وزير الزراعة يهنئ الرئيس السيسي والقوات المسلحة والشعب المصري بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    12 سنة دعوة، حصاد برامج الأوقاف بسيناء منذ 2014 لنشر الفكر الوسطي وبناء الوعي    وزير الصحة: الاستثمار في التعليم يصنع مستقبل الرعاية الصحية    السفير علاء يوسف يلتقى وفدا من اتحاد المصريين فى الخارج    تعرف على اختصاصات «القومي للصحة النفسية» في قانون رعاية المرضى    محافظ أسيوط يتفقد مشروع السوق الحضري بالكوم الأحمر    وزير الري ومحافظ أسوان يتفقدان محطة ري (1) بمشروع وادي النقرة لدعم صغار المزارعين (صور)    «الطاقة الدولية»: صراع الشرق الأوسط يكبدنا 120 مليار متر مكعب من الغاز المسال    وزير الصناعة يبحث مع وفد شركة إيچيبت آمون للأمونيا الخضراء مشروعًا جديداً    ضغطة زر.. كيفية الحصول على تصريح عملك إلكترونيا خلال نصف ساعة    مدير «المتوسط للدراسات»: هدنة لبنان «غامضة» وتحركات واشنطن العسكرية تشير لاحتمال التصعيد    إعلام إسرائيلي: تقديرات متزايدة بتراجع احتمالات التوصل إلى اتفاق بين إيران وأمريكا    السيسي يصل قبرص للمشاركة في قمة نيقوسيا بين قادة عرب وأوروبيين    زلزال على بعد 407 كم شمال مطروح بقوة 5 ريختر    المادة 42.7 فى قمة قبرص.. أوروبا بين حلم الدفاع المشترك وواقع الانقسام    بعد تطبيق التوقيت الصيفي، مواعيد مباريات الدوري المصري    فحوصات طبية ل أسامة جلال لحسم موقفه من مباراة الأهلي    زوجها المتهم.. كشف ملابسات العثور على جثة سيدة بها طعنات في قنا    غلق جزئي بكوبري أكتوبر، تعرف على المواعيد والتحويلات    إصابة شخصين في انهيار جزئي بعقار بمنطقة العطارين بالإسكندرية    تحرير 935 مخالفة عدم التزام بمواعيد الغلق وضبط 13 طن دقيق مهرب    الأمن يكشف تفاصيل فيديو بيع مواد بترولية بالسوق السوداء بقنا    محافظ الإسكندرية: الاحتفال بيوم التأسيس مناسبة تاريخية    فيلم سعودي يحصد جائزة أفضل فيلم بمهرجان أسوان لأفلام المرأة    دار الكتب والوثائق وكلية دار العلوم تحتفيان باليوم العالمي للكتاب عبر استعراض درر التراث المخطوط (صور)    الليلة.. انطلاق الدورة ال 74 من مهرجان المركز الكاثوليكي للسينما    الداء والدواء وسر الشفاء    ربط الوحدات الصحية بشبكة إلكترونية موحدة لتسجيل بيانات المرضى    إسبانيا: الأزمة الناتجة عن حرب الشرق الأوسط تكشف فشل القوة الغاشمة    غياب لاعب الزمالك أمام إنبي بسبب الإيقاف    الإسماعيلي في اختبار صعب أمام مودرن سبورت للهروب من دوامة الهبوط    ريال مدريد في اختبار صعب أمام بيتيس لمواصلة مطاردة برشلونة على صدارة الليجا    أمسية أدبية في ضمد السعودية تستعرض "هوامش التجربة ومتونها"    سلوت: تسجيل الأهداف أمر طبيعي لصلاح في ليفربول    حادث مروع في الفيوم.. سيارة عكس الاتجاه تصدم طفلًا وتصيبه بإصابات بالغة    برلمانية تؤكد أهمية إسناد تدريس مادة التربية الدينية إلى متخصصين مؤهلين علميًا وشرعيًا    بعد قليل.. بدء انتخابات التجديد النصفي لنقابة أطباء الأسنان بكافة المحافظات    وزيرة التضامن تتابع الموقف التنفيذي لمراكز التجميع والمواءمة لتوفير الأطراف الصناعية    طب الإسكندرية: تسخين الخبز أكثر من مرة قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمته الغذائية    الولايات المتحدة توافق على علاج جيني