أكد الكاتب الإسرائيلي الشهير " باري روبين" أن حلم الإخوان للتربع علي عرش مصر هو حلم قديم خططوا له منذ وجودهم في الحياة العامة في العام 1928 مشيرا إلي أنهم كانوا قاب قوسين أوأدني من تحقيق أهدافهم عندما ساندوا الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في ثورة 1952 لكن ناصر قرر إزاحتهم لصالح القومية العربية. وأوضح "روبين" في كتابه "الأصولية في مصر" والذي نشرت طبعته الأولي في التسعينيات ثم أعيد نشره عدة مرات في الألفية الجديدة ، وأخيرا أعاد الكاتب نشره مرة أخري علي موقع مركز "جلوريا لدراسات الشرق الأوسط"، أن هناك صعوبات عدة أجبرت الجماعة علي تغيير سياستها لتحقيق هذا الهدف خصوصا بعد موجة الاعتقالات التي شهدتها في عهد "ناصر" لتصبح سياسة التقرب من النظام مدخلا أساسيا لتحقيق أغراضها. وأشار الكتاب إلي أن أكثر فترات الجماعة ازدهارا تلك التي أيدت فيها النظام الحاكم منذ عهد عبد الناصر مرورا بالسادات وحتي مبارك، وما إن جاءت ثورة 25 يناير حتي استغلت الجماعة الفرصة وانقضت علي الحكم لتبدأ عهدا جديدا في تاريخها. ولفت "روبين" إلي أنه بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وبعد مقتل السادات في عام 1981، انتبه الباحثون السياسيون إلي الحركات الإسلامية الأصولية في الشرق الأوسط، مشددين علي أهمية هذه الحركات والجماعات، لاسيما أنهم لمسوا صعودا واضحا لها يشير إلي إمكانية وجود مستقبل باهر لهم في الحصول علي السلطة. وحاول "روبين" التركيز علي هذه الحركات الأصولية في مصر باعتبارها أهم دولة في العالم العربي، موضحا أن مصر كان لديها العديد من المشكلات في فترة الثمانينات مع هذه الحركات، والتي نبعت من تعزيز الدولة للجماعات الإسلامية الراديكالية، وعلي رأسها جماعة الإخوان المسلمين الأمر الذي جعل منهم السبب الرئيسي في تهديد الحكم العسكري الثوري في مصر، كما يري "روبين" أن صعود الإسلاميين في هذه الفترة كان سببا في تأهيل الجماعة لتحتل مركز الصدارة في السياسة المصرية في الوقت الحالي رغم عملها تحت الأرض لفترات طويلة. ويري "روبين" أيضا، أن الأسباب التي منعت الجماعات الإسلامية من الوصول للحكم في مصر هي أنها كانت قادرة علي إثارة الفوضي في المناطق الحضارية ولكن لم تكن قادرة علي الإطاحة بالحكومة، كما أن الانقسامات العميقة بين الجماعات الإسلامية وبعضها والمبني علي الاختلاف في بعض المذاهب والمبادئ وهو الأمر الذي قد لا يهم غالبية المصريين مما خلق قيودا علي هدف الوصول للسلطة مع وجود نهج متضاربة حول تفسير الوطنية وكيفية اكتساب قوة سياسية واستخدامها بعد ذلك، وهو الأمر الذي فشلت الجماعات في التغلب عليه في ظل وجود القيادات المتحكمة للحركات الأصولية المختلفة في مصر. ورصد "روبين" أربع قوي رئيسية إسلامية في مصر أولها الإخوان المسلمين، والتي استمدت قوتها بسبب التزامها بالاستراتيجية الإصلاحية بسبب ما تعرضت له من أساليب قمع شديد في ماضيها، واستطاعت بعد ذلك أن تطرح نفسها كقوة مسئولة ومعتدلة بهدف توسيع قاعدتها الشعبية والحصول علي وضع قانوني تماما توافق عليه الدولة. أما الحركة الثانية فهي الجماعة الإسلامية، وهي جماعات سعت لثورة عنيفة لكن كان هناك