الصراعات العرقية فى أمريكا تسيطر على أجواء الفيلم يبحث المخرج كوينتن تارنتينو دائما عن الصعب، يملك أسلوبا ومدرسة مختلفة متأثرة بأفلام الفيديو ذات الخدع السينمائية الرخيصة والدماء الغزيرة ومشاهد المعارك المستمرة، صنع مما يراه البعض سينما استهلاكية، لونا جديدا ومدرسة سينمائية لها قواعدها وعالمها المستقل تماما، ولم يكتف بهذا الصعب فقط بل قدم فى فيلمه الثامن "The Hateful Eight" معارضة سينمائية لفيلم الراحل سيدنى لوميت "12 Angry Men" والذى يعد من أهم الأفلام التى تتناول الصراع فى مكان مغلق محدد واعتماد مطلق على الحوار والكاميرا فى كسر الرتابه التى قد يسببها وحدة المكان والوجوه طول مده عرضه. فى الوقت الذى صنع فيه لوميت أول أفلامه للسينما عام 1957 وهو فيلم صعب فى التقبل عند معرفة أن احداثه تركز على 12 رجل يتداولون فى غرفه مغلقة لتحديد مصير شاب بلا أى وجود لعنصر نسائى فى الأحداث، خرج فيلما عامرا بلغة سينمائية فى اختيار حجم اللقطات وحوار ثرى يدعم الإثارة والترقب وكأنه خطوات تصاعدية للحل والحرية للإثنى عشر رجلا والشاب، وهو نفس خيار تارنتينو أيضا فى فيلمه الأخير فيلم يتخلى عن أهمية عنصر الحوار ولا الصورة فى المشاركة بكسر حالة الملل فى فيلم تدور أحداثه فى 167 دقيقة تقريبا فى مكانين مغلقين فى البداية عربة تجرها 6 خيول، ثم فى استراحة على الطريق، ولم يخلو الفيلم من إسقاط تاريخى كعادته فى معظم أفلامه، هذه المرة على الحرب الأهلية بكل ما تحمله من شقاق فى الرؤى الاقتصادية بين الشمال والجنوب فى القارة الأمريكية وما تتضمنه من صراع بين أصحاب البشرة السمراء والبيضاء فى الباطن، وفى الظاهر هو توثيق جديد لشكل الحياة فى الولاياتالمتحدة بعد الحرب حيث مبدأ القوة يعلو فوق كل شىء. لن يسمح تارنتينو بالتقاط الأنفاس أثناء متابعة الفيلم، ببساطة قسم الفيلم ل 6 فصول كل منها يمكن اعتباره وحدة منفصلة وفى نفس الوقت هو جزء من اللغز الذى تحل تفاصيله واحدة تلو الأخرى، أيضا قسم الحوار طوال الوقت إلى ثنائيات وكأننا أمام مواجهات على طريقة الغرب القديم لكن بدلا من المسدسات تأتى كلمات قد تكون أحيانا أمضى من الرصاص، حجم اللقطات فى المعظم يأتى بين المتوسط والكبير ولهذا أثره أيضا فى متابعة أكبر قدر من التفاصيل خاصة أننا أمام لغز وجو من الترقب لخطر غير معلوم طوال الوقت. الشخصيات الرئيسية فى الفيلم مقسمة أيضا سواء حسب العرق أو الانتماء السياسى والانحياز الاقتصادى، يخدم هذا التقسيم اللهجة والملابس، وكلها مفاتيح وإسقاط مباشر على التركيبة الاجتماعية الأمريكية وقتها، والتى كان أفرادها يتصارعون فيما بينهم بعد القضاء على قوة سكان القارة الأصليين من الهنود، الكل ينتمى لعصابة وكلهم يرتكزون على القوة المميتة والفيصل دائما هو مدى قانونيتها، العنف واللون الأحمر والشك ملازم دائم لكل الأفعال والتصرفات والذكاء دوما فى فعل ما تريد حسب القواعد، كلها نقاط أيضا لا يمكن فصلها عن المجتمع الأمريكى فى صورته الحالية مازال العداء والكراهية بين الفصائل موجود لكن القانون يحكمها بقوة. العنصر النسائى الرئيسى فى الفيلم هو ديزى دوميرجو (جينفر جيسون لى) والتى يبدو دورها غير فاعل فهى موجودة فقط لتلقى الإهانات والضربات وتسليمها لحبل المشنقة، لكن مع اقتراب النهاية تصبح هى السبب والعلة، وتقدم جينفر أداء متفردا على الرغم من أن معظم مشاهدها بوجه ملئ بالدماء ومنفر، وعلى الرغم من كونها حديثة العهد بعالم تارنتينو السينمائى وحولها من الممثلين من عملوا معه أكثر من مرة ومنهم أصدقاء مقربين إلا أن التناغم بدا واضحا بين الجميع مهما كانت المهام ثقيلة بسبب عوامل خارجية يفرضها العمل تنقص من أدوات الممثلين، الدماء فى حالة جينفر على سبيل المثال، ملابس وماكياج ماركورس وارن (صامويل ال جاكسون) وبوب (داميان بايشر)، محدودية حركة ساندى سميثرس (بروس ديرن) الذى لم يفارق كرسيه تقريبا وجهه وصوته فقط هما أدوات تعبيره القادر على استعمالهما. كالعادة أيضا يلهو تارنتينو بالتاريخ كما يهوى فى أفلامه لعل قتل هتلر فى فيلم "Inglourious Basterds" يعد من أشهر تدخلاته فى التاريخ، فى آخر أفلامه وضع خطأ تأريخى مقصود، فما بين ممثل جيش الشمال الرائد ماركوس، وممثل جيش الجنوب اللواء ساندى عداء بسبب تورط الأخير فى قتل عدد من الأفرو أمريكيين من جيش الشمال بعد وقوعهم أسرى فى يد جيش الجنوب أثناء معركة باتون روج عام 1862، رغم أن أول معركة كبرى شاركت فيها قوات أفرو أمريكية نظامية كانت عام 1863.