مبتكر للصمم الوراثي    فريق من إشراف الرعاية الصحية بالإسماعيلية يتابع توافر الأدوية بمستشفى القصاصين    أسعار اللحوم اليوم الجمعة 24 أبريل 2026 في محافظة المنيا    دونجا: أرفع القبعة لشيكو بانزا.. وتغييرات معتمد جمال كلمة السر في الفوز أمام بيراميدز    انخفاض العنب وارتفاع الكنتالوب، أسعار الفاكهة في المنيا اليوم الجمعة 24 أبريل 2026    العظمى بالفاهرة 31.. الأرصاد: استمرار ارتفاع درجات الحرارة اليوم الجمعة    مجموعة مصر.. الولايات المتحدة تضع شرطا لمشاركة إيران فى كأس العالم    اليوم، منتخب الناشئين يواجه الجزائر استعدادا لأمم أفريقيا    الذهب عند أدنى مستوى في أكثر من أسبوع مع تفاقم مخاوف التضخم بسبب الحرب    مبادرة عالمية توزع 100 مليون جرعة لقاح على الأطفال منذ 2023    دعاء يوم الجمعة لنفسي وأهلي وأحبتي في ساعة الاستجابة المباركة    المؤبد لنجار في قضية شروع بالقتل وسرقة بالإكراه    حقيقة الحالة الصحية ل هاني شاكر.. الجالية المصرية في فرنسا تكشف التفاصيل    راهن على مادورو..اعتقال جندى أمريكى من القوات الخاصة بعد ربح 400 ألف دولار    عمرو يوسف يحتفل بالعرض الخاص لمسلسله "الفرنساوى"    هاني شاكر بين القلق والأمل.. تضارب التصريحات يكشف حقيقة اللحظات الأصعب في رحلة العلاج    الأوقاف تختتم فعاليات المسابقة القرآنية الكبرى بمراكز إعداد محفظي القرآن الكريم    أحمد كريمة: المنتحر مسلم عاص وأمره إلى رحمة الله    النقاب ليس فرضًا| العلماء: ضوابط فى الأماكن العامة للتحقق من هوية مرتديه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصطفى بكرى يكتب:هل تسلم مصر «قذاف الدم» إلى ليبيا
نشر في الوطن يوم 24 - 03 - 2013

هل هى صفقة، أم هى عملية قرصنة استهدفت اختطافه وتسليمه ونقله على متن طائرة كانت ترابط فى مطار القاهرة.. إنه أحمد قذاف الدم الذى أثار جدلاً واسعاً، بعد القبض عليه يوم الثلاثاء الماضى فى عملية مباغتة جرت بعد منتصف الليل واستخدمت فيها لغة الرصاص لأكثر من 5 ساعات.
عندما جاء إلى القاهرة بعد اندلاع أحداث بنغازى فى 17 فبراير من 2011 لم يكن يظن قذاف الدم ولو للحظة واحدة أن الحال سينتهى به إلى السجن وأن الحكومة المصرية سوف تطيح بكل القوانين والأعراف، وترضخ للمطلب الليبى وتقبل ما رفضه مبارك والسادات من قبل.
كان رئيس الوزراء الليبى، على زيدان، قد زار القاهرة مؤخراً، زيارة خاطفة ولكن جرى خلالها الاتفاق سراً مع المعنيين بالأمر، بدأت المعلومات تتردد هناك، من قال إن الأمر لا يخرج على صفقة بيعت فيها كرامة الوطن بثلاثة مليارات من الدولارات، وهناك من قال إن الحكومة رضخت للتهديدات التى تجسدت فى التهديد بطرد العمالة والقبض على عدد من الأقباط، غير أن ما جرى ترك علامة استفهام دون إجابة شافية حتى الآن؟!
عملية ما بعد منتصف الليل، جاءت بعد سيل من المطالبات بدأت فى سبتمبر من عام 2011 ، وصلت مذكرة أولية من النائب العام الليبى إلى النائب العام المصرى، المستشار عبدالمجيد محمود، كان بإمكان السلطات المصرية أن تطلب منه مغادرة البلاد وأن ترد له بعضاً من مواقفه خاصة أن الأدلة لم تكن جادة والاتهامات كانت مرسلة، لقد تلقى عروضاً من فرنسا وروسيا، بل ومن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها إلا أن قرار النائب العام حسم الأمر ووضع مصير الرجل فى مهب الريح.
