رئيس جامعة قناة السويس يستقبل الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف    وزير الخارجية الإيراني يغادر باكستان قبل وصول الوفد الأمريكي    مجموعات مسلحة تستولي علي القصر الحكومي في مالي وسط اضطرابات أمنية خطيرة    جيش الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنون يصعدون اعتداءاتهم بالضفة بالتزامن مع الانتخابات الفلسطينية    أوكرانيا وأذربيجان تتفقان على التعاون في مجال التسليح وخطط لتعزيز التجارة    وسط تصفيق حار، إصابة محمد صلاح واستبداله خلال لقاء ليفربول وكريستال بالاس    مدير الكرة بنادي الزمالك يزور "قطة" بعد إصابته في لقاء الزمالك وبيراميدز    تفاصيل اجتماع جوهر نبيل مع مجلس إدارة اتحاد الفروسية    الدوري المصري، تعادل سلبي بين حرس الحدود ودجلة في الشوط الأول    ضبط مصنعً بقنا والتحفظ على 22 ألف عبوة    ضبط عاطلين بحوزتهما كميات من مخدر الحشيش والهيدرو بسوهاج    الأرصاد الجوية تحذر من تقلبات مفاجئة في الطقس خلال الفترة المقبلة    ضبط 6 أشخاص في مشاجرة أمام مستشفى بالإسكندرية    البابا تواضروس يصل إلى تركيا    وزيرة التنمية المحلية تهنئ محافظة شمال سيناء بعيدها القومي    الثلاثاء.. انطلاق الحملة القومية للتحصين ضد الحمى القلاعية ببنى سويف    انطلاق مباراة برشلونة أمام خيتافي في الدوري الإسباني.. عودة ليفاندوفيسكي    منظمو الرحلات الأجانب: إيقاف الحرب يعيد رسم الخريطة السياحية عالميا    المصريين الأحرار: سيناء فى وجدان الدولة.. وخطاب الرئيس يرسم ملامح اليقين    استشهاد فلسطيني برصاص الاحتلال شمال قطاع غزة    وزيرة التنمية المحلية تعلن تنظيم ورشة عمل لمناقشة منظومة المتابعة والتقييم    بالأسماء| مصرع وإصابة 15 عاملاً في حادث تصادم ميكروباص ونقل بصحراوي الضبعة    الداخلية: ضبط متهم بالنصب الإلكتروني عبر بيع قطع غيار سيارات وهمية بالبحيرة    بسبب خلافات الجيرة.. ضبط 7 متهمين بالتعدي على موظف بالأسلحة البيضاء في الإسكندرية    بوسي شلبي تكشف حقيقة نقل ميرفت أمين للمستشفى    كورال ثقافة المنيا يحيي احتفالية عيد تحرير سيناء    أسعار الذهب مساء السبت 25 أبريل 2026    تداول 43 ألف طن و973 شاحنة بموانئ البحر الأحمر    حبس المتهم بقتل والده في أبوتشت بقنا 4 أيام على ذمة التحقيقات    خبير يكشف عن قفزة في أسعار العقارات بالعاصمة الجديدة    كوبي: ميليتاو سيخضع لجراحة جديدة ويغيب عن المونديال    اللواء محمد قشقوش يؤكد أن تنمية سيناء هي الضمانة الحقيقية للأمن القومي    رئيس قطاع المسرح يتابع العروض الفنية ويشهد عرض «أعراض انسحاب» بالإسكندرية    عالم أزهري يوضح الدروس المستفادة من قصة قوم عاد وعاقبة الطغيان في القرآن الكريم    برلمانيون: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى تحرير سيناء تؤكد ثوابت الدولة    ضربة قوية للريال والبرازيل.. جراحة طارئة لميليتاو فى الساق اليسرى    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير يعلن لجنة تحكيم مسابقة الأفلام العربية لنسخته ال12    اللواء خالد مجاور: سيناء لها أهمية استراتيجية بالغة وتشهد طفرة تنموية    رمضان عبد المعز: الدعاء هو العبادة.. والحمد لله أعظم كلمة تطمئن القلوب    مدير معهد جوستاف روسى بفرنسا يقدم منحة تدريبية للفائزين بمؤتمر الإيسكو    نائب مدير الرعاية الصحية بالإسماعيلية يجرى مرورا مفاجئا بالمجمع الطبي (صور)    علاجات طبيعية فعالة للتخلص من الشعور بالغثيان وتقلصات المعدة    تعرف على أسعار الفراخ في البورصة اليوم السبت 25 أبريل    حزب الوفد يواجه الحكومة بطلب إحاطة بسبب مناقشات القوانين    محافظ شمال سيناء: موقف مصر من غزة يعكس رؤية متزنة لحماية الأمن الإقليمي    نائب وزير الصحة تتفقد المنشآت الصحية بمحافظة البحيرة وتعقد اجتماعات موسعة    شاهد الآن بث مباشر.. مباراة ليفربول وكريستال بالاس في الدوري الإنجليزي    عماد السيد: ناصر منسي أفضل مهاجم في مصر.. وإمام عاشور كواليتي مختلف    قرينة السيسي في ذكري تحرير سيناء: نحيي تضحيات أبطالنا ونفخر باستعادة أرضنا الغالية    لا يوم نصفتينى ولا يوم عرفتينى.. شيرين عبد الوهاب تتصدر التريند بالحضن شوك    محافظ جنوب سيناء من دير سانت كاترين: أعمال التطوير تنفذ وفق رؤية متكاملة    السيدة انتصار السيسي: نفخر بتضحيات الأبطال في ذكرى تحرير سيناء    الرئيس السيسي: ذكرى تحرير سيناء لحظة فارقة فى تاريخ الوطن    بمشاركة ممثلي 200 مستشفى.. «الصحة» تعقد اجتماعا لرفع كفاءة الخدمات الطبية    محمود يس جونيور: مشهدي مع الطفلة الأصعب في "وننسى إللي كان"    خطبة الجمعة من مسجد المشير: تحرير سيناء ملحمة وطن وعقيدة لا تُنسى    بسم الله أرقيك يا وطنى    مختار جمعة: إحياء النفس لا يقتصر على الحياة المادية بل يشمل كل صور الحماية والرعاية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موقف السيدة «خديجة» من الوحي
نشر في الفجر يوم 23 - 03 - 2016


عودته صلى الله عليه وسلم إلى خديجة:
عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته وهو خائف للغاية، فكان أول ما فعله أن جلس إلى جوار خديجة بنت خويلد رضي الله عنها؛ بل إنه اقترب بها ليسكن فؤاده، كما تقول الرواية: "فَجَلَسْتُ إلَى فَخِذِهَا مُضِيفًا إلَيْهَا". أي ملتصقًا بها يطلب الأمان صلى الله عليه وسلم، وحكى لها كل شيء، مع خطورة الحدث الذي مرَّ به. حكى لها تفصيلات الرؤيا، وحكى لها كذلك ما رآه من جبريل وهو يقف في السماء، وحكى لها أنه قد صرح له أنه رسول الله، وعرَّف نفسه أنه جبريل.
ويلفت النظر هنا أمران؛ وأنا أعتقد أن هذين الأمرين هما من أهم أعمدة الأسرة الناجحة، ومن أهم موجبات السعادة الزوجية:
أما الأمر الأول فهو أن الزوجة خديجة رضي الله عنها تحقق أهم أعمال المرأة قاطبة، وهي أن تكون سكنًا لزوجها، وراحة لقلبه، وأمانًا لكيانه، وخاصة عند الأزمات الكبرى، وقد ذكر ربنا عز وجل هذا الأمر في كتابه الكريم عندما قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]. فجعل مهمَّة الزوجة الأولى أن تُسَكِّن زوجها {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}، وكرر سبحانه المعنى نفسه في سورة الأعراف عندما قال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189].
ففي هاتين الآيتين ذكر الله عز وجل أن مهمَّة الزوجة الأولى هي تسكين الزوج؛ خاصة أن الأزواج يعملون في خارج البيوت، وتقابلهم الأزمات الكثيرة، ويعملون في الجهاد في سبيل الله، وكذلك في الدعوة إلى الله عز وجل، ويكتسبون المعاش، ويمرُّون بأمور صعبة كثيرة، فيحتاجون إلى تسكين الأفئدة حتى يستطيعوا بعد ذلك إكمال مشوارهم في الحياة بشكل طبيعي وهادئ، والموقف الذي بين أيدينا في السيرة الآن هو حالة مثالية لتوصيف هذا الأمر؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو في هذه الحالة المرتعبة لم يُفَكِّر في أن يذهب إلى أحد أصدقائه، كأبي بكر رضي الله عنه أو غيره من أصحابه في مكة، وهم كُثُر -لا شك- ولم يُفَكِّر في أن يذهب إلى حكيم من حكماء القوم يستفسر منه عن طبيعة هذا الأمر، ولم يذهب حتى إلى عمِّه أبي طالب الذي ربَّاه وآواه، أو عمِّه أبي لهب، أو غيرهما من أعمامه، إنما ذهب في الحقيقة لمن "يُسَكِّن" له خوفه، فهذا من أكبر أسباب تكوين الأسرة الناجحة؛ أن تكون المرأة سكنًا لزوجها في البيت.
