مدبولي خلال لقائه البابا تواضروس.. الأوضاع في مصر أفضل بكثير من ذي قبل    موعد إجازة عيد الميلاد المجيد 2026    وزارة الاتصالات: بناء القدرات الرقمية ل 500 ألف متدرب في مصر خلال 2024/2025    من هي ديلسي رودريجيز التي قد تحل محل مادورو؟.. (بروفايل)    الداخلية تضبط مخالفين حاولوا التأثير على الناخبين في جولة الإعادة | صور    إحالة أوراق قاتل عمه إلي فضيلة المفتي بقنا    محافظ البحيرة: إقبال كثيف من الناخبين يؤكد وعي المواطنين بأهمية المشاركة    صور| الطماطم ب10 جنيهات والسمك ب25 جنيها.. منافذ مخفضة بالوادي الجديد    نائب رئيس الوزراء يتفقد أعمال تنفيذ الخط الرابع لمترو الأنفاق.. صور    مبيعات عربية وأجنبية تهبط بمؤشرات البورصة بمنتصف تعاملات جلسة الأحد    مسئولو "جهاز العاصمة الجديدة" يتفقدون روافع الصرف الصحى ومياه الشرب داخل المدينة    عاجل/ سعر الدولار الأمريكي بمنتصف تعاملات اليوم الأحد 4 يناير 2026    رئيس جامعة المنصورة: قفزات نوعية في التصنيفات العالمية    وزير الدفاع الأمريكي: واشنطن عادت.. ومادورو اعتقل بطريقة منسقة وجريئة    ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71 ألفا و386 شهيدا    جواسيس ونسخة طبق الأصل من منزل الرئيس.. كيف اعتقل مادورو من غرفة نومه؟    أمم إفريقيا: مدرب مالي: تعاملنا بذكاء أمام تونس رغم النقص العددي    وكيله: حامد حمدان اختار بيراميدز من أجل الاستقرار وليس المال    كونسيساو: لاعبو اتحاد جدة بدأوا استعياب طريقتي    مجلس النواب يستقبل الأعضاء الجدد لاستخراج كارنيهات العضوية    في اليوم العالمي للغة برايل.. توزيع 2000 جهاز لاب توب مزود ببرامج خاصة لدعم الطلاب المكفوفين بالجامعات.. وصرف منح دراسية شهرية لأصحاب البصيرة    بدء جلسة محاكمة سفاح المعمورة بجنايات الإسكندرية في الاستئناف على إعدامه    الأرصاد تحذر من تكون الصقيع على المحاصيل الزراعية    وزارة الداخلية تضبط شخص يوزع أموالا بمحيط لجان حوش عيسى    انتظام امتحانات المواد غير المضافة للمجموع فى شمال سيناء    أستاذ علوم سياسية: ما يحدث في فنزويلا مغامرة عسكرية أمريكية وترامب يبحث عن نصر    الليلة.. "الملك لير" يحتفل بمرور 100 ليلة عرض على خشبة القومي    من الذاكرة إلى المستقبل.. قراءة يقدّمها المركز القومي للترجمة في التراث وقوته المستدامة    مايلي سايرس تحصد جائزة الإنجاز المتميز عن أغنية فيلم AVATAR: FIRE AND ASH    بعد نقل تبعيته، وكيل الصحة بالإسماعيلية تتفقد انتظام العمل بمستشفى التل الكبير (صور)    شوبير: الأهلي يبحث عن مهاجم تحت السن.. وجلسة فى الزمالك مع محمود بنتايج    ترامب: ديلسي رودريجيز أدت اليمين الدستورية رئيسة مؤقتة لفنزويلا    سعر الدولار أمام الجنيه اليوم 4-1-2026 في البنوك المصرية.. توازن نسبي بين العرض والطلب    صدمة في أسعار الذهب في بداية تعاملات الأحد 4 يناير 2026 بعد ارتفاعات الأمس    وزارة «التضامن» تقر قيد 6 جمعيات في 4 محافظات    جائزة ساويرس الثقافية تعلن تفاصيل حفل نسختها الحادية والعشرين    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    «الشروق» تكشف ملامح تشكيل المنتخب أمام بنين    الصحة: تنفيذ برنامج تدريبي مكثف لاعتماد مستشفيات الصحة النفسية    قافلة «زاد العزة» ال108 تدخل إلى الفلسطينيين في قطاع غزة    ماذا قرأ المصريون فى 2025؟    