لم يصدق أحمد قذاف الدم أن الحكومة المصرية يمكن أن تضعه فى هذا الموقف، لقد ترك سوريا وجاء بناء على دعوة من أحمد أبوالغيط وزير الخارجية وموافقة المجلس العسكرى، كان بإمكانه أن يذهب إلى أية دولة أو يبقى فى سوريا، فهو ليس متورطاً فى مسلسل الدماء التى تدفقت على الأراضى الليبية ولم يكن محرضاً، بل كان ناصحاً أميناً منذ البداية وعندما لاح له فى الأفق أن الأمور سوف تتداعى، قرر أن يغادر البلاد ويبعث باستقالته على الهواء.
لم يكن هذا هو الخلاف الأول بين أحمد قذاف الدم ونظام القذافى، لقد اشتكى كثيراً من مواقف سيف الإسلام القذافى، الذى كان يشهر العداء فى وجهه، يحاصره، يغلق قناته «الساعة»، يصدر قراراً بإنهاء عمله كمنسق عام للعلاقات الليبية المصرية ويبقيه فى ليبيا لعدة شهور ممنوعاً من السفر، ممنوعاً من الكلام.
كان سيف الإسلام يغار من شعبية أحمد قذاف الدم داخل ليبيا وخارجها، كان يظن أنه الأكثر قبولاً لخلافة والده، معمر القذافى وكان لديه اعتقاد راسخ بأن مصر ستقف إلى جانبه ولِمَ لا وهو مصرى الهوى والدته مصرية وأخواله مصريون وينتمون إلى قبيلة أولاد على، وهى واحدة من القبائل الكبرى التى تمتد من الحدود الغربية إلى البحيرة والعديد من المناطق الأخرى.
كان أحمد قذاف الدم يتواصل مع القبائل التى لها امتدادات فى ليبيا وتحديداً فى الفيوم وبنى سويف والمنيا والبحيرة، وغيرها ناهيك عن مناطق الحدود، كان يقيم المؤتمرات والاحتفالات ويتواصل مع الناس وكان كل ذلك يثير غيرة كبيرة فى نفس سيف الإسلام الذى كان يعد نفسه لوراثة والده الذى فاتح الليبيين بذلك فى لقاء جماهيرى حاشد فى مدينة «سبها» جنوب ليبيا منذ عدة سنوات.
كان أحمد قذاف الدم كتوماً، رفض أن يصنع من نفسه بطلاً على حساب الآخرين، كان يحذرهم فى صمت ولكن القذافى فى السنوات الأخيرة كان قد أعطى إذنه لنجله سيف الإسلام ورفض أن يستمع للآخرين، فكانت المظاهرات التى أطاحت برجال الحكم والنظام.
فى وقت متأخر من بعد منتصف ليل الثلاثاء، كان هناك مسلحون ملثمون يهجمون على شقته الواقعة فى الدور الثامن فى شارع الجزيرة بالزمالك، فوجئ قذاف الدم بهذه الحشود، كانت لديه معلومات قبل ذلك بأن هناك خطة لاختطافه عبر كوماندوز ليبى بهدف تصفيته أو نقله إلى ليبيا، لم يتبين هوية القادمين ولذلك عندما اقتحموا باب منزله انهمر الرصاص من حراسه الذين أصروا على مرافقته والبقاء معه.
تحصن فى غرفة داخلية، رفض أن يستسلم إلا بعد أن جاء إليه النائب السابق علاء حسنين، والذى أقنعه بالاستسلام بعد أن تعرف على هوية المقتحمين وقال له إنهم من رجال الأمن المصرى، لم يعرف فى هذا الوقت لماذا صاحبهم عدد من الدبلوماسيين الليبيين؟!
كان أحمد قذاف الدم متماسكاً للغاية فى الثانية عشرة ظهراً، قرر أن يمضى معهم إلى مكتب النائب العام برفضه للاستسلام إلا بعد التعرف على هوية المقتحمين، أفسد خطة تسليمه مباشرة إلى الحكومة الليبية لاصطحابه على متن الطائرة المرابطة فى مطار القاهرة، لكنه ظل تحت الطلب انتظاراً لمذكرة التسليم.
