النظام الحالى نفذ إنجازات مادية كبيرة نهضة التعليم أعمق من توفير التابلت الصحافة فى أزمة كبيرة بسبب السوشيال ميديا يملك الدكتور أسامة الغزالى حرب، عقلاً موضوعياً وقدرة على التحليل، ولذا التقته «الفجر» ليطرح رأيه فى مستقبل السياسة فى مصر، من الحريات مروراً بالأحزاب إلى الانتخابات وأزمة الإعلام، وصولاً إلى ملف السياسة الخارجية وسط الاضطرابات المحيطة بمصر. وتطرق الحوار مع الغزالى، الذى كان رئيساً ومؤسساً لحزب الجبهة الديمقراطية قبل ثورة 25 يناير إلى مناقشة أسئلة تشغل بال الكثيرين وهو هل مصر تنتظر ثورة قادمة، فقدم لنا إجابة قاطعة.. وإلى نص الحوار: ■ هل يوجد فى مصر معارضة؟ - السؤال الأهم هل النظام ديمقراطى أم لا؟ لأنه فى حالة كان ديمقراطياً سيسمح للمواطنين بانتقاد الدولة، وإذا توفر هذا الشرط يمكن حينئذ الحديث عن الأحزاب وقوى المعارضة والمجتمع المدنى، وإذا لم يكن النظام ديمقراطياً سيكون السؤال عن غياب المعارضة «عبث». والمناخ السياسى فى الأساس لا يسمح بوجود أحزاب إلا على الورق، بالفعل يوجد أكثر من 100 حزب، لكن هل يمكن لأحد أن يذكر أسماء 10 منها، ويوجد حزب واحد له أصول تاريخية عظيمة، هو حزب الوفد، ولكنه للأسف انتهى ولا يمارس دوراً فى المعارضة، وصحيفة الوفد الناطقة باسمه تدافع عن الحكومة أكثر من الصحف القومية. ■ هل يستطيع أحد الأحزاب المعارضة بوضعها الحالى- قادرة على- خوض الانتخابات البرلمانية؟ - هناك أحزاب تتمتع بسمعة جيدة، لكن لا يوجد حزب على أرض الواقع له ثقل حقيقى، حزب الدستور مثلاً ضعيف، كما أن النظام السياسى لا يسمح للأحزاب بالعمل الحقيقى. ■ هل الأحزاب المعارضة قادرة على ممارسة دورها؟ - البيئة السياسية هى التى تسمح بالحركة، وإذا صمم حزب على القيام بدور المعارضة فى ظل الظروف الراهنة سيتم تحجيمه وتقليص دوره ومحاربته ومهاجمة مقاره وتعقب قيادته. الأزمة ليست فى الأحزاب ولكن فى المناخ الذى تنمو فيه، وإذا افترضنا ظهور حزب يعتزم العمل بفاعلية سيتم التضييق عليه بكل الوسائل، والحرية بالنسبة للأحزاب مثل الماء بالنسبة للأسماك. ■ هل باع بعض المعارضين أنفسهم للنظام؟ - فى كل نظام سياسى هناك معارضون حقيقيون وهناك انتهازيون يتملقون للحكومة، والنظام اللاديمقراطى يساعد على زيادة النوع الثانى، لأن تملق الحكومة والرئيس مصدر أمان، وفى هذه الحالة يبتعد السياسيون والمثقفون الذين يحترمون ذواتهم عن الساحة. ■ ما تقييمك للنظام الحالى؟ - النظام الحالى نفذ إنجازات مادية لا يمكن إنكارها مثل شبكة الطرق الهائلة والمشروعات القومية العملاقة التى تم إنجازها فى وقت قصير للغاية، بجانب مشروعات كبيرة تثير الإعجاب على غرار المزارع السمكية والصوب الزراعية ومنظومة التأمين الصحى الشامل وهو تجربة عظيمة وطموحة، لكن على المستوى السياسى هناك تعثر يثير القلق.. ولكن أخطر سلبيات النظام تتعلق بالحريات والديمقراطية، والنظم الديمقراطية تهتم أكثر ببناء الإنسان، وهو عبء كبير ونتائجه لا تظهر بسرعة لأنها تحتاج لسنوات طويلة، وتقديرى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى يميل إلى المشروعات التى تظهر نتائجها فوراً، ويتعامل مع التعليم بنفس الرؤية، لأهميته لنهضة وتقدم البلاد على غرار الدول المتقدمة، ولكن تطوير التعليم لا يتم بالطريقة السليمة، لأنه تم تكليف وزير التعليم بهذه المهمة ما يطرح سؤالاً مهماً وهو «هل نهضة التعليم مرتبطة بفكر رجل واحد مهما بلغت كفاءته؟»، بالطبع لا. ونحن نحتاج بشكل ملح لتنظيم مؤتمر شامل للتعليم يضم كل التربويين والمتخصصين فى المجال وكل من لديه أفكار جديدة للنهوض بهذا الملف بجانب خبراء أجانب من البلاد التى تملك نظاماً تعليماً جيداً مثل فنلندا، لأن هناك خطورة من تكليف شخص واحد بالنهوض بالتعليم لأن إصلاح المنظومة التعليمية أعمق بكثير من توفير تابلت وإجراء الامتحانات بنظام البوكليت، نحن نحتاج أولاً لإعادة تأهيل المدارس، والنظر فى إعداد وتأهيل المدرسين ورواتبهم. أعلم أن هناك بدايات لتطوير المناهج، وإن كان من الواضح أنها تتم ببطء شديد، كما توجد مشكلة سرطانية خطيرة وهى الدروس الخصوصية، وسط وجود مدارس خاصة تقدم خدمة ممتازة لكن بتكلفة تصل لمئات الألوف من الجنيهات، ولكن أنا أتحدث عن التعليم العام الذى ينتظم فيه ملايين الطلاب من أبناء الطبقات الدنيا والمتوسطة. ■ ما النظام الأفضل للانتخابات البرلمانية فى مصر؟ - أنا أميل إلى نظام القوائم النسبية وليس المطلقة، لأن الأولى تضمن تمثيل كل الأحزاب، وكل نظام له مزاياه وعيوبه، وربما كان النظام الأمثل لمصر هو النظام الفردى لأننا تعودنا عليه لأن مصر عرفت الانتخابات منذ حوالى 150 عاماً وكان السائد هو النظام الفردى رغم عيوبه، لأنه سمح بسيطرة عائلات معينة على الساحة السياسية، ولكنها حقيقة موجودة فى كل دول العالم. وسواء كان النظام الانتخابى فردياً أو قوائم فإن وجوه النخبة السياسية فى مصر لا تتغير، والنظام الوحيد الذى استطاع كسر احتكار العائلات للسياسة هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر حينما منح العمال والفلاحين 50% من مقاعد البرلمان.. ■ رغم قيام ثورتين، هناك عزوف عن التصويت فلماذا؟ - الناس ترفض المشاركة لعدم جدواها، لأن المواطنين شاركوا بالفعل فى أول استفتاء وانتخابات عقب ثورة 25 يناير ووقفوا فى الطوابير أمام اللجان ساعات طويلة لشعورهم بقيمة أصواتهم، المواطن يشارك عندما يشعر بأن هناك ممارسة ديمقراطية حقيقية وأن صوته سيُترجم بالفعل فى نتيجة التصويت، المسألة تكمن فى افتقاد المناخ العام، والدراسات أظهرت أن نسبة المشاركة فى الريف والصعيد أعلى من المدينة، وذلك نتيجة عوامل أهمها تتعلق بالعصبية القبلية، ونسبة المشاركين فى أى انتخابات على مستوى العالم لا تصل أبداً ل90%، ولكنها تتراوح من 40 ل60 %. ■ ما رأيك فى اتجاه الدولة لتقليص عدد الوزارات، وما الوزارات التى يمكن دمجها أو استحداثها؟ - هذه مسألة تتعلق بتقاليد العمل والجهاز الإدارى فى مصر، وتختلف من وقت لآخر، وهناك فترات تحتاج لاستحداث وزارة مثلما حدث وقت بناء السد العالى، وبعد بنائه تم إلغاؤها، وأنا شخصياً أتمنى استحداث وزارة للمرور، لأن مصر تفقد سنوياً آلافاً من مواطنيها بسبب حوادث المرور، وهى أزمة تحتاج لإعادة تنظيم المرور فى مصر باعتبارها إحدى المشاكل الحقيقة التى تضع مصر فى موقع سيئ جدا بالنسبة لحوادث الطرق. وأرى أن عدد الوزارات فى مصر يمكن أن يتراوح من 15 ل20 وزارة، وهو رقم معقول، وإن كنت أرى أنها ليست مشكلة كبيرة، فهناك وزارات أساسية موجودة فى كل دول العالم مثل الدفاع والداخلية والعدل والصحة والتعليم والخارجية، لكن ليس من الضرورى وجود وزارة للتموين، ويمكن دمج التعليم العالى مع وزارة التربية التعليم، لأن استقلالية الجامعات تعنى عدم وجود ضرورة لوزارة تعليم عالى. ■ هل ترى أن الإعلام يقوم بدوره؟ - حيثما وجدت الديمقراطية ستجد الإعلام، والتطور التكنولوجى فى مجال الإعلام جعل من المستحيل على الدولة حبس المواطن وتحديد ما يشاهده كما كان يحدث فى الماضى، فى ظل وجود أكثر من 2000 قناة فضائية. كما أن ظهور وتطور السوشيال ميديا فى السنوات ال10 الأخيرة وضع الصحافة التقليدية فى أزمة كبيرة، مع تضاؤل عدد قراء الصحف بشكل كبير جداً فى مصر وجميع دول العالم، وفيما تحاول المؤسسات الصحفية فى العالم التغلب على هذا التغير، لا توجد فى مصر مواجهة حقيقية لذلك. ■ هل تتوقع اختفاء الصحافة الورقية؟ - الأمر يحتاج لوقت طويل ورغم أن بعض الصحف الكبرى ألغت طبعتها الورقية واكتفت بالنسخة الإلكترونية إلا أن هناك مؤسسات عالمية لاتزال متمسكة بالورق مثل النيويورك تايمز وواشنطن بوست والتايمز ومئات من الصحف فى الدول المتقدمة. أما فى مصر فهناك مشكلات كبيرة تواجه الصحافة، وهى تجاهد بقوة لتطوير نفسها والاستمرار، وأعتقد أنها يجب أن تتجه لزيادة المواد الثقافية والفنية والأدبية، فصحيفة الأهرام كانت تنشر روايات نجيب محفوظ، «روز اليوسف» كانت تنشر قصص إحسان عبد القدوس، وهى عوامل ساهمت فى انتشار هذه الصحف لفترة طويلة فى الماضى، وإذا لم تتمكن المؤسسات من نشر مواد جذابة ستفقد جزءاً كبيراً من قيمتها، لأن الاكتفاء بنقل الخبر لم يعد له أهمية مثل الماضى لأن القارئ يستطيع معرفة الأخبار أولاً بأول من خلال هاتفه والسوشيال ميديا. ■ هناك 3 هيئات ووزير للإعلام، فكيف ترى هذا المشهد؟ - كلما زاد عدد الهيئات والجهات الإدارية كلما انخفضت فاعلية النظام، وفى وجود طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ازدهرت الثقافة ولم يكن هناك وزارة تديرها. ودائماً هناك شكوى من وجود وزارة للإعلام، لأنه لا يتناسب مع طبيعة العمل الإعلامى، وعندما تم إلغاء الوزارة تم استحداث 3 هيئات طبقاً للدستور، لكنها لم تقم بالدور المطلوب وخلقت مشكلات عديدة وتعيين وزير للإعلام زاد الأمر تعقيداً، ووجود الهيئات ال3 والوزير يحتاج إلى توضيح دور كل منها، وأنا شخصياً لا أعرف دور الوزير. ■ ماذا عن ملف النشطاء المحبوسين؟ - أكثر ما يسىء إلى النظام الحالى هو هذا الملف الذى تستخدمه الأنظمة المعادية لمصر لإدانتها فى كافة المحافل الدولية، وأتمنى أن يتم إنهاء هذا الأمر. ■ ما رسالتك للقوى السياسية والمعارضة فى مصر؟ - على جميع القوى السياسية والاجتماعية والمُحبة للوطن النضال من أجل أن تتحول مصر لبلد ديمقراطى حقيقى لأنها تستحق ذلك. ■ متى تصبح مصر بلداً ديمقراطياً؟ - كان يمكن أن يحدث هذا الأمر بعد نكسة 5 يونيو 1967، والرئيس جمال عبد الناصر كان يمكن أن يكون ديمقراطياً، أما خليفته الرئيس أنور السادات فعمل بجدية لخلق تعددية حزبية، وحالياً لا يمكن الاكتفاء بدعوة الرئيس السيسى للأحزاب إلى الاندماج، ويجب على الأحزاب مطالبة الرئيس بخلق مناخ يضمن حريتهم فى العمل وحمايتهم من المضايقات. ■ هل هناك حزب قادر على تشكيل حكومة؟ - الأحزاب الموجودة عبارة عن هياكل، «واحد قاعد فى شقة وحواليه 3 أو 4 أشخاص»، ولا يوجد حزب له ثقل سياسى قادر على تشكيل الحكومة، ويجب أن يملك قاعدة جماهيرية حتى يستطيع التأثير فى الشارع، وأن يكون لديه حكومة ظل، وحزب الوفد لديه ما يشبه حكومة ظل ولكنه رغم تاريخه الكبير إلا أنه مثل غيره من بقية الأحزاب، ليس له تأثير ملموس بين المواطنين. ■ هل يمكن أن تحدث فى مصر ثورة ثالثة؟ - فكرة اندلاع ثورة أخرى أمر غير وارد، والثورة حدث ضخم وتسبقه العديد من المؤشرات لا أعتقد أنها متوفرة، صحيح إن كان هناك حالة من عدم الرضا لارتفاع تكاليف المعيشة على غالبية المواطنين، لكن هناك أملاً كبيراً فى تحسن الوضع، خاصة إذا تدفقت الاستثمارات الخارجية وانتعشت السياحة.. ■ ما تقييمك لإدارة النظام الحالى للملف الخارجى؟ - حظ مصر فى الملف الخارجى أفضل بكثير من الملف الداخلى، لأن لدينا جهازاً دبلوماسياً قوياً وعتيداً، والمبادئ العامة للسياسة الخارجية لم تتغير بتغيُر النظام السياسى منذ العهد الملكى. مصر مطالبة بمواجهة تحديات خارجية مهمة، مثل الملف الليبى ويجب أن تعمل بقوة على استقرار الأوضاع فى ليبيا لحماية الحدود من الإرهابيين، كما ينبغى دعم التطور الرائع الذى يشهده السودان حالياً بعد إسقاط حكم الإخوانى المستبد الرئيس السابق عمر البشير. أما ملف سد النهضة، فاعترف أن الصورة غير واضحة لى بعد، ولكن علينا اتباع كافة الطرق الدبلوماسية والسياسية والقانونية لحماية حقوق مصر فى مياه النيل، أما نغمة الحل العسكرى فهو كلام غير مسئول لأن هذه المسائل تُحل بالسياسة.