طوابع البريد تشعل أزمات سياسية وثقافية ودينية    الأوقاف 2026.. خطة بناء الوعى الدينى ومواجهة التطرف بالقوة الناعمة    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    يا زمالك مايهزك ريح    «الداخلية» تقرر السماح ل 122 مواطنًا مصريًا بالحصول على جنسيات أجنبية    اليوم.. نظر محاكمة 6 متهمين بخلية داعش السلام    ليست المرة الأولى.. فاركو يشكو حمادة القلاوي    بصوت نانسي عجرم... أغنية جديدة تُشعل عالم الطفولة في «بطل الدلافين»    إسماعيل شرف يكشف معركته الصعبة مع الورم الخبيث: "كنت على حافة الموت"    صور.. لقطات مهينة تظهر مادورو وزوجته داخل مبنى مكافحة المخدرات في نيويورك    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    لماذا يفضّل الرياضيون التمر؟    عيادة أسبوعية متخصصة لجراحة الأطفال بمستشفى نجع حمادي    نتيجة مباراة إسبانيول ضد برشلونة في الدوري الإسباني    برشلونة يحسم ديربي كتالونيا أمام إسبانيول ويعزز صدارته للدوري الإسباني    غدًا..«بيت الزكاة والصدقات» يبدأ صرف إعانة شهر يناير 2026م للمستحقين بجميع المحافظات    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل السيد البدوي ولي؟.. نسبه ومذهبه الفقهي ومكانته العلمية
نشر في صدى البلد يوم 11 - 10 - 2024

تحتفل الطرق الصوفية اليوم بمولد السيد البدوي، حيث مسجده بمدينة طنطا، وذلك على مدى أسبوع يختتم الخميس المقبل، وفي السطور التالية نرصد ما ذكرته دار الإفتاء
هل السيد البدوي ولي؟
تقول دار الإفتاء المصرية في تعريف الولي، إن الأولياء هم أهل القرب من الله تعالى؛ بأصل الوضع اللغوي لكلمة "ولي"؛ فالواو واللام والياء أصلٌ صحيحٌ يدل على القرب والدنو؛ كما قال العلامة ابن فارس في "مقاييس اللغة" (6/ 141، ط. دار الفكر)، ولذلك يُذكَرُ الله تعالى بذكرهم؛ كما جاء في الحديث القدسي: «إِنَّ أَوْلِيَائِي مِنْ عِبَادِي وَأَحِبَّائِي مِنْ خَلْقِي: الَّذِينَ يُذْكَرُونَ بِذِكْرِي، وَأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ» أخرجه أحمد في "المسند"، وابن أبي الدنيا في "الأولياء"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" من حديث عمرو بن الجَمُوح رضي الله عنه.
قال الإمام القُشَيْري [ت: 465ه] في "الرسالة" (2/ 416، ط. دار المعارف): [الولي له معنيان: إحداهما: فعيل بمعنى مفعول، وهو من يتولى اللهُ سبحانه أمره؛ قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196]؛ فلا يكله إلى نفسه لحظة، بل يتولى الحقُّ سبحانه رعايتَه. والثاني: فعيل مبالغة من الفاعل؛ وهو الذي يتولى عبادة الله تعالى وطاعته فعبادته تجرى على التوالي] اه.
نسب السيد البدوي
أحمد البدوي: هو السيد الشريف الحسيبُ النسيب، فرع الشجرة النبوية، وسليلُ البَضعة المصطفوية، أبو العباس شهاب الدين أحمد البدوي الحُسيني رضي الله عنه وأرضاه، المولود في فاس بالمغرب عام [596ه]، والمتوفى في طنطا بمصر عام [675ه]، المتصف بالصفات القويمة، والملقب بالألقاب الكريمة؛ كشيخ العرب، وأبي الفتيان، والملثم، والسطوحي، والسيد، وهو اللقب الملازم لاسمه الشريف، والذي صار في عرف أهل مصر عَلمًا عليه؛ بحيث ينصرف عند الإطلاق إليه، وهو ممَّن تربَّع على عرش الولاية الربانية، والوراثة المحمدية، وشهرته تغني عن تعريفه، وبركة سيرته تكفي في توصيفه، فهو قطب أقطاب الأولياء، وسلطان العارفين الأصفياء، وركن أقطاب الولاية لدى السادة الصوفية، وإليه تنسب الطريقة الأحمدية البدوية.
فأما نسبُه الشريف إلى سيدنا الحسين سبط النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فهو ثابتٌ بلا شك ولا ارتياب، باتفاق المؤرخين وعلماء الأنساب؛ كالشيخ يونس أزبك الصوفي، والمؤرخ المقريزي، والحافظين السخاوي والسيوطي، والعارف الشعراني، والعلامة الزبيدي وغيرهم، بل على ذلك إجماع كل مَن ترجم له: إما أن يذكر نسبتَه أو يلقبه بالسيد أي أنه من السادة الأشراف بلا خلاف.
