فى مشهد اعتادته كثير من عواصم الدول الإفريقية جنوب الصحراء، منذ مرحلة ما بعد الاستقلال؛ شهدت مدينة هرارى عاصمة زيمبابوى، فى يوم الأربعاء 15 نوفمبر من العام 2017، انتشارًا لأفراد ومدرعات الجيش الذى أحكم سيطرته على البلاد بعدما طوق المؤسسات والمواقع الحيوية فى العاصمة هرارى. فقد سيطر على مبنى البرلمان ومقر الحزب الحاكم. كما تم وضع الرئيس موجابى قيد الإقامة الجبرية برفقة أفراد أسرته. وقام الجيش أيضًا بالسيطرة على مبنى الإذاعة والتليفزيون وإذاعة البيان الأول واعتقال بعض الوزراء وكبار المسئولين. وقد جاءت تلك الخطوة على إثر التوتر الذى نشب بين كل من الرئيس روبارت موجابى وقائد أركان الجيش الزيمبابوى كونستانتينو تشيوينجا، بعد أن انتقد الأخير إقالة موجابى لنائبه إيميرسون منانجاجوا، فيما عُد تمهيدًا لخلافة موجابى من قبل زوجته جريس موجابى، لاسيما وأن تلك الأخيرة لم تخف رغبتها فى خلافة زوجها. فقد كانت واضحة فى إعلان رغبتها تلك، عندما خاطبته خلال اجتماع حاشد أمام الجمهور قائلة: «إذا أردت أن تعطينى المنصب فأعطنى إياه بحرية». وإلى جانب التحرك الذى قام به الجيش الزيمبابوى احتشد العديد من المتظاهرين المطالبين برحيل موجابى، فضلًا عن إقالة الحزب الحاكم له ومطالبته إياه بمغادرة السلطة، الأمر الذى أفضى إلى استقالة موجابى أول رؤساء زيمبابوى منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1980، ليحل محله نائبه المقال. ولد منانجاجوا فى عام 1942، وهو أحد مناهضى الحكم العنصرى. وقد تقلد العديد من المناصب، من ذلك توليه وزارة الإسكان الريفى من 2005 إلى 2009.، ووزارة الدفاع من 2009 إلى 2013، ووزارة العدل والشئون القانونية والبرلمانية من 2013 إلى 2017.. وفى 10 ديسمبر 2014 قام الرئيس موجابى بتعيينه نائبًا له حتى قام بإقالته مطلع الشهر الجارى وهو ما تسبب فى تدخل الجيش. وقد طرح مجيئ منانجاجوا إلى الحكم عدة تساؤلات حول المرحلة القادمة التى ستشهدها زيمبابوى، وعما إذا كانت آتية بجديد، ولكن ثمة عددًا من المؤشرات التى يمكن الاستناد إليها فى القول بأن لا تغيير كبير قادم، لعل أبرز تلك المؤشرات يتمثل فى الآتى: أولًا: أن التحرك الذى قام به الجيش أتى كرد فعل على إقالة موجابى لنائبه المقرب من قائد أركان الجيش، وتخوف الأخير من وصول زوجة موجابى إلى السلطة، وليس بفعل تردى الظروف الاقتصادية والاجتماعية فى البلاد، وهذا على عكس ما ذكره البيان الذى أعقب تدخل الجيش والذى ذكر أن هذا التدخل كان يستهدف الأفراد المقربين من موجابى الذين تسببوا فى معاناة الناس اجتماعيًا واقتصاديًا. ثانيًا: أن منانجاجوا يعد عضوًا رئيسيًا فى دائرة موجابى الحاكمة. فقد كان أحد الداعمين له منذ حصول زيمبابوى على استقلالها، وظل إلى جانبه قرابة 40 عامًا تابعًا له ومنفذًا لسياساته. غير أن أبرز الاختلافات بين الرجلين تتمثل فى موقف الغرب منهما، فعلى العكس من الأول يتمتع منانجاجوا بقبول لدى الغرب، فثمة برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة ترجع لعام 2000 تطرحه كبديل لرئاسة زيمبابوى. أخيرًا فإن الجيش الذى طالما مثل حجر الزاوية لنظام الرئيس موجابى هو الذى أتى بنائبه المقال ليحل محله، ما يعنى أن ما حدث ربما لا يمثل إلا تغيرًا فى الوجوه والأسماء، فموجابى وإن كان للمطالبات الشعبية مساهمة فى رحيله، فإن مجيئ منانجاجوا كلية يعزى إلى رضا عسكرى أكثر منه شعبى.