علاقتها بالمال كانت علاقة عكسية ومعقدة وصفت بالبخل وتبرعت ب2 مليون جنيه فى الستينيات ثمن ثقتها فى مصطفى أمين 30 ألف جنيه تبرعت فى حفلى باريس ب212 ألف جنيه أسترلينى فى عام 68 وجمعت 35 كيلو ذهبًا من الكويت فقط لم تشعر بسعادة الحصول على آلاف الجنيهات.. وطارت من الفرحة بعشرة قروش خسرت 20 ألف جنيه فلم تهتز.. وكرهت القاهرة بسبب 15 جنيهًا فقط من عرف الفقر طفلاً لم يعرف الغنى فى حياته حتى لو كان مليارديرًا، فالغنى والفقر يرسمان خطوطا عميقة على النفس البشرية، ونادرا ما يمكن أن يمحو الإنسان هذه الخطوط التى تشكلت فى طفولته، وكأنها وشم فى القلب والروح قبل العقل، ولقد حفر الزمن هذا الوشم على أم كلثوم، وخلق علاقة مرتبكة ومعقدة بين ثومة والمال والثروة بشكل عام، رآها البعض بخيلة لاتنفق من وسع ولا سعة، وترددت الحكايات أو بالأحرى التأويلات عن بخلها، لم تكن سخية فى الإنفاق على ملابسها، تنفق القليل على ملابس محتشمة وتواكب الموضة بأقل التكاليف، ليس لها هوايات تنفق عليها آلاف الجنيهات، كانت امرأة على القمة ولكنها تعيش حياة بسيطة بلا مظاهر فخفخة وبذخ، بالطبع كانت تمتلك مجموعة مجوهرات غالية ومميزة جدا، ولكن بعضا من قطع هذه المجموعة كان هدايا من ملوك ورؤساء خلال حفلاتها أو بالأحرى زياراتها إلى البلدان العربية. على الرغم من كثرة الشائعات فى حياتها لم تظهر شائعات تخص بذخها، كان تستثمر فى الأراضى الزراعية كفلاحة مصرية، تضع أموالها فى البنوك، وكفلاحة مصرية كان يقلقها الحسد، وكانت تخشى أن يغضب الجمهور من ثرائها الفاحش بمعايير ومقاييس ذلك العصر، وكانت تغضب من حديث الصحافة وفضولها حول ثروة كوكب الشرق. 1- طبق المهلبية ولكن أم كلثوم فتحت قلبها وعقلها وذكرياتها وعلاقتها مع المال مرة واحدة، ففى حواراتها مع الكاتب الكبير الراحل محمود عوض تحدثت معه عن علاقتها بالمال، وردت بشكل غير مباشر على تهمة البخل الذى كانت تطاردها، وقد جمع عوض الحوارات فى كتابه «أم كلثوم التى لا يعرفها أحد»، كشفت ثومة عن سر علاقتها المعقدة والمرتبكة بالمال، فالفقر الذى عايشته فى طفولتها وبداية رحلتها الفنية طبعت علاقتها بالمال بل بالحياة نفسها، كانت تتقاضى قروشا قليلة، ولكنها حصلت مرة على نص ريال أى عشرة قروش، فطارت من الفرحة وظلت تمسك بقوة على العشرة قروش، ونامت فى الطريق للبيت ولكن يديها ظلت ممسكة بقوة على النص ريال، وما بين النوم والنعاس أعطت أمها النص ريال، عن فرحتها وإحساسها بقيمة هذه القروش العشرة تحدثت أم كلثوم لمحمود عوض، وقالت إنها لم تشعر بنفس السعادة مهما حصلت على الألوف من الجنيهات، وتتذكر ثومة جائزة أخرى أو أجرًا عينيًا وليس ماديًا، فى أيام حفلات الشقى والفقر كانت أمها تطهو لها طبق المهلبية، بعد عشرات السنوات لا يزال طعم هذا الطبق يتفوق على أفضل الأطباق الفاخرة التى عرفتها أم كلثوم فى زمن الشهرة والغنى، فمقياس أم كلثوم للغنى لم يكن دفتر شيكات أو أطيان أو مجوهرات، ولكن كان إحساسها بالمال، وشعورها بالأحداث المحيطة، ولأنها كانت طفلة فقيرة جدًا فقد كانت سعادتها بالقروش والجنيهات غامرة وكبرى، ولذلك لم تعرف أم كلثوم مثل هذه السعادة بعد الغنى وسماء حياتها تمطر ذهبا وألوف الجنيهات، بعد رحلة كفاحها وبالمثل لم تشعر بمرارة خسائرة عشرات الألوف من