فى صباح الخميس، 6 مارس الماضى، تجمع الالاف من معجبى "ماركيز" أمام منزله الواقع فى الجنوب من "مكسيكو سيتي" حاملين الورود ونظرات الاعجاب فى احتفالهم بعيد ميلاد أديب كولومبيا ال87 الذى أخرج " ثقافة الكاريبى" من عزلتها، وبرغم من أصابته بالزهايمر منذ عامين وهو ما صرح به شقيقه "خايمي جارسيا" فى ديسمبر 2012 ، وبرغم من أنفلات ذاكرته منه بعض الوقت ليواجه ما تبقى له من عمر ، الا ان أعماله الأدبية لم تتركه بعد ان شكلت وجدان شعوب العالم، فخرج الى محبيه مستقبلا اياهم بابتسامة تؤكد لهم - ان العمر لن ينتهى بعد- ، وان المائة عام من العزلة التى قاومها طيلة حياته كصحفى وكروائى وصاحب موقف مازال يتبقى منها 13 عاما لتكتمل . - رسالة وداع للإنسانية بعد ان أحتفل بعيد ميلاده لدقائق وعاد الى بيته جلس ماركيز على مكتبه ومسك بورقة وطلب أمنية من الله ان يوهبه لو قطعة أخرى من الحياة ليفكر فى كل ما ينطق به قبل ان يقوله ، وكتب رسالة وداع للانسانية قبل ان يلحق بمتاهته وعزلته التى لم يستطع ان يهرب بقدره منها فقال : " لو شاء الله أن ينسى أنني دمية، وأن يهبني شيئاً من حياة أخرى، فإنني سوف أستثمرها بكل قواي. ربما لن أقول كل ما أفكر به، لكنني حتماً سأفكر في كل ما سأقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور. سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام. لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، فسأرتدي ملابس بسيطة وأستلقي على الأرض، ليس فقط عاري الجسد وإنما عاري الروح أيضاً. سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق. للطفل سوف أعطي الأجنحة، لكنني سأدعه يتعلّم التحليق وحده. وللكهول سأعلّمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة بل بفعل النسيان. لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر... تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه. تعلّمت أن المولود الجديد حين يشد على إصبع أبيه للمرّة الأولى فذلك يعني أنه أمسك بها إلى الأبد. تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف. تعلمت منكم أشياء كثيرة! لكن، قلة منها ستفيدني، لأنها عندما ستوضب في حقيبتي أكون أودع الحياة. قل دائماً ما تشعر به، وافعل ما تفكّر فيه. لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعيّ ولتضرعت إلى الله أن يجعلني حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها ، لقلت " أحبك" ولتجاهلت، بخجل، أنك تعرفين ذلك. هناك دوماً يوم الغد، والحياة تمنحنا الفرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، وأنني لن أنساك أبداً. لأن الغد ليس مضموناً لا للشاب ولا للمسن. ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم . فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولا بد أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه الوقت من أجل ابتسامة، أو عناق، أو قبلة، أو أنك كنت مشغولاً كي ترسل لهم أمنية أخيرة. حافظ بقربك على مَنْ تحب، إهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتني بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها. لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها. وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك". الزمان 6 أبريل.. المكان "مستشفى بمكسيكو سيتى" يرقد "ماركيز" على سرير داخل مستشفى "بمكسيكو سيتى" يصارع المرض الذى حاول ان يأتى على ذكرياته ومكتبته واوراقه ووجوه الاصدقاء والبشر ممن قابلهم فى رحلته الطويلة .. وعلى مكتبه تسكن ورقة وقلم – رسالة الوداع - فى عزلة لم تجف بعد كلماته فتتناقلها وسائل الاعلام لتطبع فى عقول وقلوب محبيه من كل الاجناس والالوان . - باقى من الزمن أحدى عشر يوماً فقط فى صباح اليوم السابع من أبريل بمستشفى "مكسيكو سيتى" طل ماركيز من شرفة غرفته ليتحدى مرض "الزهايمر" محاولا ان يستكمل روايته هو "المائة العام من العزلة" وليست ال 87 عام فقط، وظل يستجمع بقوة ذاكرته فى طلته لكل شجرة ووردة بحديقة المشفى استحضار وقائع حياته وأهداف طفولته وشبابه بكل ما اكتنفها من رؤى ومشاهد وتفاصيل من أجل بناء عالمه الروائي ، فمرت مشاهد من إمامه لطفولته بمدينة "سوكر" و مدرسته الداخلية في بارانكويلا، بجوار ميناء عند مصب نهر ماجدالينا، وقصائده الساخرة ورسوماته الهزلية.. فلم يبتسم لهذه المرحلة فى حياته لانها مرحلة كان فيها اشبه بالعجوز فى قراراته ومواقفه وانعازه عن ذويه ممن فى سنه . ومرت عليه دراسته بالثانوية وقصائده الأولى في المجلة المدرسية "الشباب" في المدرسة اليسوعية سان خوسيه، وأكماله دراسته في "بوغاتا" بفضل المنحة التي حصل عليها من الحكومة، وفترة استقراره من جديد في المدرسة الثانوية في بلدية " ثيباكيرا " وهنا ابتسم ماركيز وشعر ان العمر مازال يحمل الكثير وانها ليست النهاية. عاد ماركيز الى فراشه لعل النوم قد يمنحه أحلام من الزمن الجميل فى شبابه وأسفاره ولاقأته بمعجبيه فى حفلات التوقيع وفى الندوات والمحاضرات ولكن الحلم لم يمنحه أياه وكأنه تحالف مع مرضه، فدخل ماركيز فى متاهته الأخيرة. فى صباح يوم الثلاثاء 15 أبريل الجارى، طلب ماركيز ان يخرج من المستشفى وان يعود الى بيته ليلقى نظرة اخيرة على رسالته التى تركها على مكتبه، وخرج ماركيز وعاد الى رسالته ولكن لم يستطع من تدهور حالته الصحية ان يلقى نظرته الاخيرة على ورقته وقلمه وقرر ان يتركهما فى عزلة ليلقيان مصيرهما من بعده. أسيتقظ ماركيز صباح أمس الخميس 17 أبريل، ليلقى بنظرة الوداع من على فراشه الى مكتبته ورواياته فوقعت عيناه على " الأوراق الذابلة " 1955، "ليس للكولونيل من يكاتبه" 1961، "فى ساعة نحس" 1962، "جنازة الأم الكبيرة" 1962، "خريف البطريرك" 1975، "وقائع موت معلن" 1981،" الحب فى زمن الكوليرا" 1985، "الجنرال فى متاهته" 1989، "عن الحب وشياطين أخرى "1994،" ذكرى عاهراتى الحزينات" 2004"، التى نال عن مجملها "نوبل " فى الاداب عام 1982 ، ظل ينظر فى صمت وتمر الدقائق الاخيرة من عمر ماركيز حتى جائت اللحظة ولفظ انفاسه الاخيرة وعيناه تقعان على روايته " الجنرال فى متاهة " .