وأما الأمر الثاني فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كزوج- يُخبر زوجته بهمومه ومشكلاته كلها، ولا يعزلها عن حياته، بل يحكي لها أدقَّ التفصيلات، ويأخذ رأيها، ويستعين بمشورتها، ويستجيب لتأييدها، ويُشاركها في كل همومه وأفكاره وطموحاته وآماله، وهذا مما يسهم -ولا شك- في سعادة البيت، وفي قوة الأسرة، وأنا أعتقد أنه لو تحقق هذان الأمران لسعدت البيوت كثيرًا.
رد فعل خديجة رضي الله عنها:
نعود إلى موقف رسولنا صلى الله عليه وسلم بعد أن حكى لزوجته كل شيء عن الرؤيا والملك، والتصريح أنه رسول الله، لننظر ماذا فعلت خديجة رضي الله عنها بعد أن سمعت هذه الكلمات العجيبة.
الحقُّ أن ردَّ فعل خديجة رضي الله عنها كان عجيبًا جدًّا، فقد قالت له بمنتهى الثبات: "أَبْشِرْ يَا ابْنَ عَمِّ وَاثْبُتْ فَوَالَّذِي نَفْسُ خَدِيجَةَ بِيَدِهِ! إنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الأُمَّةِ".
جميلٌ أن تُبَشِّره في موقف يحزن فيه، وجميلٌ أن تُثبِّته في موقف يضطرب فيه، لكن الأجمل والأعجب ما قالته: "إنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الأُمَّةِ"! والواقع أننا نُريد أن نقف مع هذه الكلمة وقفات؛ فهذا يدلُّ على أن خديجة رضي الله عنها كانت تعرف أن هناك رسولاً سيُبعث في هذه الأيام، وكانت -لا شك- تتمنَّى أن يكون هذا الرسول هو زوجها، وهذا واضح في كلمتها: "إنِّي لأَرْجُو". بل إنها على الأغلب كانت تشعر أن زوجها سيكون هذا الرسول؛ فالأمر عندها ليس مجرَّد أمنيات، ولكنه شيء مبني على أدلَّة ووقائع.
الذي يدعونا لهذا التوقُّع من خديجة رضي الله عنها أن هناك خلفيات لهذا الأمر؛ منها ما رواه ابن إسحاق في المبتدأ، ونقله عنه ابن سعد وغيره، عندما قال: "كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد، فاجتمعن يومًا فيه، فجاءهن يهودي فقال: يا معشر نساء قريش إنه يوشك أن يكون فيكن نبي، فأيكن استطاعت أن تكون فِراشًا له فلتفعل. فحصبه النساء وقبَّحنه وأغلظن له، وأغضت (سكتت) خديجة على قوله، ولم تعرض فيما عرض فيه النساء، ووقر ذلك في نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات، وما رأته هي، قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقًّا ما ذلك إلا هذا".
فهذه الرواية تذكر فيها خديجة رضي الله عنه أنه قد جاءهم يهودي في شبابها، وأنبأهم أنه سيبعث في هذا المكان نبي، وأن التي ستتزوَّج هذا النبي سيكون لها شرف هذا الزواج وعظمته، والحق أن الرواية -وإن كانت ضعيفة السند- فإنه لا يُستبعد أن تكون صحيحة؛ لأننا نعلم من روايات صحيحة أن اليهود كانوا يعرفون أن مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون في مكة. فعن كعب قال: نَجِدُهُ مَكْتُوبًا في التوراة: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لاَ فَظًّا وَلاَ غَلِيظًا، وَلاَ صَخَّابًا (الصخب الصياح والجلبة وشدة الصوت واختلاطه) بِالأَسْوَاقِ، وَلاَ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يُكَبِّرُونَ اللهَ عز وجل عَلَى كُلِّ نَجْدٍ، وَيَحْمَدُونَهُ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّئُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِي فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ، وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلاَةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ".