الجنيهات مثلما شعرت بمرارة فقد 15 جنيهًا فقط. 2- ثروة العمر حين ماتت أم كلثوم كانت ثروتها تتجاوز ملايين الجنيهات، لم تكن تشعر أم كلثوم بنشوة مجوهراتها وأطيانها بقريتها، أو ألوف الجنيهات فى حسابات البنوك، ولم تهتز لخسارة آلاف الجنيهات وبالتحديد نحو 50 ألف جنيه فى بداية شهرتها وتألقها، فالاتفاق الذى أجراه والدها مع أول شركة اسطوانات تسبب فى خسارتها الرقم، لأن والدها الرجل البسيط رفض أن تحصل أم كلثوم على نسبة من بيع الأسطوانات، فالرجل لم يتخيل أن أم كلثوم ستكتسح عالم الأسطوانات، ولكن أم كلثوم لم تهتز لم تنهر لخسارة هذا المبلغ، فقد استنزفت إحساسها بالخسارة وشعورها بالمرارة فى أول خسارة مالية لها، فى زيارة أم كلثوم الأولى للقاهرة لتحيى حفلا فى قصر أحد الأعيان، أخذت الفتاة الشابة المبهورة كل ما تملكه من مال، ثروة العمر كانت مجرد 15 جنيهًا، وفى طريق العودة اكتشفت ثومة ضياع ثروتها، كان حزنها يفوق كل تصور، حتى إنها قررت أن تقاطع القاهرة ولا تذهب للمحروسة مرة أخرى، كانت ثومة بعد أكثر من ثلاثين عامًا من هذه الكارثة تجلس فى فيللتها الفاخرة فى الزماك تحكى لمحمود عوض حزنها على ثروتها الحقيقية ال15 جنيهًا. 3- المال الرخيص من ناحية أخرى فقد هانت ثروة أم كلثوم بعد شهرتها وبلوغها القمة عدة مرات، حين عرفت أم كلثوم بمحنة طلعت باشا مؤسس حزب مصر، وأنه أجبر على ترك البنك لينقذه من الإفلاس، عرضت أم كلثوم صادقة أن تعطى الباشا كل رصيدها وأكثر لو كانت هذه الأموال ستحل الأزمة، مرة أخرى ضحت أم كلثوم ب30 ألف جنيه تبرعت بها لمساعدة صديقها مصطفى أمين لينشئ أخبار اليوم، لم تطلب من أمين أن يرد المال، فقط طلبت منه إخفاء السر خوفا من طمع الآخرين. ورخص مالها مرة ثالثة عندما تبرعت بكل عائد حفلاتها بعد هزيمة يونيو 67 للمجهود الحربى، لم تكن المرة الأولى التى تهرول ثومة لمساعدة وطنها فقد تبرعت وقادت حملة تبرعات أيام عدوان 56 على مصر، ولكن التجربة بعد 67 كانت هائلة، بلغت إيردات حفلى باريس على مسرح الأولمباد 212 ألف جنيه إسترلينى، واستجابت سيدات الكويت لندائها بالتبرع ب35 كيلو ذهبًا، وبلغ إجمالى إيراد حفلات أم كلثوم داخل وخارج مصر أكثر من 2 مليون جنيه. لو كانت أم كلثوم بخيلة أو تعبد المال ما هان عليها التخلى بسهولة عن 2 مليون جنيه بأسعار عام 68، فبهذا الرقم كان يمكن لأم كلثوم أن تشترى أراضى زراعية محافظة أو محافظتين فى ذلك الوقت، أو تمتلك نصف عمارات منطقة الزمالك، وبالإضافة لذلك كانت ستزيد رصيدها فى البنوك بمئات الآلاف من الجنيهات. فأم كلثوم لم تكن بخيلة، ولكن الفقر المبكر أورثها حالة من الزهد فى البذخ والترف المبالغ فيه، علمها الفقر أهمية القرش، ولكن ذكاءها الفطرى وخبرتها فى الحياة علمتها درسًا أعمق، تعلمت ألا تسجيب لصائدى الأموال الذين يتهافتون على أمثالها من الأثرياء، مرة بمشروعات وهمية وأخرى بحجج اجتماعية للحصول على جزء من الثروة التى هبطت تحن أقدامها، فوق هذا وذاك كانت أم كلثوم قد حددت علاقتها بالمال والثروة وحسابات الربح والخسارة بمعيار نشأتها الفقيرة، فرحة أول نص ريال تملكه وطمع طبق المهلبية ظل طاغيا على علاقتها بالربح، ومرارة فقد ثروة ال15 جنيهًا فى أولى رحلاتها للقاهرة لم تترك مرارة أخرى لخسارة مالية. أبدًا لم تكن بخيلة.