دائما انقسام داخلي بين هذه الجماعة، بجانب الاضطهاد الحكومي طوال تاريخها. أما المجموعة الثالثة فهي "الجمعية " وهي تلك التي نشأت داخل الحرم الجامعي وتتميز بقيادات ذات كاريزما عالية إلا أن هناك تفاوتا كبيرا بين قياداتها حول وجهات النظر الأيديولوجية والعمل في العلن تفاديا للمواجهات مع السلطة. ويقول "روبين" في كتابه، إن هذه الجماعة كانت تميل إلي تكفير المجتمع حيث تري أن جزءا كبيرا من الممارسات المجتمعية معادية للإسلام، وكان من الصعب علي المصريين المعروفين بوسطيتهم استيعاب هذا الفكر بل كانوا يرون أنه انحراف عن الدين الإسلامي. أما المجموعة الرابعة فهم رجال الدين العاديون ويري "روبين" أن هؤلاء غالبا ما كانوا موالين للحكومة، وكان ذلك لعدة عوامل أهمها نفورهم من الأفكار المتطرفة التي اعتنقتها الجماعات الأصولية، كما أن الحكومة كانت تسيطر علي وظائف ورواتب هؤلاء. أما عن تدخل الإسلاميين الأصوليين في الشئون السياسية فيقول "روبين"، إن العوامل الخارجية أثرت في هذا الأمر كثيرا، حيث كان الأصوليون مشبوهين جدا لدي الولاياتالمتحدة والاتحاد السوفيتي وإسرائيل، في حين كانت تري هذه القوي الخارجية أن القوي غير الإسلامية في مصر هي الأقرب فكريا لهم وهي التي يمكنها تشجيع تأسيس مصر تقليدية حيث لا يتدخل الدين في السياسة. وعلي الرغم من مشاعر الأصوليين المتحمسة للسياسة الخارجية وقضاياها، إلا أن تركيزها كان أكثر علي الشأن الداخلي، حتي الشكوي المستمرة من الولاياتالمتحدة كانت تتم في الداخل، لاسيما تلك المتعلقة بخضوع الحكومة لواشنطن ومنح الأمريكان امتيازا في التعامل علي حساب المصريين، وأرجع "روبين" السبب في ذلك إلي أن الإسلاميين كانوا يرون أن التركيز علي الشأن الخارجي سوف يعطل جدول أعمالهم في الداخل ، خاصة فيما يتعلق بالشأن الإيراني حيث لم يجد "الخوميني" وثورته تعاطفا كبيرا بين الإسلاميين المصريين بل علي العكس كان هناك اعتقاد بأن الثورة الإيرانية هي عائق للقضية الأصولية المصرية. وكانت أهم قضايا الأصوليين في مصر تطبيق الشريعة، وقد حاول الإخوان المسلمون تدارك هذا الأمر عن طريق البرلمان، في حين أن أصحاب الفكر الثوري من الإسلاميين كانوا علي يقين أن السلطات ليس لديها رغبة في تطبيق الشريعة. ويشير "روبين" إلي أن الإخوان المسلمين رفضوا دائما سياسة العنف التي انتهجتها الجماعات الإسلامية، موضحا أن الأمر لم يكن أكثر من ضبط نفس خوفا من التعرض للقمع، وهو الأمر الذي رفضه أصحاب الفكر الثوري الذين اعتقدوا أن العنف فقط هو الذي يمكنه إحداث التغيير في مصر. وأكد "روبين" أن حوالي 90% من المصريين رفضوا دائما وجود أي دور قوي للإسلام في إدارة الدولة، ومن بينهم المسيحيون والماركسيون والعلمانيون والليبراليون، وعدد كبير من المصريين الذين رفضوا قول آرائهم بصوت عال احتراما للإسلام السياسي من ناحية واعتقادا منهم بأن انتقاد هؤلاء ليس مربحا علي المستوي السياسي، والبعض الآخر كان يري أن الثورة الإسلامية ستفرض مجموعة من القيم والسلوك التي ستجعل مجموعة محدودة فقط من القيادات هي التي تتحكم في المجتمع. وتابع الكاتب: الاعتماد المستمر للأصوليين علي الأيديولوجية الإسلامية، واعتماد القيم الإسلامية