ونسبه هو: السيد أحمد بن علي بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن عمر بن علي بن عثمان بن حسين بن محمد بن موسى بن يحي بن عيسى بن علي بن محمد بن الحسن بن جعفر بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الُحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان عليهم السلام.
وقد تواتر نسبه الشريف، وأطبق على صحته عدول الأمة ومؤرخوها ونُسَّابها، وألف معاصرُه الشيخ يونس بن عبد الله أزبك الصوفي رسالة مفردة في إثبات نسبه الشريف، وأثبت فيها أنه شهد على صحتها أشرافُ أهل المدينة المنورة ونُقباؤُها في زمنه؛ قال: [وكلُّهم يشهدون بذلك شهادةً لا يشكُّون فيها ولا يرتابون منها، وكفى بالله شهيدًا] اه، وقد نقلها بكمالها العلامةُ عبد الصمد بن عبد الله الطندتائي [ت: بعد 1028ه] في كتابه "الجواهر السنية في النسبة والكرامات الأحمدية" (ص: 32-40، ط. مكتبة الثقافة الدينية)، وقال: [وتداولها الناس من لدن عصره إلى وقتنا هذا، وكثرت واشتهرت] اه.
وكان رضي الله عنه يحمل وثيقة نسبه معه؛ تشرفًا بالانتساب لعظيم الجناب صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يطعن في نسبه الشريف أحد قط، فهو نسب مجمع على صحته، متفق على وثاقته.
وأمّا أمه: فهي حفيدة الإمام العارف أبي مدين الغوث رضي الله عنه؛ وهي: السيدة فاطمة بنت محمد بن أحمد بن عبد الله بن مدين بن شعيب الأنصاري رضي الله عنهم وأرضاهم.
نَسَبٌ كأنَّ عَلَيهِ مِن شَمسِ الضُّحَى *** نُورًا ومِنْ فَلَقِ الصباحِ عَمودا
ما فيهِ إِلَّا سَيدٌ مِن سَيِّدٍ *** حازَ المكارم والتُّقى والجُودا
الاحتفالات بمولده تبدأ غدًا.. ماذا قالت الإفتاء عن ولاية السيد البدوي وكراماته؟
متى مولد السيد البدوي 2024.. الصوفية تحتفي الجمعة وهذه أسرار السطوحي
المذهب الفقهي ل أحمد البدوي ومصنفاته
السيد أحمد البدوي رضي الله عنه عارفٌ إمامٌ مقرئٌ فقيهٌ من كبار علماء الأمة؛ فقد كان فقيهًا على مذهب الإمام الشافعي، وكان معتنيًا بكتاب "التنبيه" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي [ت: 476ه]؛ كما قاله العلامة الحلبي في "النصيحة العلوية" (ص: 95، ط. المكتبة الأزهرية للتراث)، وكان في العلم بحرًا لا يُدرَك له قرارٌ؛ كما قال معاصره الشيخ العارف عبد العزيز الديريني [ت: 694ه]، وترجمه الأئمة في طبقات فقهاء الشافعية؛ كما صنع شيخ الإسلام عبد الله الشرقاوي [ت: 1227ه] في كتابه "التحفة البهية في طبقات الشافعية" (ق: 187أ، خ. برلين)، وله مصنفات في الفقه بقيت منها "رسالة في الفرائض" محفوظة في "مخطوطات أوقاف المشهد الزينبي" و"المكتبة الأزهرية"، وكان يحفظ القرآن؛ كما ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمته، ويقرؤه بالقراءات السبع المتواترة -كما ذكر معاصرُه الإمامُ العارف أبو السعود بن أبي العشائر الواسطي [ت: 644ه] فيما نقله عنه صاحب "الجواهر السنية" (ص: 24)-، وتسلَّك بالشيخ بري، عن الشيخ أبي نعيم، عن الإمام السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه [ت: 570ه] -كما ذكر العلامة ابن الملقن في "طبقات الأولياء" (ص: 422، ط. مكتبة الخانجي)-، وأخذ الطريقَ عن العارف عبد الجليل بن عبد الرحمن النيسابوري -كما نقله العلامة الحلبي عن أخيه العارف السيد حسن في "النصيحة العلوية" (ص: 96)، وذكره الشيخ أزبك الصوفي؛ فيما نقله صاحب "الجواهر السنية" (ص: 42-43)-، وتلقَّنه عن الإمام القطب عبد السلام بن مشيش الحسني [ت: 626ه] -كما أسنده المحدِّث ابنُ عَقِيلَةَ في "مسلسلاته" (ص: 86، ط. البشائر الإسلامية)-، وروى عنه الصلاةَ المشيشية -كما في إسناد العلامة التاودي ابن سودة [ت: 1209ه] الذي أورده تلميذه الشيخ الحوّات في "الروضة المقصودة والحلل الممدودة في مآثر بني سودة" (ص: 332، ط. مكتبة ابن سودة)-، واجتمع بالإمام القطب أبي الحسن الشاذلي [ت: 656ه] -كما حققه العلامة الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في رسالته "رفع النقاب عن اتصال السيد البدوي بقطب الأقطاب أبي الحسن الشاذلي قدس الله سرهما" ونقله عنه الكمال الحلبي في "تبيان وسائل الحقائق" (1/ ق: 47أ-49أ مخطوط)-؛ فهو رضي الله عنه من صدور علماء الأمة العاملين، وكبار أوليائها الصالحين، وعارفيها المعتقَدِين، وأئمة آل البيت الطاهرين.