عندما تم إيداعه فى سجن طرة، قرر أن يضرب عن الطعام وفى اليوم الثانى بعث برسالة إلى الرئيس مرسى وإلى الرأى العام تضمنت الرد على الاتهامين الموجهين إليه.
أما عن الاتهام الأول والمتعلق بالاستيلاء على 150 مليون دينار لإنشاء شركة زراعية فى مصر، فقد قال قذاف الدم إن هذه الشركة هى بالأساس ملك للاستثمار ات الليبية ولا علاقة لى بها وهذا موثق.
أما عن الاتهام الثانى، وهو تزوير جواز سفر باسم كودى فى شهر مايو 2011 فهذا افتراء واضح، كما قال فمنذ 20 فبراير 2011 وأنا مقيم فى القاهرة، فكيف لى أن أزور، علماً بأنهم ادعوا أن جواز السفر صادر من طرابلس وبأمر من السلطات الليبية فى ذلك الوقت.
وقال قذاف الدم فى رسالته إن الموضوع برمته كيدى ولغرض سياسى بحت، وقال أنا أتحدى حكومة طرابلس أن تقدم أى وثيقة إدانة أو تهمة.
وقال إننى أجد نفسى مضطراً أن أطمئن 850 ألف لاجئ ليبى استجاروا بمصر، بأن مصر لن تغدر بهم وأن ما حدث معى لا يعبر عنها، فهذا قدرنا وقدرها وأدعوهم لضبط النفس.
لم يهتم أحد من كبار المسئولين برسالة أحمد قذاف الدم، بل إن إجراءات تسليمه تجرى على قدم وساق بعد زيارة مدير المخابرات العامة الليبية ولقاءاته بالمسئولين المصريين.
جهات سيادية مهمة حذرت من خطورة تسليم أحمد قذاف الدم؛ لأن ذلك سينعكس بالسلب على صورة مصر لدى الرأى العام الخارجى، كما أن ذلك من شأنه إحداث قلاقل أمنية فى البلاد خاصة تجاه القبائل التى ينتمى إليها قذاف الدم بصلة قرابة وكذلك القبائل الأخرى ذات الأصول الليبية أو حتى بين أبناء الجالية الليبية التى يبلغ تعدادها فى مصر الآن نحو 850 ألف ليبى خرجوا من ليبيا فى أعقاب أحداث العنف التى شهدتها البلاد.
المشير يرفض
منذ شهر فبراير من العام الماضى وقذاف الدم يلح لدى الجهات المعنية طالباً السماح له بالسفر إلى خارج البلاد، قدم أكثر من مذكرة للنائب العام السابق، قدم فيها رداً على الاتهامات التى ساقتها مذكرة التوقيف الليبية إلا أن النيابة ظلت على موقفها فى إدراج اسمه وآخرين على قوائم الممنوعين من السفر.
فى هذا الوقت، أرسل أحمد قذاف الدم بطلب إلى المشير حسين طنطاوى، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، يطلب فيه منحه حق اللجوء السياسى استناداً إلى أن جميع الاتهامات الموجهة إليه كيدية وأن شروط اللجوء السياسى تنطبق عليه وأنه جاء إلى مصر بناء على دعوة من الحكومة المصرية بعد الثورة وقد التقيت بالمشير طنطاوى أكثر من مرة فى هذا الوقت وأبلغته بمطلب أحمد قذاف الدم والطلب المقدم، إلا أن المشير أبلغنى بأنه لا يستطيع منح قذاف الدم حق اللجوء السياسى حتى لا يثير ذلك مشكلة مع المجلس الانتقالى الليبى، وقال إنه باق فى مصر وليست هناك مشكلة.
حاولت كثيراً، لكن المشير طنطاوى ظل على موقفه وعندما أبلغت أحمد قذاف الدم ونصحته بالحصول على الجنسية المصرية كان يرى دوماً أن إجراءات منحه حق اللجوء السياسى أسرع كثيراً وأنه طالما رفض مطلب منحه حق اللجوء، فربما ستتم عرقلة حصوله على الجنسية المصرية كان أحمد قذاف الدم يرى أنه قد تعرض للخديعة، وأنه رفض عروضاً عديدة من دول متعددة، وجاء إلى مصر التى تخرج فى كليتها الحربية وقاتل كضابط فى حرب أكتوبر 73 وحصل على نجمة سيناء من الرئيس الأسبق أنور السادات تقديراً لدوره وبطولته فى الحرب.