في تفسير دور المرأة وبنية الأسرة والمجتمع وتحقيق العدالة، إضافة إلي أن الإسلام هو الأساس الذي يعيش عليه معظم المصريين، دفعت العديد من المصريين والعرب إلي الاتجاه نحو الأصولية الإسلامية لاسيما بعد هزيمة 1967 التي أثبتت فشل النظام المعادي للجماعات الأصولية. ونقل "روبين" عن سعد الدين إبراهيم مدير مركز ابن خلدون، أن هناك ستة أسباب أدت إلي زيادة وجود الأصولية في المجتمع المصري أولها كان المسألة الاجتماعية حيث كان هناك جدل دائم حول ما إذا كان النظام الحاكم يحقق العدالة الاجتماعية أم لا، بالإضافة إلي المسألة السياسية وتحديد قدر المشاركة الشعبية في السياسة، وأيضا المسألة الاقتصادية، وكيفية استخدام الموارد بحكمة لتعزيز التنمية، وعلي الرغم من أن الأنظمة الحاكمة في مصر كانت تدعم القومية إلا أنها لم تنجح في الهروب من التدخل الأجنبي وهو ما رفضته الجماعات الأصولية. ورغم كل هذه العوامل التي كانت تفتح المجال للأصوليين لتواجد أكبر إلا أن هناك أسبابا أيضا كانت تحد من انتشار أفكارهم، حيث إنه كان هناك تخوف دائم من النظريات المتطرفة للأصوليين لتطبيق أفكارهم السياسية. ومع كل العوامل التي ساعدت أو كانت ضد انتشار الأصوليين في مصر، أصبحت الأصولية عاملا مهما في مصر وعلي الرغم من قلتها إلا أن قوتها كانت واضحة، الأمر الذي خلق الذعر لدي السياسيين المصريين الذين توقعوا تحول مصر إلي إسلامية مع وجود مزاج شعبي عام يميل إلي ذلك. ويؤكد "روبين" أن قيادات الأصوليين بدأت تستغل الأوضاع في مصر، ورصد بعض المواقف في التاريخ، ومن بينها قول أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين صلاح أبو إسماعيل الذي ضرب علي وتر حساس وفقا لرأي "روبين" عندما قال إن مصر تعيش علي وعود منذ ثورة يوليو 1952 ، ولم تكسب سوي "الخيبة" وأن مصر لديها صعوبات اقتصادية وضعف عسكري واضطرابات اجتماعية، مرجعا السبب إلي غياب الشريعة. واستعرض "روبين" تاريخ الإخوان المسلمين منذ تأسيسها حيث رأي أنها كانت دائما أهم جماعة أصولية في مصر، مشيرا إلي أن الجماعة نمت سريعا منذ تأسيسها عام 1928 وأصبحت في الثلاثينات أكثر انتشارا وضمت آلاف الأعضاء، وأصبح لديها أيضا الكثير من مخابئ الأسلحة وقاعدة قوية في الشرطة والجيش، وفي 1948 لعبت الجماعة دورا هاما في الحرب من خلال تجميع الأموال وشراء الأسلحة وتشغيل معسكرات التدريب وإرسال مئات المتطوعين إلي فلسطين، وارتفع عدد الأعضاء بالإخوان المسلمين في هذه الفترة إلي نصف مليون عضو. وفي نهاية الأربعينيات زاد الخلاف بين الجماعة والحكومة بسبب انتهاج الجماعة للعنف، وتم حلها بموجب قانون الطوارئ، وردا علي ذلك تم اغتيال محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء في ذلك الوقت، وردت الحكومة أيضا باغتيال مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا في عام 1949. ونتيجة لذلك صدر عدد من الاعتقالات ضد الإخوان المسلمين وعلم الملك فاروق الأثر الكبير للإخوان في مصر وقرر تجنب النزاع فعين حكومة جديدة التي أصدرت العفو عن عدد من معتقلي الإخوان. ووفقا ل "روبين" استمد الإخوان قدرا من الشرعية الشعبية عندما ساندوا الحكومة في حملتها ضد الوجود