يصادف هذا اليوم 25 يناير ذكرى ميلاد المخرج يوسف شاهين المولود في الإسكندرية سنة 1926 والمتوفي بالقاهرة في يوم 26 يوليو 2008 بعد 60 عام من العطاء الفني المتميز . بدأ يوسف شاهين حياته بالدراسة في مدارس خاصة بكلية فيكتوريا بالإسكندرية حتى حصل على الشهادة الثانوية وأتم دراسته الجامعية وبعدها درس المسرح بأمريكا وعاد إلى مصر بخبرة وثقافة كبيرة جعلته يبدأ في الدخول في صناعة الأفلام السينمائية الراقية حتى جاءت أعماله تنويرية ومثيرة للجدل التي ظهرت في رباعيته السينمائية المتميزة " إسكندرية ليه ، حدوتة مصرية ، إسكندرية كمان وكمان ، إسكندرية نيويورك " ، وقد بدأ المخرج الراحل يوسف شاهين أفلامه بفيلم بابا أمين 1950 ، وفي عام 1951 شارك فيلمه ابن النيل في مهرجان أفلام كان ، ثم المهرج الكبير عام 1952 ، سيدة القطار 1952 ، نساء بلا رجال 1953 ، جميلة ، وباب الحديد 1958 ، بياع الخواتم 1965 ، الناس والنيل 1968 ، الأرض 1969 ، وداعا بونابرت 1985 ، اليوم السادس 1986 ، المهاجر 1994 ، المصير 1997 ، إسكندرية نيويورك 2004 ، ثم هي فوضى 2007 ، وغيرها من الأفلام المتميزة ، أنتج الفنان الراحل شاهين خلال مشواره الفني 37 فيلم طويل ، 5 أفلام قصيرة ، وشارك بالتمثيل المتميز في بعض الأفلام يأتي دوره قناوي في فيلم باب الحديد على رأس أهم الأداء الفني المتميز بسبب الدور المركب لتلك الشخصية التي أداها باقتدار فارتفعت بالفيلم عاليا ليحقق نجاحا كبيرا في الداخل والخارج وليصبح بصمة عالمية في فن التمثيل للسينما المصرية ، ثم أدواره التمثيلية الأخرى وهي في إسماعيل ياسين في الطيران ، ابن النيل ، إسكندرية كمان وكمان وفي عام 1906 شكل مؤتمر فني بالإسكندرية بمناسبة الاحتفال بالذكرى المئوية للسينما المصرية فاختار خلاله النقاد والمؤرخون أهم 100 فيلم مصري روائي طويل من إنتاج السينما المصرية واختير سبعة أفلام داخل تلك القائمة ليوسف شاهين وهي " صراع في الوادي ، باب الحديد ، الناصر صلاح الدين ، الأرض ، العصفور ، عودة الابن الضال ، وعلى الكوميدي فرانسيز بباريس قدم مسرحية كاليجولا لألبير كاميه ، ثم بدأ بكتابة فيلم المهاجر عام 1984 المستوحاة من شخصية النبي يوسف بن يعقوب وأخرجه بشكل جاء روعة في الأداء والرؤيا والإخراج الفني . مميزات المخرج يوسف شاهين : يعتبر المخرج والفنان الراحل يوسف شاهين نقطة مضيئة ومبهرة ستظل ساطعة في تاريخ السينما المصرية والعالمية لما لا وهو وباعتراف أهل الفن في الداخل والخارج يمثل صوت السينما المصرية والعربية الرائد لأكثر من نصف قرن من خلال إنتاج راق غزير متنوع الرؤى في الشكل والمضمون وطريقة الأداء الذي كان يضاهي في مراحله تطور المدارس الإخراجية والفنية لنظرائه في السينما العالمية ، فلقد اختار أعماله الروائية من أفضل ما أنتجه جيل الرواد من الروائيين والقصاصين المصريين واستطاع أن يعبر بصراحة وصدق في رؤاه نحو مجتمعه فجاء كممثل صادق لضمير وصوت الأمة عندما اقترب من المجتمع المصري بصدق بسبب عشقه وتأثره به وبكل ظروفه التاريخية والسياسية والاجتماعية والمحن التي مرت به ، فأحبه العامة والمتخصصون في مصر والعالم لوقوفه بجرأة ونظرة فلسفية وتمردية ضد الامبريالية والأصولية على السواء ، واحتفى في أعماله وحلم بتحقيق حرية الجسد والروح ووهب حياته لوطنه وأصبح رمزا له حتى وجدنا تاريخ مصر الحديث منحوتا في أعماله عندما أخذ بجميع الرؤى والطرق السينمائية وفنونها المتقدمة في المدارس السينمائية بالعالم ، لقد قدم في أفلامه فكرا سينمائيا مختلفا لأنه لم يكن مخرجا عاديا بل كان مخرجا قريب من الشمولية والاكتمال لفن السينما بالعالم فجاء موسوعة سينمائية متطورة من خلال حرصه على استخدام وتوظيف العناصر الفنية المختلفة لفن السينما وتوظيفها بشكل فني ودرامي وفلسفي فكان حريص على استخدام وتوظيف الموسيقى والغناء كسمة درامية لإبراز فكرته الفنية والدرامية فاقترب بالكثير من أشهر الملحنين والمغنيين في عصره وأشركهم