يمد جسده المنهك قدر استطاعته على السرير، ويُسلم رأسه للوسادة، تتلاشى الأشياء فى محيطه، تختفى أجهزة التنفس والنبض المتصلة بصدره وأطرافه، فيما يتسلل إلى وعيه الحلم الأخير.. يُخيل إليه أن أصوات قياس الوظائف الحيوية هى لماكينة عرض سينمائى كالتى حازها فى مقتبل العمر، تدور يدوياً فتتابع على الحائط ذكريات الماضى البعيد، كفيلم صامت يُوجز قرناً من الزمان فى قصة قصيرة بعنوان «النجيب.. محفوظ». تبدأ الأحداث سريعاً فى المنزل رقم 8 من ميدان «بيت القاضى» فى الجمالية، حيث تلجأ الأسرة إلى الطبيب نجيب محفوظ؛ للتعامل مع ولادة متعثرة، ليسجل التاريخ فى صفحاته يوم الاثنين 11 من ديسمبر عام 1911 باسم «نجيب الأدباء»، الذى ظل «محفوظاً» برعاية الله وأقداره قرابة ال95 عاماً. يتلمس الطفل الطريق، فتقيم المشيئة مساره، كان من الممكن أن يصبح نجيب محفوظ لاعباً لكرة القدم، التى كان يعشقها فى طفولته ويحترفها لينافس فى مستقبله «مختار التتش»، أو أن يختار الحقوق ويصبح وكيلاً للنيابة كما أراد له والده، غير أن نجابة الطفل جعلته، على غير رغبة من كل المحيطين به، يتجه إلى دراسة الفلسفة ومعافرة الأدب، وكأن الأيام تحفظ قدره وتهيئه ليصبح أميراً على ناصية الرواية العربية، وكما قوّمت المشيئة مساره، حفظت لنا حياته، فبضعة ملليمترات أو ثوانٍ معدودات كانت كفيلة بأن تكتب المشهد الأخير فى حياة «أديب نوبل»، صاحب «أولاد حارتنا»، التى أثارت من الجدل ما وجد فيه المتطرفون ذريعة لتكفير الأستاذ وإهدار دمه.. لكن كان فى العمر بقية وكان فى المسيرة أحلام غرس «النجيب» آخرها 30 أغسطس 2006، فى مثل هذا اليوم.