صفعها لأنه وضيع. وقدَّمته للعدالة لأنها جسورٌ ذاتُ كبرياء، مثقفةٌ تعرف حقوقَها، مستنيرةٌ ألقتْ بمِشعلها ليحرق جُبن النساء وخنوعهن أمام «ذكور» لم يصيبوا من «الرجولة» إلا غلاظة الصوت وضخامة الحذاء وإطلاق اللحى الخشنة. «ذكرٌ» كهلٌ على مشارف الستين، لم يحترم سنَّه المتقدمة، ولا لحيته المُدلاة فوق صدره، ولا احترم الدستورَ المصرىَّ الذى يُقرُّ باحترام الآخر، بوجه عام واحترام المرأة على نحو الخصوص، ولا احترم قانونَ السماء. والتحرش بمعناه الحقيقى لا يعنى المغازلة الجسدية وفقط، بل تندرج تحت خيمته أية محاولة تماس جسمانى أو لفظى بغرض الإيذاء الجسدى أو المعنوى. هذا الكهل المترخص تطاول لفظياً على سيدة شابة، ووصفها بالمتبرجة، لأنها نبّهته لكيلا تصطدم سيارتُه بسيارتها وهو يرجع للخلف بسرعة عالية فى موقف سيارات. فلما اعترضت على قوله أنذرها بأنه سيضربها، وبالفعل نزل من سيارته وصفعها على وجهها ثم بصق عليها، ثم دخل سيارته بهدوء وهمَّ بالمضى فى طريقه كأن كارثة وجودية لم تحدث! إلى هنا، وقبل أن أمضى فى سرد بقية الواقعة المخجلة، أتساءل: تُرى كم واقعة مثل هذه حدثت، وتحدث، وسوف تحدث، دون أن ندرى عنها شيئاً، لسيدات وفتيات مصريات على يد بلطجية الذقون الذين يظنون جهلا وعماءً أن الله قد فوّضهم لتأديب الناس، بينما هم فاقدو أول مبادئ الأدب والأخلاق، وليسوا إلا أكياساً فارغة من خواء، تُحيط بخواء؟! ما كنّا سندرى عن تلك الواقعة لولا أن تلك السيدة الجميلة كانت من الوعى والثقافة والاعتزاز بالنفس والإدراك بحقوقها كإنسان حرّ ومواطن فى دولة محترمة، بحيث رفضت تلك الإهانة أن تمرّ، فتعلّقت بباب سيارته ورفضت أن يفلت بجريمته الرخيصة دون أن تقدّمه للعدالة. فما كان من «الذكر» إلا أن أمسك بكتفها وركلها فى بطنها ثلاثاً، وهى بادية الحمل! وبوسعنا أن نستنتج بقية القصة التى سردتها الصيدلانية: «ماهى درويش» فى برنامج «مصر الجديدة» مع الإعلامى معتز الدمرداش. أمام الضابط لبس المجرمُ ثوبَ الأب الحنون وراح يستعطفها لتصفح! تمت تلك الواقعة الرخيصة قبل أسبوع فى جراچ أحد مولات مدينة الشيخ زايد. ولما استنجدت الضحيةُ بفرد الأمن فى المول، لم يبد احتراماً للسيدة، بل قال لها: «اِتْركنى على جنب عشان نجيب لك حقك». فمثل هذا «الذكر» لا ينصر امرأة إلا تحت شرط واحد فقط. أن تكون المرأة من «أملاكه»، وأن يكون الخصمُ أىَّ ذكر سواه. بوسعى أن أجزم أن نموذج فرد الأمن هذا يهين نساءه: زوجته - شقيقته- ابنته - أمه، لكن شهامته تصرخ ورجولته تئن وتتجلى إن أهانها «ذكرٌ» آخر، «فإهانة كل امرأة شأنُ ذويها من الذكور»، فى عُرف أولئك. لكن هذا الغضنفر لا يغضب إن أُهينت امرأةٌ لا تخصه، لأن نخوته مشروطة. ثم يأتى «الذكر» الثالث، الضابط الذى كتب المحضر فى قسم شرطة أول أكتوبر، حيث رفض ذكر واقعة الضرب فى المحضر، واكتفى بقوله «خناقة» بين اثنين من المواطنين! هذه الصيدلانية العارفةُ حقوقها وقعت بين براثن ذكور ثلاثة، لم يصلوا إلى مرتبة الرجولة الناضجة بعد. لأن المجتمع الرخو تربةٌ خصبة لتلك الكائنات الرخوة. فهل نقبل أن نظل مجتمعاً رخواً بعد تلك الثورات التى خضناها وتلك الدماء التى دفعناها؟ أختصمُ، كمواطن مصرى، وككاتبة تنويرية، وكامرأة، وكإنسان، تلك الكائنات الذكورية الثلاثة مع الدكتورة ماهى درويش، وأنتظر أن يُردُّ لنا حقُّها وحقى وحق كل مواطن مصرى شريف بالقصاص من ثلاثتهم.