البريطاني في منطقة قناة السويس، ثم ساندت الضباط الأحرار في ثورتهم عام 1952، مشيرا إلي أنه كان من المفترض أن يكون الإخوان في السلطة في هذه الفترة بعد ما وصلوا إليه من قوة، لكن جاء عبدالناصر الذي قام بنشر القومية العربية والاشتراكية بدلا من الأصولية التي كانت تدعو لها الجماعة، واستطاع "عبدالناصر" أن يهيمن علي الأوضاع، الأمر الذي أدي إلي كسوف شمس جماعة الإخوان المسلمين لمدة ربع قرن من الزمان. ووفقا ل "روبين" ناقش الإخوان كيفية التعامل مع النظام الجديد، سواء محاولة إقناع عبدالناصر بالتحول نحو الفكر الإسلامي أو محاولة الإطاحة به، وحاول حسن الهضيبي الذي خلف البنا في زعامة الجماعة أن يتعامل مع عبدالناصر ويقنعه للتحول إلي الفكر الإسلامي تدريجيا، لكن فصيل آخر بقيادة سيد قطب اتخذ موقفا أكثر صرامة حيث دعا للاستيلاء علي السلطة بالقوة، وهو ما أضعف الجماعة حيث لم تكن هناك قيادة موحدة أو زعيم واحد يحظي بالاحترام الكافي لتوحيد الجماعة، كما أن الجماعة في عهد عبدالناصر افتقرت إلي الانضباط الذي يؤهلها لصنع ثورة. واتهم ناصر جماعة الإخوان المسلمين بالتسلل إلي الجيش للاستيلاء علي العطاءات، لكنه لم يتحرك ضد الجماعة فورا، إلي أن وقع معاهدة مع بريطانيا لسحب قواتها من قناة السويس في مقابل احترام القاهرة للمصالح الاستراتيجية والتجارية لبريطانيا، وهي المعاهدة التي واجهت رفضا شعبيا يوافق الرفض الذي واجهته اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، وأرسل الهضيبي المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين رسالة مفتوحة في أغسطس عام 1954 مطالبا بإلغاء المعاهدة، وهو الأمر الذي رفضه عبدالناصر وأمر بالقبض عليه، وبعد ذلك بفترة وجيزة وقع حادث اعتبره "روبين" أنه كان فارقا في تاريخ الجماعة حيث كانت المحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الناصر في الإسكندرية، بعدها تم الحكم علي الهضيبي مدي الحياة وأعدم ستة من قيادات الجماعة وسجن الآلاف من غير محاكمة، ومنذ ذلك التوقيت تم اعتبار الجماعة محظورة، واختفت عن الساحة السياسية. وظل قيادات الجماعة في السجن لفترة طويلة، حتي قرر السادات إصدار أمر بالعفو العام عن القيادات المتبقية بالسجن من جماعة الإخوان المسلمين حتي يساعدوه علي مواجهة اليسار الماركسي، وعادوا مرة أخري إلي المناصب الحكومية التي كانوا يتولونها. وكانت الجماعة قد استوعبت الدرس من أحداث 1954 و 1965، وبدأت في الانتشار في قطاعات اجتماعية جديدة عليها مثل الأطباء والمهندسين وغيرها من الفئات المهنية، التي تميل إلي الاستفادة من الرأسمالية كبديل للاشتراكية في النظام الاقتصادي المصري ومع ذلك ظلت الجماعة منظمة غير قانونية لكنها عملت في العلن وشاركوا في وضع صياغة جديدة للدستور واستطاعت الجماعة تأسيس مجلة الدعوة، وعلي الرغم من أنها لم تحاول الهجوم علي السادات شخصيا أو تشويه سمعة الجيش، إلا أنها انتقدت بشدة فشل النظام في التعامل بفاعلية مع قضايا التعليم والنقل والإسكان، كما سلطت الضوء علي المزيد من المشكلات ومن بينها الأزمة التي أثيرت في عام 1977 بعدما تم إقرار خفض الدعم الحكومي عن المواد الغذائية، كل هذه الأمور جعلت الجماعة