بعد مرور 19 يوما على القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، بحث الغزاويون في كل شبر عن ملجأ آمن يحتمون به من بطش جيش الاحتلال الإسرائيلي بالمدنيين خلال تصفية حسابات سياسية مع حركة حماس الفلسطينية. هؤلاء المشردون وجدوا ضلاتهم داخل إحدى كنائس غزة، يقول محمود خلف، أحد سكان غزة أنه رفع الصلوات خمس مرات يوميا، على مقربة من أيقونة للمسيح في إحدى كنائس هذه المنطقة الفلسطينية، تجربة أقل ما يقال فيها إنها غير مألوفة، بحسب وكالة الأنباء "الفرنسية". لكن منذ بدأ الجيش الإسرائيلي بقصف حي الشعف الذي يسكنه شمال هذه المنطقة الصغيرة التي تبلغ مساحتها 360 كلم مربع، لم يعد متاحا له إلا اللجوء إلى كنيسة القديس بروفيريوس للروم الأرثوذكس في غزة القديمة. وقال هذا المسلم الفلسطيني الذي يبلغ السابعة والعشرين من عمره، "يفسحون لنا المجال للصلاة وقد أدى ذلك إلى تغيير نظرتي للمسيحيين، لم أكن أعرفهم معرفة حقيقية، لكنهم باتوا أشقائي"، مضيفًا "المحبة بين المسلمين والمسيحيين تكبر هنا". ويداعب محمود خلف بعصبية سبحته، لكنه يعرب في الوقت نفسه عن ارتياحه للجوء مع 500 مهجر آخرين، إلى هذه الكنيسة التي لم يكن أحد يتخيل أنها يمكن أن تتعرض للقصف. وقد بدأ يعتاد على الصلاة في مكان عبادة لدين آخر، وخلال شهر رمضان أيضا الذي ينتهي خلال يومين، يتجه محمود يوميا إلى القبلة، ويتلو آيات من القرآن ويسجد، كما لو أنه داخل مسجد. ويولي الكهنة وأبناء رعية القديس بروفيريوس ضيوفهم عناية خاصة، يقول محمود إن "المسيحيين لا يصومون لكنهم بالتأكيد يحرصون على ألا يأكلوا أمامنا خلال النهار، ولا يدخنون ولا يشربون عندما يكونون معنا". لكنه يعترف بأن من الصعوبة التمسك بمظاهر التقوى عندما تتساقط القذائف كالمطر، ويقتل 900 فلسطيني معظمهم من المدنيين ويشكل الأطفال عددا كبيرا منهم. وأضاف "في الأوقات العادية، أنا مسلم يمارس فروضه الدينية، لكني دخنت خلال نهار رمضان، ولا أصوم بسبب الخوف والتوتر الناجمين عن الحرب". وبعد انتهاء رمضان لن تحتفل تلك العائلات الحزينة ومعها عشرات الآلاف من المهجرين بالعيد، خاصة أنهم مازالوا يتعرضون للقصف. وقالت صابرين، التي تعمل منذ عشر سنوات خادمة في كنيسة القديس بروفيريوس، إن "المسيحيين والمسلمين سيحتفلون على الأرجح بالعيد معا هنا"، وأضافت "لكن هذه السنة، لن يكون العيد احتفاء بانتهاء الصوم بل سيكون عيد الشهداء". وعلى الرغم من أجواء التعايش والتسامح، تبقى الكنيسة التي تظللها مأذنة المسجد المجاور وسط ساحة القتال، وتبقى التوترات حادة، فوصول المساعدات يتسبب في اندلاع شجار بين النساء والأطفال الذين يهرعون للاستيلاء على الأكياس التي تحتوي على الخبز والماء، والتي يحاول متطوعون من الكنيسة توزيعها بطريقة منظمة قدر الإمكان. وأصيبت الثلاثاء الماضي المقبرة القريبة بالقذائف وتناثرت الشظايا على المباني، لكن القذائف لا تميز: فالمقبرة المسلمة المواجهة أصيبت أيضا بصاروخ إسرائيلي. ويبلغ عدد أفراد الطائفة المسيحية في غزة 1500 نسمة، معظمهم من الروم الأرثوذكس، من أصل 1.8 مليون مسلم، ولم يبق سوى 130 كاثوليكيًا. والتعايش ليس وديا على الدوام، فقد تعرضت الأقلية المسيحية لهجمات عدة نسبت إلى المتطرفين الإسلاميين وأدانتها حركة حماس التي تسيطر على غزة.