فسواء كانت قصة اليهودي صحيحة أو غير صحيحة، فمعنى ذلك أن اليهود كانوا يعرفون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيظهر في مكة المكرمة، وبالتالي قد يكون أحد اليهود قد أخبر بالفعل نساء مكة بهذا الأمر، وكانت خديجة رضي الله عنها متوقِّعَة هذا الظهور.
وقد أشارت الرواية –أيضًا- إلى شيء آخر؛ هو ما تعلَّق بأمر ميسرة غلام خديجة رضي الله عنها، مع العلم أن قصته كذلك ليست ثابتة في الصحيح، ولكنها اشتهرت في كتب السيرة ولعلَّ لها خلفية ما، وخاصة أن هناك علاماتٍ كثيرةً كانت مع رسولنا صلى الله عليه وسلم في فترة شبابه تُشير إلى أنه ليس إنسانًا عاديًّا كبقية الناس. ويمكن أن نُضيف إلى ذلك احتمال سماع خديجة رضي الله عنها من ابن عمِّها ورقة شيئًا يدلُّ على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من المحتمل أن يكون بعد ذلك رسول الله، ويُؤيد ذلك رواية أحمد، التي مرَّت بنا قبل ذلك، وقال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها: "إِنِّي أَرَى ضَوْءًا، وَأَسْمَعُ صَوْتًا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ". قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللهِ. ثُمَّ أَتَتْ ورقة بن نوفل، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُ صَادِقًا، فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى، فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيُّ، فَسَأُعَزِّرُهُ، وَأَنْصُرُهُ، وَأُومِنُ بِهِ.
فهذه الرواية تصف موقفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء شبابه قبل موضوع الرؤيا الصادقة، وقبل موضوع الوحي؛ فهي تحكي موقفًا مبكِّرًا سمعت فيه خديجة رضي الله عنها أنه من المحتمل أن يكون الذي يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمعه هو علامات مثل علامات ظهور جبريل للأنبياء.
هذه كلها خلفيات كانت في ذهنها، وأنا أعتقد أنها فعلاً كانت تتوقَّع ظهور النبي؛ لأنها تتعامل مع الموقف بسلاسة عجيبة، ولم تقل له مثلاً: وماذا يعني: "رسول الله؟". ولم تقل له: وهل يُرسل الله رسولاً من البشر للناس؟ ولم تقل له: ومن هو جبريل؟ ولم تضع احتمالاً أن يكون الأمر مجرَّد أوهام، ولم تفزع قطُّ، مع أن كل هذه علامات عجيبة، نعم خديجة رضي الله عنها امرأة كاملة، وسيدة عظيمة، لكن هذه القضايا التي يتكلَّم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قضايا علمية، تحتاج إلى دليل، أو إلى توقُّع، حتى يمكن أن تُفْهَم على الشكل السليم.
إن كونها لم تسأل كل هذه الأسئلة، ولم تستفسر استفسارًا يُوَضِّح لها الفهم الصحيح للقصة، كل هذا يدلُّ على أن عندها خلفية ما عن هذا الأمر، وتوقُّع له؛ ومن ثَمَّ انطلقت بمنتهى الوضوح تقول: "إنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَبِيَّ هَذِهِ الأُمَّةِ".
والدليل الأكبر لكونها كانت تتوقَّع أن يظهر نبي في هذا الزمن، هو ذهابها بعد ذلك إلى ورقة بالتحديد، فغالبًا ورقة هو الذي كان يتحدَّث عن هذا النبي، وقساوسة الشام النصارى كانوا يعرفون أن النبي سيظهر في هذا الوقت، وظهر ذلك في كلام القسيس الذي تكلم معه سلمان الفارسي رضي الله عنه قبل ذلك، فهذا يعني أنه كان مشتهرًا بين رجال الدين النصارى -وكان ورقة منهم- أن هناك نبيًّا سيظهر في هذا التوقيت.
ثم إنها رضي الله عنها سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فترة طفولته وشبابه بعض الأحداث، التي لا تحدث مع البشر العاديين؛ كشقِّ الصدر، وكسلام الحجر عليه، وكندائه من قبل السماء غير مرَّة، مما يُعطي الانطباع أنه ليس كعامة أهل مكة، بل ليس كعامة الناس أجمعين.