كان قذاف الدم، كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل، يقف وراء الكثير من صفقات السلاح التى حصلت عليها مصر فى ذلك الوقت وأدار مليار دولار من ليبيا لشراء أسلحة لمصر وحتى القوارب المطاطية التى احتاجتها القوات المصرية فى ذلك الوقت، استطاع أن يحصل عليها من إيطاليا لصالح مصر وهى القوارب التى ساعدت قواتنا المسلحة على العبور فى حرب 1973.
كان أحمد قذاف الدم، يفخر دوماً بدوره فى حرب أكتوبر 1973، كان يقاتل مع الجنود المصريين على خط النار، لم يهب الموت ولم يقبل أن يكون بعيداً عن ساحة الحرب، كان يحتفل سنوياً مع رفاقه أبطال موقعة «كبريت» الذين صمدوا لأكثر من 114 يوماً تحت الحصار رافضين الاستسلام.
لم يتخلف قذاف الدم عاماً واحداً عن الاحتفال بهؤلاء الأبطال، كان يحوطهم بكل أنواع الرعاية وقام بتسفير العديد منهم لأداء مناسك الحج، كان يرعى أسر الشهداء وكان يعرف أخبارهم ويتابعها أولاً بأول.
لم يكن قذاف الدم بعيداً عن مشاكل المصريين فى ليبيا، كان يتابعها عن قرب ويسعى إلى حل أزماتها الطارئة وفى أكثر من مرة وقف ضد سيف الإسلام القذافى عندما سعى إلى إغلاق الحدود المصرية الليبية فى وجه العمالة المصرية واستطاع عبر جهوده الحثيثة أن ينهى هذه الأزمات الواحدة تلو الأخرى وحتى فى الفترات التى كانت تفرض فيها الفيزا على المصريين للدخول إلى ليبيا كان قذاف الدم ينجح فى كسر حدة هذه الشروط، كما استثنى أبناء مرسى مطروح من شرط الفيزا حتى اليوم الأخير.
كان هناك أكثر من 2 مليون مصرى يعملون على الأراضى الليبية وكان أحمد قذاف الدم معنياً بحل مشاكلهم العامة والخاصة، بل حتى عندما صدرت أحكام بإعدام عدد من المصريين بسبب ارتكابهم جرائم قتل ضد بعضهم البعض أو ضد ليبيين، كان قذاف الدم يقوم بنفسه ومن ماله الخاص بدفع «الدية» نيابة عن الكثير من العائلات المصرية التى تورط أبناؤها ليقيهم شر المشنقة، ويفرج عنهم ويعودوا إلى بيوتهم سالمين وكان أحمد دوماً يرفض الإعلان عن ذلك.
لقد كان أحمد قذاف الدم نفسه يقف وراء عودة العلاقات المصرية الليبية فى منتصف الثمانينات ومنذ هذا الوقت وهو يعمل على تنميتها كان ينتهز الفرص دائماً لدفع القذافى إلى الوقوف إلى جانب مصر ومساعدتها.
بعد أحداث الدويقة، حدثنى وطلب منى مرافقته فى زيارة إلى منطقة الدويقة، مضينا إلى هناك حيث تبرع باسم بلاده بمبلغ خمسة ملايين جنيه كدفعة من مبلغ مائة مليون جنيه، تقرر تسليمها لمصر للمساعدة فى تجاوز هذه الكارثة، بل إنه نجح فى إقناع معمر القذافى بشراء مساحة شاسعة من الأراضى بالقاهرة الجديدة لإقامة مدينة الفاتح عليها لصالح سكان هذه المناطق المنكوبة، إلا أن الظروف والأحداث التى تلت ذلك لم تمكن من إنجاز هذا المشروع فى هذا الوقت.