أكثر ثقة وتواجدا في الشارع المصري. وخلال هذه الفترة ركزت جماعة الإخوان المسلمين علي المنشورات والسياسة الانتخابية وأصبح بها عدد كبير من الإصلاحيين، في المقابل ركزت عدة طوائف صغيرة بالجامعات معتمدة علي أيديولوجية سيد قطب. ومع زيادة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تفاقمت في مصر بعد حرب أكتوبر وتوقيع اتفاقية السلام، زاد الصراع بين الإسلاميين والسادات، وجاءت الثورة الإسلامية الإيرانية لتثبت أن الأصوليين الإسلاميين قادرون علي أن يسقطوا نظاما قويا، وكان انتصار "الخوميني" في إيران موحيا لعدد كبير من الإسلاميين في مصر، ولكن علي الرغم من أن الثورة الإيرانية استمدت أفكارها من الأصوليين المصريين فإن الإخوان لم يروا في هذه الثورة النموذج الذي يريدون تحقيقه، وبدلا من انتهاج أفكار ثورية عنيفة قررت جماعة الإخوان الاستفادة من التعددية الحزبية التي أقرها السادات وتم انتخاب اثنين من المرشحين الإسلاميين ليدخلا البرلمان في عام 1979 وهما الشيخ صلاح ابو إسماعيل وحسن الجمل، وظل الإخوان ينتهزون هذه الفرصة من خلال التحالف مع الأحزاب المعارضة ، متجاهلين توجهاتهم العلمانية، حتي تم الاتفاق بين التلمساني وفؤاد سراج الدين زعيم حزب الوفد، واستطاع الإخوان بموجبه خوض الانتخابات علي قائمة الوفد في مقابل أصوات مؤيديهم، وعندما لمس السادات نمو القاعدة الشعبية لجماعة الإخوان المسلمين قرر في عام 1981 اعتقال مجموعة كبيرة منهم بينها التلمساني والشخصية الأكثر شهرة في الشارع المصري الشيخ عبدالحميد كشك، بجانب وضع قيود علي ممارسة الطلاب الجامعيين للسياسة. ويري "روبين" أن اغتيال السادات كان بداية لثورة إسلامية علي غرار ما حدث في إيران، ولكن حسني مبارك الذي واجه هذه الأزمة أصر علي أن عناصر الجيش المتورطة في الأمر صغيرة للغاية، واستطاع كبح جماح الإسلاميين، وكما كانت المحاولة الفاشلة لاغتيال عبد الناصر نقطة تحول في تاريخ الإخوان، كان أيضا اغتيال السادات نقطة فاصلة أدت إلي خفوت نجم الإخوان من جديد، وبدأ عهد مبارك ليبدأ معه فرص جديدة للجماعة التي أصبحت أكثر اعتدالا، واستطاع مبارك أن يروض المعارضة ويقنعهم بأن مصالحهم المشتركة تقتضي التصدي للإسلاميين، ومع ذلك لم تيأس جماعة الإخوان المسلمين وواصلت محاولتها الفاشلة للوصول إلي البرلمان، وحاولت العمل في كثير من المجالات الاجتماعية، وفي نفس الوقت ظلت الجماعات الإسلامية تعمل في الجامعات مع وجود بعض العمليات الإرهابية التي لم تهدد استقرار الدولة، لكن انتخابات 1987فجرت مفاجأة من العيار الثقيل، وكانت دليلا علي شعبية جماعة الإخوان حيث فازوا ب 60 مقعدا أي ما يعادل 17 % من مقاعد البرلمان. وأضاف "روبين" أن استراتيجية جماعة الإخوان في السبعينيات والثمانينيات تركزت في هيكلة وإعادة نفوذها، مشيرا إلي أن معظم الباحثين المصريين أقروا بأن الإخوان لم يكن لديهم العوامل القوية للاستيلاء علي السلطة أو تشكيل الحكومة، لكن التلمساني وغيره من قادة الإخوان كانوا يعرفون دورهم السياسي بأنه ك " الحارس " أو " ولي الأمر " لضمان أن الحكومة لم تبتعد كثيرا عن الإسلام وقوانينه، أو بمعني آخر تعرف الجماعة دورها بأنها مجموعة ضغط