وأيضًا رأت رضي الله عنها من أخلاقه ما لا يتحلَّى به إنسان آخر أبدًا، ولقد وصفت الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه يصل الرحم ويحمل الكل .. إلى آخر وصفها، الذي يدلُّ على أن هذه الصفات مجتمعة لم تكن موجودة في أحد الرجال في أهل مكة.
إن سرعة إيمان خديجة بما سمعته يُؤَكِّد أنها كانت تتوقَّع الأمر؛ لأنها لم تسأل عن تفصيلات قطُّ، مع أنها لم ترَ حتى هذه اللحظة معجزاتٍ بعدُ تجعلها تطمئنُّ، يُظَلِّل كل ذلك أنها تتعامل مع الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكذب في حياته قط؛ ومن ثَمَّ كان كلامه لا يحتاج إلى أي دليل آخر لإثباته.
ذهاب خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بمفردها:
ذهبت خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل، فأخبرته خديجة رضي الله عنها بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ورقة بن نوفل دون تردد: "قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، وَالَّذِي نَفْسُ وَرَقَةَ بِيَدِهِ! لَئِنْ كُنْتِ صَدَّقْتِينِي يَا خَدِيجَةُ لَقَدْ جَاءَهُ النَّامُوسُ الأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى، وَإِنَّهُ لَنَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ فَقَوْلِي لَهُ فَلْيَثْبُتْ". كان ردُّ فعل ورقة حاسمًا وواضحًا، ولم يتردَّد في إبداء رأيه في أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول هذه الأُمَّة.
ولنا ملاحظات على ردِّ فعل ورقة بن نوفل:
أولاً: لم يقل ورقة: لئن كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم قد صدق. إنما قال: لئن كنتِ صدقتيني يا خديجة. لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم عنده فوق الشبهات، مع أن الذي يرويه محمد صلى الله عليه وسلم ابتداءً أعجب من الذي تنقله خديجة؛ لكنه لم يشك في الكلام العجيب لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إنما شكَّ في أن يكون النقل عنه غير دقيق، وهذا يُذَكِّرنا بالموقف المشهور للصديق رضي الله عنه في الإسراء عندما قال: "لئن كان قال ذلك لقد صدق".
ثانيًا: يذكر ورقة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيكون نبي هذه الأمَّة، والأمَّة في تعريف ورقة قد يكون المقصود بها العرب؛ لما قد يكون موجودًا في التوراة والإنجيل من دلالات وعلامات للنبي المنتظر، وفي أنه يخرج في هذه الأُمَّة العربية، وقد يكون المقصود بالأمَّة العالم أجمع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العالمين، والعالم جميعًا أمَّته؛ إما أمَّة إجابة، وهي التي استجابت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي المسلمين، وإما أمَّة دعوة، وهم الذين لم يستجيبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتوجَّه إليهم دومًا بالدعوة والرسالة؛ فهو الرسول الخاتم، ومن المؤكَّد أن ورقة يعلم من كتبه أن هذا هو الرسول الأخير في تاريخ الدنيا.
ثالثًا: عَرَّفَ ورقةُ بن نوفل الرجلَ الذي جاء محمدًا صلى الله عليه وسلم في الغار في رؤياه أنه الناموس الأكبر، والناموس هو صاحب السرِّ؛ فالله عز وجل يُطلع جبريل عليه السلام على سرٍّ لا يُطلع غيره عليه؛ وهو سرُّ الوحي: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 26، 27]. فعَرَّف بذلك جبريل عليه السلام على أنه المَلك الرسول، الذي يأتي من قِبَلِ ربِّ العالمين للأنبياء؛ لكنه أشار أنه الناموس الذي كان يأتي موسى عليه السلام، ولم يقل: الذي كان يأتي عيسى عليه السلام، مع أنه نصراني؛ وذلك من المحتمل لأن الشريعة الرئيسية للنصارى هي شريعة اليهود في الواقع مع بعض التعديلات التي جاء بها عيسى عليه السلام؛ وذلك مصداقًا لقوله عز وجل على لسان عيسى ابن مريم: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50]. فموسى عليه السلام هو صاحب الشريعة الرئيسية التي يرتبط بها جمهور النصارى بشكل عام، مع بعض الأمور التي جاء بها عيسى عليه السلام في الشريعة الجديدة، وهكذا صارت التوراة هي العهد القديم بالنسبة إلى النصارى؛ بينما الإنجيل هو العهد الجديد لهم، وكلا الكتابين مقدَّس عندهم، ومن المحتمل أن يكون ورقة قد ذكر موسى عليه السلام لأنه أول أنبياء بني إسرائيل بشكل عام، وعيسى كذلك من أنبياء بني إسرائيل، وكل مَنْ جاء من بعد موسى عليه السلام فهو على دينه، وأخيرًا من المحتمل أن يكون ورقة قد قال ذلك لأن اليهود والنصارى جميعًا يؤمنون بموسى عليه السلام؛ بينما لا يؤمن اليهود بعيسى عليه السلام؛ فيكون قول ورقة بن نوفل جامعًا لليهود والنصارى؛ أي لأهل الكتاب، في أنهم جميعًا يؤمنون بجبريل الذي أتى موسى عليه السلام.
