أحياناً يقودك القبح والعبث إلى ما يفوق خيالك من جمال وإبداع..إنه مشهد متكامل للجنون.هناك حيث الصخب يطاردك فى كل بقعة، لتجد نفسك محاصراً بين تشوه بصرى وسمعى لا يُحتمل، وزحام رهيب لا ينتهى، وكى تصل إلى مرادك عليك أن ترقص لاهثاً بين الباعة الجائلين وفرشاتهم «جمع فرشة»، محلاتهم المتنقلة التى يقدمون أمامها حركاتهم (التسويقية) الجاذبة للزبائن. وعندما تصل إلى وجهتك.. ساحة الفن المختبئة خلف أسوار «لقمة العيش»، تلقى بنفسك وتفر داخل أحضان (أبو الفنون)، المسرح المصرى العظيم الذى تجلى فى أبهى صورة بين عرضى «ليلة القتلة» و«كتيبة نغم». أكتب لكم عن مصر التى فى الطليعة (العتبة)، مصر الفنانة المتوهجة المحاطة ب«سيريالية العشوائية»، بين شباب يبيع كل شىء هرباً من قسوة الفقر، وشباب يتفجر موهبة ويلمع كالماس، ينافسه جيل من الفنانين المخضرمين، ينحتون فى صخور الإبداع، إنها لوحة بديعة تخص مصر المحروسة (والمنصورة بإذن الله) وتعكس عجينتها البشرية الفريدة. قبل أيام، وبدعوة كريمة من الفنان شادى سرور، المخرج المسرحى القدير، والممثل الذى لم تمنحه الشاشة الصغيرة ما يليق بقدر موهبته، شاهدت واستمتعت بعرضين مسرحيين (على أروع ما يكون)، كانا يعرضان على مسرح ما يزال يقف شامخاً بين مسارح الدولة المصرية التى ما تزال (أيضاً) تدعم الثقافة وتنتج الفن للجميع رغم أزمة الدولار وارتفاع الأسعار، وما تزال رغم شح الموارد تقدم أجمل ما لديها من إبداع.الحديث يطول عن العرضين المتميزين، وشهادتى فيهما سبقها تكريم رسمى حصلا عليه بعد أن حصدا تقديراً وجوائز تليق بهما. شاهدت العرض الأول «ليلة القتلة» فى قاعة صلاح عبدالصبور، بعد أيام من مشاركته فى مهرجان الأردن المسرحى، وفوزه بجائزة أفضل سينوغرافيا، وحصول بطل العرض ياسر مجاهد على جائزة أفضل ممثل مناصفة، والمسرحية من تأليف المؤلف الكوبى خوسيه تريانا، وأشعار عوض بدوى، وإخراج صبحى يوسف، والمسرحية تقدم على «الطليعة» للمرة الثالثة فى تاريخها، حيث عُرضت من قبل عامى 1979 و2011 عن ترجمة للناقد المسرحى الكبير فتحى العشرى، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمى» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. ويتناول العرض صراع الأجيال، ويطرحه وفق رؤية تراجيدية (طفولية) خيالية دامية، تألق فيها فريق التمثيل، فى مقدمته المخضرمان نشوى إسماعيل وإميل شوقى، والمتألقات مروج جمال ولمياء جعفر وشيماء يسرى. أما المسرحية الثانية «كتيبة نغم» التى شاهدتها فى قاعة (زكى طليمات)، فهى حاصلة على المركز الأول فى مهرجان إبداع للمسرح فى نسخته العاشرة، الذى يأتى ثمرة طيبة لتعاون نثمنه ونتمنى أن يتكرر كثيراً بين وزارتى الثقافة والشباب، والمسرحية غنائية مأخوذة عن نص «The sound of music»، كتابة وأشعار طارق على، تمثيل وغناء منتخب جامعة عين شمس، تأليف موسيقى أحمد الناصر، إخراج شادى سرور. وللمفارقة فإن موضوع المسرحية أيضاً يتناول صراع الأجيال، لكن برؤية كوميدية غنائية استعراضية، تألق فيها شباب الممثلين من طلاب الجامعة الموهوبين (جداً)، ولعل أكثر ما جذبنى هو القراءة الواعية من مخرج المسرحية لطبيعة الأجيال الشابة وتبنيه أفكارهم وتصوراتهم للحياة بحياد وموضوعية، وظنى أن هذا العرض يستحق أن يعاد عرضه على مسارح الدولة والجامعات، فهو يحمل رسالة وقيمة ربما تسهم فى فض الاشتباك بين الآباء والأبناء بهذا المحتوى الفنى البسيط والعميق.. والممتع أيضاً.شكراً لأبطال وصُناع العرضين المسرحيين الرائعين، وشكراً لمسرح الطليعة على صموده أمام الطوفان.