إسلامية. ويري "روبين" أن جماعة الإخوان لم تكن ثورية، ودائما رفضت العنف ورأت أن الجماعات التي انتهجت العنف ضد الحكومة هي جماعات خاطئة، بل وأكثر من ذلك كانت جماعة الإخوان تري أن القيود التي كانت مفروضة عليها كانت بسبب هذه الجماعات العنيفة. ونقل "روبين" عن عصام العريان قوله، إن هناك نوعين من المعارضة الإسلامية الأول يسعي للإطاحة بالحكومة والثاني وهو جماعة الإخوان وتسعي إلي إدخال إصلاحات وتغيير النظام بالوسائل القانونية. وحاول "روبين" تحليل موقف الإخوان من السياسة الخارجية المصرية وبالأخص العلاقات الأمريكية المصرية، حيث رأي أن الإخوان كثيرا ما أعلنوا تخوفهم من التدخل الأمريكي في الشأن المصري واستغلوا هذا الأمر لصالحهم عن طريق إثارة الرأي العام، حيث رأوا أن هذه الدعاية المضادة تقوض الولاء الشعبي للحكومة، ومع ذلك يري "روبين" أن المواقف الحقيقية للإخوان تجاه الولاياتالمتحدة كانت إيجابية، فالعداء في الحقيقة كان نظريا فقط، والدليل علي ذلك أنها لم تشتبك مع الحكومة بسبب المواقف أو السياسة الخارجية. ورصد "روبين" بعض المواقف التي تدل علي أن الإخوان لم يكنوا عداء للولايات المتحدة حقيقيا، فعلي سبيل المثال طلب الرئيس الأمريكي كارتر من التلمساني التوسط لدي طهران للإفراج عن عدد من الرهائن الأمريكيين المحجوزين هناك، كما أن التلمساني كان قد وصف الأمريكان بأنهم أهل الكتاب وهو ما رآه "روبين" أنه أحد التصريحات اللطيفة عن الأمريكيين، موضحا أن هذا المصطلح الذي يطلق علي اليهود والمسيحيين في الإسلام، لتوضيح أنهم أقرب إلي المسلمين من الوثنيين، وهنا يشير الكاتب إلي أن التلمساني أوضح أن جماعته علي استعداد أن تكون مع أمريكا ضد تلك الشعوب التي لا يعتبرونها ليست من أهل الكتاب في إشارة إلي الاتحاد السوفيتي الذي يعتبرونه رمزا للشيوعية الملحدة، وهو ما اعتبره "روبين" تناقضا واضحا بين النظرية الإخوانية المتشددة والتطبيق العملي المعتدل. كما نقل الكاتب عن المرشد العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين محمد حامد أبو النصر، موضحا أنه أظهر موقفا لينا أيضا حيال الولاياتالمتحدة حينما قال إنه يرحب بأي علاقات مع كل الدول الأخري طالما أنه لا يتدخل في ديننا ولا سياستنا. ويفسر "روبين" هذا الموقف بأن الإخوان المسلمين علموا أن الولاياتالمتحدة لها حق "الفيتو" علي السياسة الداخلية في مصر، وأن الحكومة كانت عليها دائما أن تقنع واشنطن بأي خطوات تتخذها، وبالتالي فإن عددا من قيادات الجماعة أدرك أيضا أن عليهم إقناع واشنطن بفكر الجماعة حتي يكون لها تواجد في الداخل، لكن أي مبادرات من هذه الجماعة في هذا الاتجاه كانت مقيدة خوفا من الانتقاد بأنها أيضا لعبة في يد الأمريكان. ويقول "روبين"، إن موقف الإخوان المسلمين من إسرائيل كان متشددا حيث رأوا في الكيان الصهيوني الشر الذي يهدد المنطقة، وقد استغلوا هذا الأمر للدعاية ضد الحكومة حيث نددوا باتفاقية السلام، ووصفوا زيارة السادات للقدس بأنها خيانة، كما نددوا باستعداد مبارك للحفاظ علي الاتفاقية، لكن في عام 1988 ومع إعلان مصر دعمها لجهود ياسر عرفات والدولة الفلسطينية لم يستطع الإخوان استغلال هذه القضية لصالحهم، لكن الجماعة