فيما تحاصرنا موجات تسعى لبث روح اليأس فى مرحلة انتقالية فارقة، توجد عقول ومؤسسات تعمل بلا كلل لاقتحام أزمات مزمنة صارت لصيقة الصلة بيومنا، بعيداً عن مهاترات الصراعات الضيقة فى فضاء السياسة، التى صارت خبز يومنا بفعل تحالف المتربصين باسترداد الشعب لثورته فى 30 يونيو، فى مشهد سيظل علامة فارقة فى تاريخنا. كنا على مدى أعوام، وربما عقود، نصطدم مع أزمات الخبز إنتاجاً وتوزيعاً وتهريباً، فى كل مراحل إنتاجه؛ دقيقاً فخبزاً، وكانت مطاردات مباحث التموين لأصحاب المخابز عنواناً ثابتاً فى آليات الإعلام، وعلى جانب آخر كانت صور «رغيف العيش» غير الآدمى تقف على قمة خيارات رسامى الكاريكاتير، بل صارت واحدة من مكونات أفلام الكوميديا السياسية، وحمله بعض من نواب البرلمان كمستند فى استجوابات الحكومة تحت قبته، وظهرت تجارة تجوب الأحياء الشعبية والمتميزة، والقرى والنجوع، فى الخبز الذى أصابه العطن لكونه غير صالح للاستخدام الآدمى. فإذا بوزارة التموين تتبنى مشروع «الكارت الذكى» فى توزيع الخبز، تطبقه على استحياء فى بعض مناطق العاصمة، ثم تتوسع بهدوء ليغطى القاهرة، ويمتد منها إلى محافظات أخرى، وكان من تداعياته أن ضبط البيت المصرى استهلاكه من الخبز بشكل مذهل، فلم يعد لديه فائض يبحث عن منفذ للتخلص منه، بل ويتدرج الرغيف «المدعم» فى التحسن بشكل لافت، وتختفى الطوابير من أمام المخابز، بل وتطلب بعض مخابز الخبز غير المدعم الانضمام لمنظومة الخبز الجديدة، وتنحسر بدرجة لافتة ظاهرة «تهريب الدقيق» المدعم أيضاً بعد أن تم تحديد حصة للأسرة بحسب عدد أفرادها، يومياً، تدرج على الكارت الممغنط المخصص لها، ويخصم منها ما تصرفه الأسرة من منافذ التوزيع دون تقيد بالنطاق الجغرافى، وفى نهاية الشهر تتحول الكميات المنصرفة إلى رصيد يسمح للأسرة بترجمته إلى سلع تصرفها من البقال التموينى، والجمعيات الاستهلاكية التابعة لوزارة التموين، دون أن تتحمل أعباء إضافية، فكانت حافزاً عملياً وفاعلاً فى ضبط استهلاكها. وفى السياق ذاته تمتد صلاحية هذا النظام إلى البطاقة التموينية التقليدية، وتجد الأسرة نفسها أمام توفير قدر مؤثر من احتياجاتها من السلع الأساسية، بنفس النسق، وتتخفف الوزارة من عبء مراقبة البقال التموينى، واختلالات التوزيع، وتضع يدها على مفاتيح وصول الدعم لمستحقيه. والتجربة تتطور بعيداً عن القيود البيروقراطية العتيقة ويتم إضافة سلع لم تكن فى دائرة سلعها التقليدية، ويتم مراجعة مشاكل التطبيق ووضع حلول مبادرة وسريعة لها، تصب فى تخفيف أثقال الأسرة المصرية. اللافت أن الإعلام الذى أدمن تركيز الأضواء على الأزمات والسلبيات، وهذا جزء أصيل من عمله ودوره البنائى، والمطارد للفساد والتقصير فى مؤسسات المجتمع والدولة، لم يستكمل دوره فى متابعة هذه التجربة بما تستحقه من اهتمام، رغم أننا بحاجة لكل بادرة إيجابية تؤكد أننا قادرون على تفكيك مشاكلنا وحلها مهما كانت مزمنة، ولم يلتفت إلى أن تفكيك أزماتنا اليومية غير بعيدة عن الشأن السياسى، بل هو فى قلبه، فقد استطعنا بنفس الدولاب الحكومى وفى أقدم الوزارات وأكثرها معاناة، أن نقتحم واحدة من أبرز مشاكل الأسرة المصرية، وتنتقل الخبرة بهدوء لتضم تحت مظلتها المزيد من المشاكل، وتأتى ضمنها دراسة تعدها الوزارة بالتعاون مع وزارة البيئة للتخلص من القمامة بعيداً عن الإعلانات والنصائح، لتتحول مخلفات منازلنا عبرها إلى نقاط تضاف للكارت الذكى وتتحول إلى سلع تموينية آخر الشهر، وتتحول المنظومة إلى نسق حياة يفسح مكاناً للتفكير العملى ونتخلص من سلوكيات كانت ترسخ الفوضوية واللامبالاة. تجربة الكارت الذكى تؤكد أنه يوجد بيننا مكان للإبداع والحلول الحقيقية لأزماتنا، انتبهوا أيها الإعلاميون، والمتنفذون.