ومع تكرار أزمات حوادث القطارات فى مصر، نجح أحمد قذاف الدم فى الحصول على موافقة القذافى لتخصيص مبلغ 120 مليون دولار كمنحة من ليبيا إلى مصر لشراء جرارات قطارات وقام وزير النقل الأسبق، المهندس محمد منصور، بعقد الصفقة وقامت ليبيا بدفع ثمنها وتسلمتها مصر بعد ذلك.
وكانت كل هذه المواقف وغيرها مثار رفض واستهجان من سيف الإسلام القذافى، الذى كان يرفض تميز العلاقة المصرية - الليبية، وكان دائماً يحلو له القول بأن أحمد قذاف الدم هو رجل مصر فى ليبيا ولذلك نجح فى الآونة الأخيرة وقبل سقوط النظام بقليل فى عزل أحمد قذاف الدم من موقعه كمنسق عام للعلاقة المصرية - الليبية وألزمه بعدم السفر إلى مصر لعدة أشهر، بينما جاء هو إلى هنا ليقدم نفسه للمسئولين المصريين وليبلغهم أن قذاف الدم لم يعد مسئولاً عن ملف العلاقات الليبية- المصرية.
بعدها مباشرة استطاع سيف الإسلام أن يقنع والده بوقف بث قناة «الساعة» التى كان أحمد قذاف الدم قد اشتراها من وليد الحسينى رئيس مجلة «الكفاح العربى» اللبنانية، والذى كان له نسبة لا تقل عن 51٪ من أسهم القناة وبالفعل تم إخطار وزير الإعلام المصرى بوقف بث القناة دون إخطار أحمد قذاف الدم بهذا القرار ومنذ هذا الوقت توقف بث قناة «الساعة» دون أسباب تذكر وأجبر على بيع نصيبه إلى إدارة الإذاعة والتليفزيون الليبى، بعد أن أدرك أن سيف الإسلام لن يسمح له بأى وجود على الساحة المصرية.
فى هذا الوقت، كان أحمد قد أدرك أن سيف الإسلام قد أصبح قوة لا تقاوم فى ليبيا، حذر لكن معمر القذافى لم يكن مستعداً للاستماع سوى لصوت نجله سيف الذى تمدد وسيطر وهيمن وأصبح يمسك بمفاصل الدولة..
لم يكن أمام قذاف الدم من خيار سوى التزام الصمت، لقد اقتصر دوره فى هذا الوقت على توصيل رسائل خاصة من القذافى إلى بعض القادة والحكام العرب والأجانب.
بعد نجاح الثورة المصرية مباشرة، جاء أحمد قذاف الدم إلى القاهرة حاملاً رسالة من القذافى إلى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة استغرقت زيارته ساعات محدودة، التقيته فى هذا الوقت، كان خائفاً على مصر، وقال لى: «إن أخطر ما يخيفنى هو التنازع الذى قد يؤدى إلى الفرقة والفوضى».
سافر قذاف الدم، وما هى إلا أيام قليلة حتى اندلعت التظاهرات فى بنغازى فى 17 فبراير لم ينتظر طويلاً، قرر المغادرة وأعلن موقفه وأبرأ ساحته منذ بداية الأحداث وقال إنه غادر ليبيا احتجاجاً على أسلوب معالجة الأزمة داخلياً ودعا إلى وقف حمام الدم والاحتكام إلى صوت العقل.
وخلال العام المنصرم، وتحديداً مع بداياته، كانت هناك محادثات تجرى تحت إشراف جهة سيادية فى مصر خلال فترة إدارة المجلس العسكرى للفترة الانتقالية فى البلاد، وكان أحمد قذاف الدم هو الذى يقود هذه المفاوضات مع موفدين من المجلس الانتقالى الليبى الحاكم، خاصة بعد أن أطلق مبادرة دعا فيها إلى توحيد الصف ونسيان الماضى، والبدء فى بناء ليبيا الجديدة، إلا أن هناك قوى عرقلت إتمام هذه المصالحة.
وكان أحمد قذاف الدم قد رفض قبل ذلك عروضاً فرنسية وأمريكية خلال فترة الأحداث بأن يقود تياراً يلعب دوراً فى إدارة أمور البلاد حال سقوط القذافى، إلا أنه رفض هذه العروض فى هذا الوقت وعندما تكررت مرة أخرى بعد سقوط القذافى كان رده واضحاً ومحدداً، الشعب الليبى هو الذى يقرر مصيره بنفسه.
