تعاني الشركات التكنولوجية الناشئة في مراحلها الأولية من قلة مصادر التمويل والذي يكون السبب الرئيسي في فشل الكثير من الابتكارات الواعدة القائم عليها هذه الشركات، وظهرت في الآونة الأخيرة بعض آليات التمويل للمراحل الأولية ونخص بالذكر في هذا الجزء من سلسلة المقالات حاضنات ومسرعات الأعمال، بالإضافة للتبرعات المالية من الجهات المختلفة والتي يمكن أن يكون لها الدور في المعاونة في نجاح مثل هذه الابتكارات وأن ينتفع منها المجتمعات حول العالم، كما سنعرض أيضًا الأطر والسياسات اللازم اتخاذها من الدول النامية لدعم آليات تمويل ريادة الأعمال. الجزء الثامن: تمويل الابتكار وريادة الأعمال من خلال حاضنات ومسرعات الأعمال، ودور المنظمات غير الهادفة للربح، والأطر والسياسات اللازم اتخاذها من الدول النامية لدعم آليات تمويل ريادة الأعمال.
8. حاضنات الأعمال (Business incubators): تقوم حاضنات الأعمال باحتضان المبتدئين أصحاب الأفكار الابتكارية والذين لا يزالون في مرحلة البداية والتخطيط، فتقوم بتوفير الدعم المادي والفني واللوجستي لأفكارهم، بغية الوصول بها إلى شركات ناشئة قادرة على المنافسة بالأسواق، كما في الهند حيث قام المجلس الوطني لتطوير ريادة أعمال العلوم والتكنولوجيا (NSTEDB) بإنشاء أكثر من 500 حاضنة أعمال تكنولوجية في المؤسسات الأكاديمية والوزارات والإدارات الحكومية والولايات لرعاية الشركات الناشئة خلال مرحلة تأسيسها وتمويل الابتكارات من مرحلة الفكرة، لمعالجة فجوة التمويل بين الفكرة والنموذج الأولي واستيعاب مخاطر التكنولوجيا، وتوفير المعامل المجهزة وورش عمل للنماذج الأولية، والتي كانت ناجحة بشكل كبير في دعم عدد كبير من الأفكار، ونجد أن جزءًا من التمويل المقدم يأتي من تعديلات تمت في عام 2019 على القانون الهندي للشركات حيث يتم استقطاع 2% من الارباح السنوية للشركات الرابحة كمشاركة مجتمعية في تمويل الحاضنات والمشاريع البحثية في الجامعات. أيضا برنامج حاضنات سلطة الابتكار الإسرائيلية الذي يتضمن 18 حاضنة تمولها الحكومة ويديرها مستثمرون من القطاع الخاص، والذي يمنح ملايين الدولارات للشركات الناشئة ذات الابتكارات الواعدة، مما يسمح لها بالحصول على التمويل في مراحلها المبكرة، ولكن نجد أن العديد من الشركات الناشئة المتميزة والتي تم احتضانها بهذا البرنامج لم تستطع تأمين تمويل إضافي بعد فترة الاحتضان القصيرة وانتهت بالإغلاق. والفلبين التي انشأت مؤخرًا أكثر من 30 حاضنة أعمال تكنولوجية إضافية لتسريع نقل التكنولوجيا من الأوساط الأكاديمية المولدة للتكنولوجيا والمطورة للسلع والمعارف المتخصصة وربطها بالصناعة المحلية لتحسين القدرة التنافسية في السوق المحلية، وزيادة عائدات الإنتاج، وقيمة السلع والقدرة الاستيعابية للمنتجين المحليين، الأمر الذي كان له الأثر في ارتفاع مؤشر التعاون البحثي الصناعي بها من المرتبة 56 في مؤشر الابتكار العالمي في 2018 إلى المرتبة 25 في 2019.
9. مسرعات الأعمال (Business Accelerators):
تقوم برامج مسرعات الأعمال بتوفير الدعم والموارد للشركات الناشئة بعد انتهاء مراحلها الأولية (من تسجيل الشركة، وتصنيع النموذج الأولي، وإعداد دراسات الجدوى) لفترة زمنية محددة لا تزيد عن بضعة أشهر مما يساعدهم على تسريع تطوير منتجاتهم والوقت اللازم للتسويق وبالتالي تسريع تطوير المشاريع، وذلك من خلال تقديم الإرشادات والتعليم وفرص التواصل ومساحة العمل المشترك، وفي نهاية هذه البرامج يتم إقامة حدث عام لعمل عروض تقديمية، كما توفر العديد من برامج المسرعات راتبًا أو تمويلًا صغيرًا، في المقابل يتلقى المُسرِّع حصة ملكية في المشروع، بنسبة تتراوح عادةً من 5% إلى 8%، وأيضا تتيح الفرص للوصول للمستثمرين من مستثمرين ممولين وشركات رأس المال الاستثماري لتوفير رأس المال في المراحل المبكرة من عمر هذه الشركات وهو أمر شديد الأهمية للشركات الناشئة المشاركة في هذه البرامج. وتم تأسيس برنامج مسرع الأعمال Y Combinator في عام 2005 بالولايات المتحدة والذي تم استخدامه لإطلاق أكثر من 2000 شركة وصلت إجمالي القيمة السوقية لأكبر هذه الشركات إلى 300 مليار دولار ومنها Airbnb وDropbox وReddit، ومنذ ذلك الحين أصبحت برامج المسرعات منتشرة في جميع أنحاء العالم، منها التي تعمل على المستوى الدولي والبعض الآخر على الصعيد الوطني، وتتميز برامج المسرعات في الدول المتقدمة بالإضافة للصين والهند بهياكل ونظم بيئية نشطة بشكل خاص، وتنتشر أيضا برامج المسرعات في العديد من البلدان في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بما في ذلك على سبيل المثال الإمارات حيث يستثمر برنامج المسرعات غدًا 21 ما قيمته 13.6 مليار دولار لدعم أكثر من 50 مبادرة تعزز إنشاء الشركات الناشئة وتحفيز الابتكار وجهود البحوث والتطوير.