استمرت في رفض جميع الاتفاقيات التي أبرمت مع إسرائيل ليس فقط في مصر بل في كل المنطقة. أما فيما يتعلق بإيران فيقول "روبين" إن الأصوليين في مصر أظهروا تأييدا واضحا للخوميني والثورة الإسلامية الإيرانية، بل وظهرت أفكار تنادي بإسقاط النظام علي غرار ما حدث في إيران، وندد الإسلاميون بالسياسات التي اتخذها السادات حيال شاه إيران، ونشطت جماعة الإخوان المسلمين في نشر المنشورات التي تشيد بالثورة الإيرانية، ويري "روبين" أن إيران كان من الممكن أن تكون في ذلك التوقيت زعيمة للعالم العربي والإسلامي كله، ولكن هناك عدة عوامل وقفت حائلا ضد هذا الأمر منها أنها دولة شيعية في حين أن غالبية الشعوب العربية تنتمي إلي المذهب السني، مشيرا إلي وجود اختلافات واضحة بين الطائفتين، إضافة إلي ذلك فالعرب خاصة المصريين ينظرون للإيرانيين علي أنهم "فرس" أي أجانب وليسوا عربا والانتماء إليهم أو التبعية لهم تضعف القومية العربية، كما يري "روبين" أن الثورة الإيرانية لم تكن جذابة بالنسبة للمصريين، حيث استبدلت رجال الدين بالحرس الثوري الذي أصبح لديه الحق في أن يقرر ما إذا كان الشخص كافرا أو لا ، ويمكنه تفسير الشريعة بالشكل الذي يريده وفقا لأهوائه الشخصية، مشيرا إلي أن الإسلاميين في مصر لم يكونوا متحمسين لحكم رجال الدين في إيران. إضافة إلي ذلك لم تكن جماعة الإخوان علي استعداد لقبول الخوميني زعيما لها، فهم يرون أنهم أصحاب هذا الحق الأصيل في قيادة الأصولية المصرية أيضا تسببت حرب الخليج الأولي بين إيران والعراق في تحويل وجهة النظر حيال إيران، إلي جانب ذلك عداء إيران لدول الخليج أدي إلي نفور المصريين منهم. ويري "روبين" أن الإخوان المسلمين أيدوا الإصلاح وعارضوا الثورة لأنهم كانوا يشعرون أن احتمال نجاح الثورة في مصر ضعيف، وأن الرأي العام المصري دائما يميل إلي الاعتدال، كما أن القيادات رأت أنه ليس لها مصلحة في أن تقوم بثورة، لاسيما أن تجاربها السابقة باءت بالفشل وكانت النتيجة أن عددا من الإخوان ضحوا بأنفسهم دون جدوي، وتحت هذا المبدأ سمح نظام مبارك للإخوان والأحزاب المعارضة الأخري الظهور في وسائل الإعلام، شريطة عدم التعرض للرئيس والجيش. ويشير "روبين"، إلي أن موقف الإخوان المعادي للثورة والعنف لاسيما في فترة التسعينات التي شهدت الهجمات الأكثر عنفا في تاريخ مصر، حيث كانت العمليات الإرهابية في زيادة واضحة وهي العمليات التي أعلنت الجماعة الإسلامية مسئوليتها عنها، في حين رفضها الإخوان، هذا الموقف أهل الإخوان ليكونوا شركاء للنظام حيث سيوفرون بديلا إسلاميا معتدلا كما أنها لا تشكل تهديدا للنظام علي المدي القصير ويمكن استقطابها في نهاية المطاف، ولفت "روبين" إلي أن الإخوان كانوا قد قرروا تخفيف طموحاتهم بدلا من الوصول سريعا للسلطة، وعملوا بنصيحة الهضيبي بألا يتعجلوا الوصول إليها، لكن مرة أخري قرر نظام "مبارك" التصدي لجماعة الإخوان بعد أن زادت شعبيتها، وروج فكرة أنها جماعة غير قانونية تقف وراء عمليات إثارة الشغب، واستمر هذا الأمر واستمرت أيضا جماعة الإخوان في سياستها نحو التوسع الشعبي والاعتماد عليه لكسب المزيد من مقاعد البرلمان حتي تحين الفرصة لتحقيق هدفها في الوصول للسلطة.