أجبرتهم الظروف القاسية نتيجة الحروب والفقر والإرهاب داخل وطنهم إلى اتخاذ طريق الموت سبيلاً إملاً في بناء غد أفضل لأسرهم وذويهم.. هم المهاجرون غير الشرعيون، خلقهم الواقع نتيجة الإرهاب والحرب والفقر، متجهين إلى مصر لكي تكون نقطة الأمل التي سينطلقون منها إلى أوربا، تاركين وراء ظهورهم آمال قد سلبها تنظيم داعش الإرهابي في العراق، والفقر في السودان، والحرب في سوريا، متخذين من محافظة الإسكندرية نقطة البداية، وبداية رحلة الموت عبر سواحل المدينة الواسعة إلى أوروبا. أكثر من 21 يوما خارج الحدود الأقليمية، والأسبوع الأخير كان "أسبوع الموت" لأكثر من 227 مهاجراً غير شرعياً بعدد 150 مصريًا و42 سودانيًا و4 فلسطينيين و23 سوريًا، يروون تفاصيلها إلى "الفجر" التي التقتهم بمقر حجزهم بمركز شباب الأنفوشي بدائرة قسم الجمرك بالإسكندرية.
يروي علي عبد الحميد، من بلدة تكريت بالعراق، تفاصيل رحلتهم المشؤومة والفاشلة إلى أوروبا، قائلاً: "أنا من بلدة تكريت بالعراق تحديداً في صلاح الدين بلدة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مقيم في مصر منذ عشرة سنوات، وتخرجت من كلية طب بشري جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا في 6أكتوبر بالقاهرة، ومتزوج ولدي طفلين، وبعد تخرجي من كلية الطب لم أجد عملا بالقاهرة، ولا يمكنني العودة إلى العراق لأن والدي كان فريق أول في جيش صدام حسين، وتم إعدامه رمياً بالرصاص في 2011 من قبل الجيش العراقي، لأنه من جيش صدام، وإذا رجعت إلى بلدتي سيقتلونني، وأهلي قد هاجروا من العراق في عام 2003إلى بيروت".
وأضاف، ل"الفجر": "أهلي أخذوا يصرفون علي أنا وعائلتي طوال فترة دراستي، ولم أجد عمل يجعلني قادراً على الحياة في مصر، إضافة إلى تقلب الأوضاع السياسية وأحداث الثورة داخل مصر، قد جعلت الأوضاع متأزمة، ومن خلال معارف توصلت إلى أصحاب مراكب للهجرة غير الشرعية في الإسكندرية، وقائد المركب يدعى "نزار"، اتفقنا معه على ألفين دولار مقابل هجرتنا إلى الخارج".
وتابع ابن بلدة "تكريت العراقية": "قائد المركب قام بتأجير شقة لنا بمنطقة سيدي بشر، وتم الاتفاق معه على ميعاد الرحلة، ونذهب مجموعات مكونة من أربعة أشخاص في عربة ميكروباص دون اصطحاب الشنط والأغراض الخاصة، على أن يقوم بإرسالها لنا فيما بعد على القارب، حتى لا تشك الأجهزة الأمنية في أننا مهاجرون غير شرعيون".
وواصل، قائلًا: "كان ميعاد الرحلة الساعة السادسة إلا ربع فجراً داخل قارب بشاطئ أبو قير، وكان تحرك القارب في الخفاء حتى وصل بنا إلى بعد حدود المياه الأقليمية، وكان يحاول التحرك بعيداً عن خفر السواحل، وبعد 6ساعات في حدود الساعة الثانية عشر ونصف مساءاً، وصل القارب إلى السفينة الكبرى التي ستحمل جميع الرحلات ل227 مهاجراً، حيث تم تسفيرنا على دفعات من القارب إلى السفينة الكبرى، وانتظرت كل دفعة بنحو 15-20 يوم داخل السفينة"، لافتًا إلى أنه "بعد ثلاثين ساعة من الإبحار داخل المياه والوصول إلى حدود مياه ليبيا تعطلت السفينة ونفذ البنزين والسولار داخل المركب وتوقفت عن العمل تماماً".
وأكد قائلًا: "شعرنا وقتها بالخوف والرعب على مصيرنا، وحدثت مشاجرات مع طاقم المركب، وفي أخر أسبوع نفذ الطعام والشراب داخل السفينة، وطلبنا من طاقم المركب أن يرجعنا مرة أخرى، فقاموا بإشهار السكاكين والسيوف علينا، وطلبوا مننا السكوت، فعرضنا عليهم العودة وتركنا نستغيث بحرس الحدود، إلا أنهم قاموا بقذفنا بالسباب ورفع السلاح علينا".
وأضاف: "قضينا أسبوع كامل دون أكل أو شرب وكنا نشرب من مياه البحر، والأطفال يصرخون وكنا نصرخ معهم من كثرة العطش، ونقوم بخلع ملابسنا ومحاولة لفت أنظار أية سفينة أو قوات الحدود على بعد الأميال، وكنا في الظلام الدامس نضئ كشافات الموبيلات لإرسال أية استغاثات، وأصبنا جميعا بفجعية كبرى عندما مات أحد الأطفال يبلغ من العمر سنتين ونصف ويدعى "إسامة محمود الحداد" كان برفقه أمه وأبه وأخوه الصغير، داخل القارب كمداً من العطش والجوع، حيث توفى خلال الأربعة أيام من الأسبوع الأخير، حتى تعفن داخل المركب، وتم وضعه فوق المركب لإبعاد رائحته عنا".
