تغض الطرف حيناً وتشجع أحياناً تدنى الأخلاق، والجميع مدان فيما وصلنا إليه من قلة أدب شديدة تحولت إلى منظومة سديدة.