أولاً، لأنهم قالوا إننا الإخوان المسلمون، ثم رآهم الشعب خونة للمسلمين،كرههم ليس كما يقولون لأنه يكره الدين بل لأنهم خدعوه باسم الدين. انجذب إلى ما يقولون، وقال إنهم ربانيون، ثم تأكد أنهم يقولون ما لا يفعلون. اعتقد أنهم إذا تحدثوا لا بد يصدقون، فتعجب لأنهم يكذبون كما يتنفسون. قال فرصتى معهم، فهم الإخوان المسلمون، إذن للعهد سوف يلتزمون، فإذا بهم دائما يغدرون، وإنهم للوعد لا بد يوفون، فرآهم دائما يخلفون، فاندهش كيف الإخوان المسلمون يخونون. كره المصريون الإخوان، فاحتفل بالتحرر من قبضتهم كما يحتفل المختطفون بعد إطلاق سراحهم بنسيم الحرية وعزف وغنى لحظتها أجمل أغنية. لكن يبقى السؤال: لماذا استشعر الشعب أن بقاءهم فى الحكم احتلال؟ لماذا رأى لون بشرتهم غير لونه وسمع لغتهم غير لغته واستشعر أملهم غير أمله وألمهم غير ألمه؟ بصراحة كره الشعب الإخوان لأنه لم يصدق مصريتهم، نعم لم يكرههم لأنه لم يجد الضياء حينما انقطعت الكهرباء، ولا لأنهم لم يوفروا له كافى الغذاء والدواء ولكن لأنهم خدعوه بغباء. نهم السلطة وجشع السطوة برر لهم كل ادعاء، قالوا له الإسلام هو الحل ونحن الإسلام، فمعنا ستعيش العدل لا الذل، وعدوه بشروق لا نظير له فى غضون 100 يوم وانتظرهم 1000يوم ورأى بلاده من غروب إلى غروب ووجوه الأهل والأحباب فى شحوب. وأدرك أنهم لا يدركون وأنهم لا يحملون الخير لمصر كما يدعون وتعلم من فشلهم مواصفات القيادة ومؤهلات السياسة، فتأكد أنهم خدعوه فقدموا له قائداً لا يصلح لأى قيادة ولا يفهم بديهيات السياسة، بل والكياسة واغتاظ حينما شعر بأنهم يستهينون بمصر لأنها خارج قلوبهم فلما قدموا لها حاكماً لم يدركوا ولم يدرك أن هذه الأنهار تجرى من تحته، لم يفقهوا ولم يفقه أن مستقبل هذا الشعب العظيم ينبغى أن يكون من نحته. لم يعرفوا أن وجه القائد نافذة يطل الشعب منها كل ثانية على حلمه ويعبر من خلالها كل حين من يأسه إلى أمله. لم يقتنصوا فرصة العمر بأن يعيدوه إلى نفسه. أكثروا من نقد الرجل على نحو غير مسبوق، لأنهم رأوه سارقاً لأحق حق من الحقوق. رأوه مغتصباً لحكم مصر العظيمة ورأوه يضع ذلك الحكم فى خزانة الجماعة كالوديعة، فاستكبروا أن تختزل مصر بهذه الطريقة الوضيعة. وأمعن فى إهانته حينما قدم لأرفع المناصب موضع ثقته من الأهل والعشيرة، متناسياً متجاهلاً أصحاب الكفاءات والخبرات الرفيعة، فقال بل دعوت بعضهم، فلم يقبل، نعم أتدرى لماذا؟ لأنه يأبى أن يكون ضمن هذه المجموعة الغريبة يدار عبر نظرية السمع والطاعة المميتة وتيقن أن القرارسوف يأتى فقط بعد اجتماع الهيئة القديمة البليدة المقيتة. نظر الشعب إلى نفسه، فوجد أنه يتمزق بين فريقين وأنه إن طال الوقت فربما يصير شعبين. فقرر أن يطالع صورته فى مرآة المكان وأن يطبع هذه الصورة فى سجل الزمان، فخرج إلى الشوارع إلى الميادين إلى الطرقات يصرخ بالأغانى والهتافات: تحيا مصر شعباً واحداً موحداً وليست جماعة من الجماعات ونبذ الجميع العضو الغريب من الجسد بعد أن ظن أنه تورم واحتشد. تأكد فى النهاية أن حكمه لا بد أن ينتهى وأن عهده القصير ينبغى على نحو عاجل أن ينقضى. ترك الشعب له الفرصة تلو الفرصة، لكى يقدر خطورة اللحظة الخطرة لكنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، بل وعد وأنذر بأن مصر كلها ستصلى سقر، إن هى لم تبقَ فى عهدته طوال العمر. وللجهل أخذ يردد أن تلك هى الشرعية، زاعماً أنها لب القضية، وغض بصره بغير شرع عن الملايين الذكية وأعمى بصيرته عن الوجوه الأبية. صدقونى لا أكتب هذا اليوم شامتاً أو شاتماً، حاشى لله من هذه المشاعر الصغيرة وهذه القيم الرخيصة، وإنما كتبت آملاً أن يفهم الإخوان أن المصريين لم يكرهوهم، لأنهم يكرهون الدين، فهذا الزعم والله ضلال مبين، بل إننى على يقين أن المصريين ثاروا على الإخوان دفاعاً عن الدين.