تحلّ اليوم الأحد الذكرى المئوية لميلاد المخرج العالمي يوسف شاهين، الاسم الذي لا يُذكر إلا مقرونًا بالدهشة والاختلاف والبحث الدائم عن الحقيقة، مخرج لم يكن عابرًا في تاريخ السينما، بل حالة فنية متكاملة صنعت وجدان أجيال، وخلّفت رصيدًا سينمائيًا استثنائيًا لا يزال حيًا في ذاكرة الجمهور والنقاد على حد سواء، أعماله لم تكن مجرد أفلام، بل أسئلة مفتوحة عن الإنسان والحرية والهوية، ومرايا صادقة لوجع المجتمع وتناقضاته. يوسف شاهين قدّم خلال مسيرته أعمالًا أصبحت علامات فارقة في تاريخ السينما العربية والعالمية، أفلامه حُفرت في الذاكرة الجمعية، وتحوّلت إلى مرجع بصري وفكري، واستطاع بجرأته وتمرده أن يفتح أبواب العالمية من أوسعها، فحصد الجوائز والتكريمات، وفرض اسمه في أكبر المهرجانات الدولية، دون أن يتخلى لحظة عن صوته الخاص ورؤيته المستقلة. ومن بين الحكايات الإنسانية المؤثرة المرتبطة باسم يوسف شاهين، تبرز قصة الكينج محمد منير خلال تسجيل أغنية «علّي صوتك بالغنا» من فيلم «المصير»، حيث روى منير تفاصيل لحظة انكسار صادقة تحولت إلى انتصار فني، حين شعر بالضغط الشديد أثناء التسجيل، بعدما لم يكن الأداء مُرضيًا ليوسف شاهين والملحن كمال الطويل، فكان يسمع الملاحظات القاسية دون أن يملك الاعتراض، ليجد نفسه في لحظة ضعف يبكي داخل الاستوديو، في تصرف وصفه بالمراوغ والذكي في آن واحد، وهو ما جعل شاهين يترك له المساحة كاملة، لينهي الأغنية في دقائق قليلة، مؤكّدًا أن تلك التجربة كانت من أكثر اللحظات قربًا إلى قلبه، خاصة لارتباطه العميق بشخصية «مروان» التي جسدها في الفيلم، والتي وجد فيها جزءًا حقيقيًا من ذاته. أما عن مسيرة يوسف شاهين السينمائية، فهي رحلة طويلة من المغامرة والتجريب والصدق، قدّم خلالها روائع خالدة مثل «باب الحديد» الذي شكّل صدمة فنية في زمنه، و«الناصر صلاح الدين» كأحد أضخم الإنتاجات التاريخية، و«الأرض» بما يحمله من عمق إنساني ووطني، و«عودة الابن الضال»، وسلسلة أفلام «إسكندرية» التي مزج فيها السيرة الذاتية بالخيال السينمائي، وصولًا إلى «وداعًا بونابرت» و«اليوم السادس» و«المهاجر» و«المصير»، الفيلم الذي حمل صوته الفكري إلى العالم، ووصل به إلى المنافسة على السعفة الذهبية، وحصل خلاله على تكريم خاص عن مجمل إنجازه الفني. يوسف شاهين لم يكن مخرجًا تقليديًا، بل فنانًا متمردًا، لا يعترف بالخطوط الحمراء، ولا يخشى الصدام، آمن بأن السينما موقف قبل أن تكون صورة، ورسالة قبل أن تكون ترفيهًا، لذلك ظل اسمه حاضرًا بقوة، حتى بعد رحيله، كواحد من القلائل الذين صنعوا لأنفسهم مدرسة مستقلة، وأثبتوا أن الإبداع الحقيقي لا يعترف بالزمن. في مئويته، لا يُستعاد يوسف شاهين كذكرى، بل كقيمة فنية متجددة، وصوت لا يزال يطرح الأسئلة ذاتها، ويذكّرنا بأن الفن حين يكون صادقًا، يصبح خالدًا.