رابعًا: في تعليقنا على ردِّ فعل ورقة بن نوفل هو أنه لم يتردَّد ولا لحظة في إبداء رأيه، وفي هذا دلالة على أمور؛ منها أنه كان في الأغلب يتوقَّع ظهور النبي الآن، ويتوقَّع ظهوره في هذه البلدة تحديدًا، ولا شكَّ أن عنده من العلم ما يُعطيه هذا التأكُّد؛ خاصة أنه ردَّ على خديجة بمنتهى الثبات، ولم يشك في كون النبي يُبعث في هذا البلد، ومنها كذلك أنه كان يُلاحِظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم علامات معينة، وبالتالي لم يظهر عجبه أن جاءت النبوة إليه، ولم تجئ إلى غيره، ولعلَّ ما سألت عنه خديجة رضي الله عنها قبل ذلك بشهور أو سنوات عندما سألته عن الضوء والصوت الذي يراه ويسمعه محمد صلى الله عليه وسلم، فعلَّق على ذلك أنه من المحتمل أن يكون نبي هذه الأمَّة، ولما جاءت العلامات المؤكِّدة من لقائه بالناموس الأكبر -وإن كانت في رؤيا- فإن ورقة بن نوفل أظهر إيمانه الجازم بأن هذا هو رسول هذه الأمَّة، ومنها كذلك أنه كان متجرِّدًا مخلصًا لا يطمع في شيء لنفسه؛ ولذلك أعلنها صريحة، بل سيُعلن بعد ذلك أنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إيمانه، وسوف يدعمه بكل ما أوتي من قوة إن أبقى الله عز وجل فيه حياة.
كان هذا هو موقف ورقة بن نوفل رحمه الله؛ وهو من المواقف المشرفة في تاريخ السيرة النبوية.
عودة خديجة إلى زوجها صلى الله عليه وسلم:
عادت خديجة رضي الله عنها إلى زوجها صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بما قاله ورقة بن نوفل، ولا شكَّ أن هذا الكلام قد وقع منه موقعًا كبيرًا؛ فالآن محمد صلى الله عليه وسلم يتوقَّع بنسبة كبيرة جدًّا أن يكون هو نبي هذه الأُمَّة، ليس هذا على وجه اليقين عنده، ولكن كثرت الدلائل؛ منها:
أولاً: الأمور الغريبة التي حدثت في حياته قبل ذلك؛ مثل شق الصدر، وسلام الحجر، والرؤيا الصادقة، ومنها الكلمات التي قالها الرجل في المنام، وهي ليست من كلمات البشر، ومنها الرجل الذي وقف في السماء في كل الاتجاهات، وهو وقوف عجيب لا يمكن لأحد من البشر أن يفعله، ومنها تصريحه بالرسالة له عندما قال له: أنت محمد رسول الله وأنا جبريل. وأخيرًا منها كلام ورقة بن نوفل، والتأكيد الذي ذكر به الأمر، وعدم التردُّد فيه، وذِكْر أن ذلك في كتب التوراة والإنجيل.
عندما وصل هذا الانطباع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قرَّر أن يُكْمِل جواره أو اعتكافه في غار حراء؛ ومن ثَمَّ عاد إلى هناك، وعودة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء تُعطي الانطباع أنه صار مُصدِّقًا للأمر، ولم يَعُدْ خائفًا منه؛ لأن الرعب لو كان يغلب عليه ما عاد إلى حراء ثانية؛ ولكنه عاد على أمل أن يلقى جبريل عليه السلام على الحقيقة كما جاء في رؤياه؛ لأنه تعوَّد في الشهور الستة الأخيرة أن تتحقَّق رؤياه، وتأتي كفلق الصبح كما ذكرت عائشة رضي الله عنها في روايتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.