في الكثير من أفلامه ، تميز باكتشاف المواهب الفنية الغنائية والتمثيلية وكان ماهرا في إكساب شخصياته المزايا البطولية فصنع لهم العالمية والنجومية والبطولة فهو من قدم دور عم محمد أبو سويلم لمحمود المليجي في فيلم الأرض ، وهو ما أدى إلى شهرة كل الممثلين في هذا الفيلم الذي أحبه جميع المصريين بعد نجاحه من إبراز الصراع الطبقي في تاريخ الحياة المصرية الذي جسد المعاناة النفسية والاجتماعية لكرامة المصريين من خلال عمق معيشتهم داخل الريف المصري وأيضا اكتشافه لعمر الشريف في فيلم صراع في الوادي وغيره من الأبطال لأنه كان يجيد اختيار الممثلين لأداء أدوار رواياته لإجادته في شرح الشخصية وقدرته على تقمصها والاقتراب من عوالمها وإعطائه الإحساس الفني والنفسي المطلوب بمساعدة الممثل في القدرة على أدائها ، ولذلك خرجت شخصياته الدرامية وكأنها حياة نابضة وناطقة ومتعايشة بصدق فني مع الأحداث حتى جعلتنا نتأثر بالأداء ونتأثر بها ونعيش ظروفها طوال الأحداث حتى أصبحنا لا ننساهم ، من مميزاته أيضا أرائه السياسية والاجتماعية القوية من خلال معارضته وخلافه مع رموز النظام المصري في حقب زمنية مختلفة وكان معارضا لجماعات الإسلام السياسي ومحذرا المجتمع المصري من خطورته ، فأثارت العديد من أفلامه الرأي العام كالأفلام السياسية ومنها فيلم العصفور الذي كشف وتعرض خلاله إلى أسباب الهزيمة عام 1967 وهو الفساد المتفشي في المؤسسات المصرية ثم الأصولية بعد فيلم المهاجر لتناوله قصة النبي يوسف عليه السلام ، وكذلك في أفلام الصراع الطبقي كفيلم صراع في الوادي والأرض ، والابن الضال إلى أفلام الصراع الوطني الاجتماعي مثل جميلة ، وفيلم وداعا بونابرت إلى سينما التحليل النفسي المرتبط بالبعد الاجتماعي والسياسي والجغرافي مثل فيلم باب الحديد ، وفيلم الاختيار ، وفيلم فجر جديد وهو ما جعله متميزا ورائدا في القدرة على قراءة وفلسفة التاريخ والثورات وبخاصة تاريخ مصر الحديث من منظور ثقافي وجغرافي وتاريخي للمجتمع المصري وعلاقته بنظرية التداخل الثقافي وبخاصة عينه الثاقبة والفاحصة والمدققة لجغرافية وثقافة واجتماعية أهل مدينة الإسكندرية والقاهرة وتأثيرهما بكل الأحداث التي مرت بهما على القطر المصري كله ، ولهذا فقد أثارت أفلامه الكثير من الجدل في حينها وإلى الآن بسبب روحها السياسية والاجتماعية والفنية ذات الرؤى النقدية اللاذعة ، ودفاعه الدائم عن الحريات واعتراضه على السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ليستمر هذا الخط الفني والنقدي الجريء والصادق في معظم أعماله ، وما يميزه عن المخرجين من أقرانه حبه لعمله وثقافته العالية وتقديره للحضارة المصرية وللتاريخ الذي عكسه في أعماله الاجتماعية والسياسية الذي تجسد في رباعيته كما اعتمد على نفسه في تمويل أفلامه فأسس شركة إنتاج سينمائية وهي مصر العالمية لتمويل أفلامه نظرا لشخصيته المتحررة من القيود ، ولأكثر من ذلك ولكل هذا الجهد الذي يضاهي ويتفوق على السينما العالمية خلال القرن الماضي حصل الراحل يوسف شاهين على العديد من الجوائز ومنها : الجائزة الذهبية من مهرجان قرطاج وعلى جائزة الدب الفضي في برلين عام 1979عن فيلم إسكندرية ليه ، وعلى جائزة اليوبيل الذهبي من مهرجان كان في عيده عن مجموع أفلامه عام 1997 ، ثم منح مرتبة ضابط في لجنة الشرف بفرنسا عام 2006 ، ورشح للعديد من الجوائز العالمية أهمها جائزة الانجاز العام من مهرجان كان السينمائي عن فيلم المصير ، وجائزة الدول التقديرية عام 1994 ، وتكريمه كأهم مخرج بالوطن العربي بمهرجان السينما الدولي عام 2007 ، ثم إطلاق اسمه على أحد شوارع مدينة ببني بفرنسا وإطلاق جائزة دولية باسمه في مهرجان سينما المؤلف بالرباط وغيرها من المؤتمرات والندوات المتخصصة التي أشادت بتلك الشخصية الإبداعية الراقية التي فارقت دنيانا في يوم الأحد الموافق 26 يوليو عام 2008 عن عمر يناهز 82 عام والموجودة بمقابر الروم الكاثوليك بالشاطبي بمدينة الإسكندرية.