10. المنظمات غير الهادفة للربح
يقدر رأس المال الخيري عالميًا بنحو 1.5 تريليون دولار أمريكي تديره مئات الآلاف من المؤسسات، ومنها المنظمات غير الهادفة للربح التي تقوم بجمع أموال التبرعات من المؤسسات أو الأفراد الأثرياء أو الجهات الحكومية مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) وذلك لدعم الابتكار، من خلال التركيز على الأسباب التي تتوافق مع الاهتمامات الحالية لأعداد كبيرة من الجهات لدعم أنواع معينة من الأعمال مثل مجالات الأبحاث البيئية والدولية والطبية، وتجتذب هذه المنظمات تبرعات كبيرة، فنجد أن المانحين يتبرعون بالمال في سبيل قضية تمثل جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية وهي شيء يستفيدون منه بشكل جماعي (مثل التبرع بمبلغ ضخم لإطلاق معهد أبحاث لعلاج مرض معين)، ومثال لذلك منظمة سوزان جي كومن الامريكية التي تجمع التبرعات لتمويل المنح البحثية التي تساعد في القضاء على سرطان الثدي باعتباره مرضًا يهدد الحياة، حيث استطاعت جمع تبرعات خلال عام 2020 بقيمة 195 مليون دولار، وتختلف هذه المنظمات عن المنظمات الهادفة للربح بأنها تقوم بتقديم التمويل في شكل إعانات خيرية لخلق قيمة للمستفيدين دون تحقيق ربح لها. وهذا القدر الكبير من الأموال التي تقوم بجمعه يلقي العبء على هذه المنظمات لوجوب قيامها أيضًا بالعمل على أن تساعد في تمويل التجارب الأولية للتكنولوجيات الجديدة شديدة التعقيد بمشاريع البحوث والتطوير المتقدمة في الجامعات والشركات الناشئة التي تتطلع إلى المساعدة في التحقيق السريع لتوافق المنتج مع السوق والتخلص من مخاطر التكنولوجيات الجديدة وتمكينها من عبور وادي الموت إلى مرحلة التوسع نظرا للحاجة المجتمعية الكبيرة لمثل هذه التكنولوجيات.
الأطر والسياسات اللازم اتخاذها من الدول النامية لدعم آليات تمويل ريادة الأعمال:
يتمتع المبتكرون بمجموعة كبيرة من مصادر التمويل عبر المراحل المختلفة من دورة حياة شركاتهم، والتي ساعدت في التخفيف من فجوات التمويل ولكن لم تقضِ عليها، خاصة في الدول النامية التي تعاني من ضعف الأسواق المالية، ولتخفيف الاختناقات الحالية في تمويل ريادة الأعمال بها، من الضروري أن تضع سياسات مناسبة تهدف إلى تطوير الأسواق المالية وإطارًا تنظيميًا يعزز التكنولوجيا المالية للإقراض (fintech lending)، والاستثمارات الجماعية في حصص رأس المال، وغيرها من الأشكال المستجدة لتمويل الشركات الناشئة، التي توفر إمكانات كبيرة لتحقيق القفزات، وإطلاق العنان لقوى النمو من خلال تسهيل تمويل ريادة الأعمال والابتكار، وتختلف الظروف والتحديات بشكل كبير من بلد إلى آخر، مما يجعل من الصعب تحديد أولويات للأطر والسياسات اللازم أن تتخذها الدول النامية بشكل عام لدعم آليات تمويل ريادة الاعمال في جميع المجالات، ومنها على سبيل المثال: أولًا: لتعزيز الوصول إلى القروض، يجب توفير المعلومات الدقيقة وفي الوقت المناسب للمقرضين عن الموقف الائتماني لطالب التمويل، وتكون المعاملات مكفولة بالضمانات والحقوق القانونية المحددة بوضوح لتشجيع المقرضين على تقديم المزيد من القروض. ثانيًا: تطوير أسواق السندات الحكومية التي تعمل كمعايير مرجعية للمخاطر. ثالثًا: تقديم الحماية الكافية للمستثمرين خاصة مساهمي الأقلية (minority shareholders) (المساهم الذي يمتلك أقل من نصف إجمالي أسهم الشركة) من خلال الكشف جميع المعلومات والبيانات المالية (disclosure requirements) التي تبين نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات بالشركة، وكذلك معايير المسئولية (liability standards) لتعويض المستثمرين عن الأضرار أو الإعفاء من المسئولية الناتجة من إدارة الأعمال، لتشجيع نشاط استثمارات رأس المال الاستثماري التي تركز على شركات التكنولوجيا مما يساعد في تحفيز الابتكار والنمو. رابعًا: تطوير سوق للاكتتابات العامة الأولية (IPOs) الذي يساعد شركات رأس المال الاستثماري على التخارج من خلال الاكتتاب العام (تحويل الشركة من ملكية خاصة إلى ملكية عامة أو مساهمة تُتداول أوراقها المالية في الأسواق المالية) مما يحفزهم على الدخول في هذه الاستثمارات بالأسواق التي يسهل التخارج منها.