وعندما اتهمت وسائل إعلام ليبية وحربية أحمد قذاف الدم بأنه يرسل بالمرتزقة إلى ليبيا عبر الحدود المصرية، أصدر المجلس العسكرى بياناً نفى فيه هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، وأكد المجلس أن أحمد قذاف الدم سمح له بالوجود فى مصر بشرط عدم ممارسة أى عمل سياسى من شأنه الإضرار بمصالح مصر وعبر المجلس فى رسالة بتاريخ 25 أبريل عن حرصه على عدم التدخل فى الشئون الداخلية الليبية.
يومها أصدر أحمد قذاف الدم بياناً من ست نقاط، نفى فيه هذه الاتهامات وغيرها من الاتهامات التى اتهم فيها ببيع الاستثمارات الليبية فى مصر، وقد حدد، موقفه فى البيان على الوجه التالى:
أولاً: لقد سبق أن أصدرت بياناً بتاريخ 24 أبريل 2011 نفيت فيه بشكل واضح قبل سقوط طرابلس هذه الاتهامات.
ثانياً: إننى طوال عملى كنت ضابطاً فى القوات المسلحة ومنها إلى العمل فى العلاقات الدولية وبالتالى لم أكن مسئولاً فى أى من المراحل عن الاستثمارات الليبية لا فى مصر ولا غيرها وحتى عندما كنت منسقاً عاماً للعلاقات المصرية الليبية لم يكن لى أية صلاحية ببيع أو شراء والإخوة فى المجلس الانتقالى، والاستثمارات الليبية فى مصر وطرابس يعرفون ذلك جيداً.
ثالثاً: إننى أول من استقال من أركان النظام وغادر ليبيا إلى الخارج وبالتالى حتى إن كانت لى صلاحية، فقد سقطت بخروجى من ليبيا ولم أعين من جديد حتى أبيع!!
رابعاً: أعرف الآن أن كل الاستثمارات الليبية فى مصر آلت إلى الدولة الليبية ولم تمس وقد أشار إلى ذلك السيد مصطفى عبدالجليل فى حديث للأهرام بتاريخ الأحد 30 أكتوبر 2011.
خامساً: إننى أستغرب من هذا الإصرار على نهش لحمى من قبل بعض الأشخاص وأستغرب أكثر من سكوت المسئولين فى المجلس الانتقالى على قول الحقيقة أو الدفاع عنها ونحن نتحدث عن دولة جديدة.
وقال: لقد كنت أتوقع بعد سقوط طرابلس اعتذاراً عن كل الاتهامات التى سيقت فى حقى دون سند.
سادساً: إننى أحتفظ بحقى اعتباراً من 24/12/2011 يوم الاستقلال، الذى كان والدى أحد صانعيه بمقاضاة كل من يزايد من خلال أى من المحطات أو الصحف ضدى ويسعى للنيل منى ومن سمعتى.
هكذا كان رد أحمد قذاف الدم على الاتهامات الموجهة إليه فى هذا الوقت، إلا أن تجدد الاتهامات والزيارة التى قام بها محمد المقريف، رئيس المؤتمر الوطنى الليبى إلى مصر، ولقاءه بالرئيس مرسى حسم الأمر باتجاه تسليم المطلوبين حال اكتمال مذكرات التوقيف المرفق بها جميع الاتهامات.
وخلال الأيام القليلة الماضية، ترددت معلومات عن صفقة خفية جرى الاتفاق عليها خلال زيارة المهندس خيرت الشاطر إلى ليبيا خلال الأسابيع الماضية، يجرى بمقتضاها منح مصر مبلغ 3 مليارات دولار ووقف الإجراءات المتخذة ضد العمالة المصرية فى ليبيا، ومبادلة بعض السجناء المصريين مقابل تسليم أحمد قذاف الدم و88 آخرين تعتبرهم الحكومة الليبية من فلول النظام السابق.
وبالرغم من نفى مصادر مقربة لهذه الصفقة إلا أن المعلومات الواردة من جهات متعددة تشير إلى صحة ما يتردد.
هل يجرى التسليم؟!
