هل من الممكن أن تحدث المصالحة بين جماعة الإخوان ونظام الحكم الحالى؟ التجربة التاريخية تقول إن الطرفين ظلا لسنوات طويلة «راسين فى طاقية». فما أكثر ما تصافق الإخوان مع الأنظمة السياسية التى حكمت مصر بعد ثورة يوليو 1952، رغم ما شاب العلاقة بينهما من توترات وصراعات ومصادمات كانت تأخذ الشكل الدامى فى بعض الأحوال، ويجد النظام الحالى فى مصر رافداً له فى تلك الثورة، على أكثر من مستوى. الواقع المعيش أيضاً يحمل فى أحشائه عدة مؤشرات تشير إلى وجود ترتيبات أو تمهيدات من نوع ما لإحداث هذه المصالحة، من بينها المبادرات التى تظهر فجأة من هنا أو هناك، والأهم من ذلك الإفراج عن بعض القيادات الإخوانية أو المحسوبة على الجماعة، وبعض التصريحات التى تأتى على لسان مسئولين، بمن فيهم صانع القرار الأول، وتحمل رسالة أن التصالح ممكن مع العناصر التى لم تحمل سلاحاً ولم ترتكب جرائم. ذلك ما يقوله التاريخ وما يؤشر إليه الواقع، لكن لمنطق العقل تصاريف أخرى عند النظر إلى موضوع المصالحة بين الإخوان والنظام الحالى بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى. العقل يقول إن توقيت المصالحة عبر وولّى لعدة أسباب، أولها أن ذلك كان ممكناً قبل أزيز الرصاص وأصوات الانفجارات والدماء التى سالت. «الدم» يجعل الصلح صعباً، خصوصاً فى هذا التوقيت الذى تتدفق فيه الأحداث يومياً لتعبر عن استمرار حرب عض الأصابع بين الطرفين، والتى يرفع أحدهما فيها شعار الدفاع عن الشرع والشرعية ويرفع الآخر شعار الدفاع عن الوطن والوطنية. السبب الثانى يتعلق بالإخوان إلى حد كبير والنظام الحالى إلى حد ما، ففى عالم المفاوضات توجد قاعدة تقول إنك تتفاوض على ما حصلت عليه على الأرض، والإخوان خسرت الحزب والجماعة وانفرط عقد الصلة التاريخى بين القيادات والقواعد، والأخطر من ذلك أنها خسرت الشعبية، إذ يعانى أعضاؤها حالياً من حالة غير مسبوقة من حالات النبذ الشعبى، ولم يبق لها مكسب تفوز به سوى تأسيس حزب جديد بشروط النظام الحالى، والرضاء بفكرة شرود الكثير من القطاعات الشبابية التى ربّى الدم داخلها رغبة عميقة فى الثأر. والنظام من ناحيته لديه هو الآخر ما يخسره إذا انخرط فى دائرة المصالحة، فمن المتوقع أن يخسر جزءاً من رصيد شعبيته، بعد تصريحات عنترية سابقة أكد فيها رموزه أنه لا تصالح مع الإخوان. العلم يقول إن الأقطاب المتشابهة تتنافر، والمختلفة تتجاذب، وثمة تشابه لا يُخطَأ بين الجماعة والنظام الحالى، يتمثل فى أن كليهما لعب ولم يزل يلعب مع الآخر مباراة صفرية ترتكن إلى قاعدة «كل شىء أو لا شىء»، هكذا فعلت الجماعة بعد أن ركبت عرش مصر دون جهد يُذكر، فأرادت الاستحواذ على كل شىء للأهل والعشيرة، والنظام الحالى هو الآخر يمارس بنفس المنطق الصفرى، وليس من السهل عليه أن يشرك أحداً من خارج الأهل والعشيرة فى المعادلة. المصالحة تعنى المشاركة وليس المغالبة. وهو منطق لا يؤمن به الطرفان.. أو قل إنهما فى هذا المنطق، رأسان فى «طاقية»، كما كانا أيام «التصافق»!