وأوضح أنهم "بعد فقدانهم الأمل وفقد طاقم المركب في النجاة سوياً، "طلبوا مننا دفع لهم 100ألف جنيه لإعادتهم مرة أخرى إلى الشاطئ، ونقوم بالاتصال بأسرنا ومطالبتهم بتجهيز المبلغ، فتحولوا من طاقم مركب وعدنا بالهجرة لإيطاليا، إلى مافيا يبتزون أرواحنا بالأموال، ولكن في تمام الساعة الثامنة ونصف مساءاً من اليوم الأخير وجدنا قاربين على بعد، يسطعان الكشافات على وجوهنا، وقاموا باللف حول المركب الخاصة بنا، وعند القرب مننا وجدنا قوات حرس الحدود، وتم على الفور التهليل والتكبير لوصول طوق النجاة لنا، وطالبنهم بإحضار المياه لنا".
وشدد على أن "قوات حرس الحدود والأجهزة الأمنية لم تقصر معنا، وقاموا بسحب النساء والأطفال الأول برفق، وتزويدنا جميعاً بالمياه والأكل، وفي خلال 3ساعات عدنا إلى بر مياه أبو قير بالإسكندرية، وتم وضعنا داخل مركز شباب الأنفوشي في حدود الساعة الخامسة فجراُ"، لافتًا إلى أن "جميع الناجين من الموت يعرفون جيداً أن ما فعلوه في حق أنفسهم، من اتخاذ طريق الهجرة غير الشرعية السبيل لإنقاذ مستقبلهم، خطأ كبير، لكن الظروف القاسية هي التي أجبرتهم"، قائلاً: "أقسم بالله العظيم تقدمت بوظائف عدة إلى جميع السفارات، ولكن رفُضت لأن أوراق أطفالي غير مستوفاة، فالأطفال لدينا في العراق يجب إصدار لهم بطاقة شخصية مثل الكبار، وقوات داعش سيطرت على مكاتب البطاقات بالعراق، ووجدت جميع الطرق مسدودة، ولم أجد غير ذلك الطريق".
فيما قالت نغم رزق الله، من العاصمة العراقيةبغداد: "أنا أم لدي ولدين، الأول 22 سنة والأخر 19 سنة، خسرت منزلي وعملي في العراق وزوجي مشلول بسبب الحروب، ولا أجد أي شئ أملكه يجعلني ابقى في العراق.. أريد حياة أفضل لأولادي وأنقذهم من مصائب الحرب، ومن خلال وسطاء ومعارف توصلت إلى وجود قائمين على الهجرة غير الشرعية بالإسكندرية، بعدما خرجت من بغداد في رحلة إلى تركيا ومنها إلى الإسكندرية، ودفعت ألفين دولار لطاقم المركب الذي اتفق معنا على وصولنا إلى إيطاليا، فقد وجدت أنه الطريق الأفضل لحياتي مع أبنائي، لكن الرحلة لم تكن سهلة أبداً".
وأردفت السيدة العراقية، قائلة: "رأينا الموت جميعاً بأعيننا، ولكني لم أخف من مصيري لأن لدي هدف محدد هو بداية حياتي في أوروبا، لكننا تفاجأنا بنفاذ السولار بالمركب والأكل في منتصف الرحلة على الحدود الليبيبة، ورجوع المركب إلى محافظة مطروح نتيجة ظروف الطقس"، مؤكدة أن "ظهور حرس الحدود كان لنا بالفعل طوق النجاة".
وشددت على أن السلطات الأمنية بمحافظة الإسكندرية أكرمتهم جيداً ووفرت لهم الأكل والمأوى ولم تقصر معهم، قائلة: "إن ابنها الأول مريض بالسكر، ويتم كل ليلة حضور الأنسولين والأبرة لمعالجته، لكني طلبت بسرعة إنهاء الإجراءات القانونية وترحيلهم إلى بلدهم"، منوهة في ذات الوقت: "لو عادت بي الأيام مرة أخرى لن أقوم فعلاً بالهجرة غير الشرعية، فقد كتب الله لنا عمر جديد، ولكني مصرة على السفر إلى الخارج لكن بطرق شرعية".
أما فيصل إبراهيم، من إقليم دارفور بالسودان، أوضح أنه دخل إلى مصر خلال رحلة سياحية وتأشيرة يوم 11 سبتمبر، مشيرًا إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة في إقليم دارفور هي التي دفعته في التفكير بهجرة غير شرعية، حيث إنه كان يعمل موظفاً في الحكومة السودانية بأجر 100 دولار شهرياً، ولديه أسرة مكونة من زوجة وثلاثة أطفال، وتوصل من خلال وسطاء إلى القائمين على الهجرة غير الشرعية.
وكانت قوات حرس الحدود بأبي قير، أحبطت محاولة هروبهم، في هجرة غير شرعية، عبر الإسكندرية، وهم 150 مصريًا و42 سودانيًا و4 فلسطينيين و23 سوريًا، على أن يخصص أماكن حجز للسيدات منفصلة تماما عن أماكن حجز الرجال، على أن يتوفر بجميع غرف الحجز المياه والكهرباء ودورات المياه والأغطية المناسبة لهم، وتدبير جميع الوجبات لهم، بعدما أمر اللواء طارق مهدي، محافظ الإسكندرية، بتوفير مركز شباب الأنفوشي، ليكون مكان لحجز 227 شخصًا حاولوا الهجرة بطريقة غير شرعية.