يبدو أن الزيارة التى قام بها مدير المخابرات الليبية إلى مصر ولقاءه بكبار المسئولين لا تزال تصطدم ببعض العقبات، المسئول الليبى جاء بهدف اصطحاب أحمد قذاف الدم على متن طائرة خاصة إلا أن جهات التحقيق المصرية لا تزال ترى أن الأدلة المقدمة غير كافية.
وبالرغم من أن اللواء أحمد حلمى، مساعد وزير الداخلية لقطاع الأمن، أكد أن فريقا من الإنتربول الدولى بليبيا سيسلم المتهمين الليبيين المقبوض عليهم وفقاً لاتفاقيات دولية وأن إجراءات الضبط تمت بعد إخطار جميع الجهات القضائية التى وافقت على عملية الضبط إلا أن مسئولاً قضائياً رفيع المستوى، صرح لوسائل الإعلام والصحافة بأن الأدلة التى قدمتها ليبيا لمصر غير كافية لاتخاذ قرار بتسليمه إلى السلطات الليبية.
وقال المستشار كامل جرجس، المحامى العام، رئيس مكتب التعاون الدولى للنيابة العامة إن أدلة إدانة أحمد قذاف الدم بالاتهامات التى وجهتها السلطة الليبية إليه غير كافية لاتخاذ القرار بتسليمه مشيراً إلى أن مصر طالبت السلطات الليبية بتقديم الاستيفاءات القانونية اللازمة لقبول تسليم قذاف الدم.
وقال إن هناك نصوصاً متفقاً عليها تتعلق باتفاقية التسليم بين الجانبين المصرى والليبى ما زالت تحتاج للاستيفاء فضلاً عن الضمانات المتعلقة بالقضاء العادى ومراعاة حقوق الإنسان والمحاكمات، مشيراً إلى أنهم ينتظرون استكمال تلك الشروط وفى الوقت نفسه، من حق الجانب الليبى طلب تجديد المدة لتجهيز تلك الاستيفاءات وبناء على ما يرد سيتم تحديد الموقف من قبول أو رفض التسليم.
وهكذا فإن السؤال الذى يطرح نفسه فى جميع الأوساط: هل يمكن لمصر أن تضحى بسمعتها وأن تقدم قذاف الدم قرباناً نظير الصفقة التى يتحدث عنها الجميع؟!
حتى الآن لا يستطيع أحد أن يحسم الأمر والتهمة المحبوس بها قذاف الدم هى الاعتداء على رجال الشرطة والعثور فى شقته على أسلحة دون ترخيص ولذلك أصدر النائب العام قراراً بحبسه ثلاثين يوماً على ذمة التحقيقات، غير أن قضية التسليم لا تزال تراوح مكانها.
الحكومة الليبية سوف تمارس المزيد من الضغوط، إلا أن الأدلة المقدمة حتى الآن تبدو ضعيفة للغاية ولا تحمل جرائم محددة يمكن الارتكان إليها فى قرار التسليم والذى هو سلطة تقديرية للبلد المضيف قبل أى شىء آخر.
هناك اتهامات مثلاً وجهت إلى الفريق أحمد شفيق، رئيس الوزراء المصرى الأسبق، إلا أن دولة الإمارات تعتبر هذه الاتهامات من باب تصفية الحسابات ومحاولة الانتقام من منافس الرئيس مرسى ولذلك رفضت تسليمه إلى الإنتربول رغم جميع الضغوط التى تمارسها مصر ضد دولة الإمارات.
أما قضية حسين سالم، فهى عنوان آخر، فقد رفضت المحكمة العليا الإسبانية تسليمه رغم صدور أحكام قضائية ضده لأن المحكمة لا تطمئن ولا تضمن وجود محاكمة عادلة له فى مصر فى ضوء مجريات الأحداث التى تشهدها البلاد.
بعد كل ذلك، هل تراجع الحكومة المصرية نفسها وتدرك أن خطوة تسليم أحمد قذاف الدم وآخرين يمكن أن تقود إلى أزمة جديدة تضاف إلى سلسلة الأزمات التى تعيشها البلاد، أم أنها ستمضى فى طريقها غير عابئة بسمعة الوطن، فتسلم قذاف الدم الذى قد يقتل، وتبقى دماؤه تطاردنا أبد الدهر؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.