أليس من المهم التفكير بأن نقد الثقافة السائدة يمثّل جزءاً من الجهد لصنع مناخ ثقافى ملائم للتقدّم الذى ننشده؟ صحيح، «رمضان» هو الشهر الفضيل، موسم الروحانيات والبركة، وهو أيضاً موسم المسلسلات والإعلانات وبرامج المقالب، التى تذيقك الموت لتروّح عنك وتداعبك بالتعذيب، رغم ذلك ربما تجد بعض الساعات لتفكر. الماضوية - نوستالجيا دائمة يقول جمال الدين الأفغانى: «العربى يعجب بماضيه وأسلافه وهو فى أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله». ويقول المصريون: نحن بناة الأهرام، وأصحاب حضارة، مصر هى الشقيقة الكبرى وذات الثقل الأعظم فى المنطقة، هى القائد دون منازع. ثم ينسحب المخدر إلى برامج النوستالجيا، كنا حلوين، ياريت نرجع للستينات أو الأربعينات وقت ما كنا بنقول: «يا حضرة ويا أفندى» الله كنا حلوين، كنا بنموت بالسل «الالتهاب الرئوى» الله، ياريتنا نرجع! وبطبيعة الحال فإن كل المبدعين فى زمانهم هم الأفضل، حتى إنهم الأصلح ليومنا الذى نعيشه، فلمَ لا نعيدهم فى الإعلانات، مسوقين جيدين، يابلاش. لدينا عدو لا ندركه، يعبث بنا فيبعد الكفاءات، يريد لنا أن نقبع فى الأمس لا نغادره، يمنح الأدوات كاملة التى تبقى على وصل الماضى دون علاقة حقيقية مع اليوم ودون استعداد وترقب بلهفة لِغَد حديث، يمكّن العجزة والمحدودين الذين لا يملكون سوى اجترار الماضى لإقناعنا بأنه أفضل الممكن. هزيمتنا ليست نهائية نعيش فى هذا العصر مهزومين، إذ يمكننا أن نغادره إلى آخر لنكون فيه منتصرين وهو ممكن بشروط: - أن نحيل للتقاعد كل قديم، الآثار والتراث مكانها المتاحف، نحفظها ونتصور معها، ونكمل الطريق ليأتى الحديث، فما من جديد يأتى دون تمديد. ثم، نقارن هزيمتنا بانتصارات الآخرين وليس بانتصارات أجدادنا. - لا يعقل أن تنتصر مصر وحدها على شرق آسيا، أوروبا أو الولاياتالمتحدةالأمريكية، يلزمنا مشروع أكبر من قومى وأطول من تفريعة قناة السويس. - علينا أن نجد مشروعاً موحداً يقود لنهضتنا على ألا يكون حل «قضية فلسطين»، فهى نتيجة للنهضة وليست مشروعاً قائماً بذاته نعمل عليه. - لا يمكن أن تتحقق نهضة لدول مهددة ببقائها وتتعرض لمخططات هدم وتقسيم، سقطت جيوش بعضها، وسرقت ثروات البعض الآخر ودمرت حضارتهم، لذا لم نعد نملك رفاهية الاختيار كما سبق، لقد اختُزلت الخيارات إلى بقائنا، وأخشى أن نكون فى ذلك مفرطين. الجمعة الماضى، انتهز الإنس «من المسلمين» غياب الشياطين فى الشهر الفضيل وحققوا إنجازاً بهجوم طال دولاً فى ثلاث قارات وقتلوا مئات المدنيين دون حق، من بينهم مصلون فى أحد بيوت الله. لكن يبقى نسب طفلى زينة لأحمد عز الخبر الأكثر اهتماماً ومتابعة ربما تفوق عليه «ماكياج» سارة سلامة فى «رامز واكل الجو» -مين سارة سلامة- مش مهم. لتتغير أولويات الشباب يجب أن تتغير أولويات الدولة وأولويات الإعلام، والبشر هم من يضعون الأولويات، لذا فلا سبيل غير تمكين الكفاءات، لم يعد أمامنا متسع من الوقت لمزيد من الفساد، فلن يبقى شىء لأحدهم حتى يسرقه.