في مساء الخميس 12 مارس كان الجو ممطراً وغير مهيئاً للخروج، فدق جرس هاتف الطبيب عبدالله جلال زقزوق، البالغ من العمر 33 عاماً، أخصائي النساء والتوليد بمستشفى سيدي المركزي بمحافظة كفر الشيخ، الذي تخرج في كلية الطب عام 2012، شخصاً غريباً يُخبره أنه جرى اختياره ليكون ضمن الفريق الطبي الذي سيواجه فيروس كورونا المستجد، وأنه عليه التوجه في اليوم التالي لمستشفى 15مايو بالقاهرة المُخصص للعزل. أحد أبطال الجيش الأبيض:«هكمل حتى القضاء على كورونا رغم إعتراض أسرتي فواجبي أهم » لم يفهم الطبيب حينها لماذا وقع عليه الإختيار؟ لكنه دون تفكير أو تردد وافق وبدأ يُجهز حقيبته بمساعدة زوجته ندى عبدالحليم، التي أبدت اعتراضاً كبيراً على تركه لأطفاله والسفر في هذه المهمة، إلا أنها رضخت أمام إصرار زوجها الشاب. لحظات خوف وتردد عاشتها أسرة الطبيب وقت وداعه، بعد أقل من 12 ساعة من الاتصال التليفوني، بكاء من زوجته وأطفاله ال3 ووالديه، حاولوا جميعاً إثنائه عن قراره إلا أن واجبه الوطني وشعوره أنه سيقوم بعمل بطولي وإنساني كان دافعاً لتركه الأسرة، "كنت خايف بس حسيت أن ده الوقت اللي مينفعش فيه تردد، جه الوقت لرد الجميل للبلد والوقوف في الصفوف الأولى لمواجهة فيروس غير مرئي ممكن يوصل ليا ولعيلتي فكان قراري بالموافقة فوراً"، هكذا لخص الطبيب الشاب موقفه. يروى الطبيب تجربته مع العزل لمدة 30 يوماً، قائلاً: "من لحظة دخولي المستشفى وجدت استقبالاً حافلاً من مديره، كنت ضمن الفوج الثالث الذي وصل اليه، وتدربنا جميعاً على أعمال الرعاية الحرجة والوقاية الشخصية لضمان تقديم أفضل خدمة طبية للمرضى وفي نفس الوقت حماية أنفسنا من خطر اللعين، كنا نواجه الخوف والكورونا معا، بس كان عندنا أمل إننا هننتصر على الإثنين، وكانت فرحتنا بتكبر والأمل بيزيد لما تخرج حالات بعد تماثلها للشفاء، وكنا بنحزن حال وفاة أشخاص، عشنا لحظات الفرح والخوف والدموع مع المرضى، لكن الأهم إننا كنا بنطمنهم لأن العامل النفسي أهم بكتير في المرحلة دي، الطبيب بيتسلم مريض بيسيب أهله لمدة 14 يوما، فكان لازم نعوضهم ونحسسهم إننا زي أولادهم". يضيف زقزوق: "أنا اعتبرت نفسي في مهمة إنسانية وبطولية، بعد 4 أيام من وصولي بدأنا نستقبل حالات، ببدأ شغلي من 9 صباحاً، برتدي كل ملابس الوقاية، وبمر على الحالات وبتابع العلاج وبطمنهم، الناس عندها خلفية كبيرة عن الوباء، والحالات اللي موجودة ناس واعية وفاهمة، ودورنا نطمنهم أكتر وندعمهم نفسياً ونحاول نحتويهم، الدعم النفسي أخطر من مرض كورونا بالنسبة للحالات، والقلق بيتجدد مع استقبال حالات جديدة خاصة لكبار الشخصيات سواء في مصر أو خارجها، لكن ثقتنا في ربنا ويقينا أن عملنا بطولي وإنساني بيتغلب على خوفنا". وعن أكثر المواقف صعوبة التي تعرض لها، يقول زقزوق: "بنستقبل الحالات التي يزيد عمرها على 60 عاماً والتي تعاني من أمراض مزمنة، مع كل حالة بتدخل بكون قلقان، وأكتر موقف أثر فيا، سيدة كبيرة متقاعدة لما شوفت الخوف والقلق في عنيها، بدأت أخدمها بنفسي، لحد ما تغلبت على القلق، وشاب كان في سني تقريباً، استقبلته كان عنده كل الأعراض وكان مخالط لوفد إيطالي لأنه مرشد سياحي، وقتها حسيت أن الخطر قريب، لكن علينا التصدي ليه، بدأت أهديه وأطمنه، لحد ماتعافى وخرج وشوفت الفرح في عنيه لما طلب التقاط صور تذكارية مع الفريق، الأهم أننا كلنا كفريق بنشتغل بروح عالية، وأنا كملت 30 يوما رغم أن مفروض أشتغل 14 فقط، لكن واجبي حتم عليا الاستمرار وهكمل حتى القضاء على الفيروس". يوضح الطبيب كيفية التواصل يومياً مع أسرته لطمأنتهم، قائلاً: "بكلم والدي ووالدتي وزوجتي وأطفالي فيديو كول كل يوم، بشرح ليهم قد أيه قمنا بعمل بطولي، ولو كلنا قعدنا في بيوتنا مين هيشتغل، الموضوع تضحية وبطولة، بحاول أزرع الطمأنينة في أنفسهم، إننا بنخد كل الإجراءات الإحترازية والوقائية ونتيجة المسحة الأولى سلبية الحمدلله وأنا في انتظار الثانية، أنا بقوليلزوجتى أنا عملت كدة علشان دا واجبي وعلشان اللعين ميوصلش ليكي ولا لأولادي، وأنا فخور أني أحد أبطال خط الدفاع الأول في مواجهة الفيروس الوبائي". وأكمل: "شعرت بثقة أكتر وبقيمة رسالتي، لكن أكثر ما أحزنني هو وفاة صديقي الدكتور أحمد منصور، استشاري الباطنة، بنزيف في المخ، وأني مقدرتش أحضر جنازته، لكن هكمل مهمتي رغم اعتراض الأسرة لأن واجبي أهم".