وهو من شيوخ التلقين بشهادة التوحيد؛ يتسلسل عنهم الإسناد بذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقَبِلَ السادةُ الصوفيةُ ذلك واعتمدوه؛ كما فعل مُسنِدُ أهل زمانه ع لامة الحجاز ومحدِّثُه الإمام ابن عَقِيلَةَ [ت: 1150ه] في "مسلسلاته" (ص: 86)؛ فذكر أنَّ السيد البدوي رضي الله عنه يروي حديث التلقين بكلمة: "لا إله إلا الله" عن القطب عبد السلام بن مشيش، عن الشيخ أبي مدين، عن الإمام أبي يعزى. قال: [وقد نقل هذا الحديثَ الشيخ يوسفُ العجميُّ الكوراني في بعض رسائله، ولم تزل السادة الصوفية يتلقونه بالقبول في سائر الأعصار والدهور] اه.
مبادئ طريقة سيدي أحمد البدوي
قد أرسى السيد البدوي رضي الله عنه طريقته على الكتاب والسنة، والتزام الواجبات الشرعية؛ فكان من وصاياه -فيما نقله العلامة النور الحلبي في "النصيحة العلوية" (ص: 159)-:
[طريقتنا هذه مبنيةٌ على الكتاب والسنة، والصدق والصفا، وحسن الوفا، وحمل الأذى، وحفظ العهود.. وأن يحافظ الفقير على الصلوات الخمس مع الجماعة في أوقاتها، مع الإتيان بشروطها وواجباتها وآدابها، وقد قيل: الصلوات الخمس سلسلة تجذب النفوس إلى مواطن العبودية؛ لأداء حق الربوبية، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾: إن الصلوات يذهبن الخطيئات. وأن يحافظ على نوافل العبادات، خصوصًا ما كان منها من المؤكَّدات..] اه.
وكان رضي الله عنه على الغاية العليا من الفتوة والشهامة والكرم، والرحمة وجبر الخواطر؛ يوصِي بإطعام الطعام في كل حين، والإحسان إلى الضعفاء والمساكين، ورعاية الأيتام والمحتاجين، وإكرام الغرباء والوافدين، وحسن الخُلُقِ مع الخَلْق أجمعين؛ ففي وصاياه لخليفته سيدي عبد العال -كما في "النصيحة العلوية" (ص: 151)-: [واعلم يا عبد العال أن الله تعالى قال في كتابه المكنون: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، يا عبد العال! أشفق على اليتيم، واكس العريان، وأطعم الجائع، وأكرم الغريب والضيفان؛ عسى أن تكون عند الله تعالى من المقبولين؛ لأن ما عاملت به الخلقَ: يعاملك به الحق، وما عاملت به الحقَّ: يعاملك به الخلق؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139]، وقد قيل: كن للنَّاس كما تحب أن يكونوا لك] اه.
مكانة سيدي أحمد البدوي وخلفاؤه عند العلماء والأمراء والحكام
السيد البدوي رضي الله عنه هو من الأولياء الذين كتب الله لهم القبول في الأرض عند العامة والخاصة؛ فقد كان معظَّمًا عند العلماء والأمراء، والأغنياء والفقراء، مُهابًا عند الحكام والمحكومين، مُعْتَقَدَ الولايةِ في الحياة وبعد الممات، ودخل مصر فحصل له القبول التام عند العلماء والحكام، والخواص والعوام.
فكان الملك الظاهر بيبرس البُندُقْدَاري [ت: 676ه] يستقبله ويكرمه وينزله في دار الضيافة الملكية، وكان يسافر لزيارته في طنطا؛ قال الإمام الشعراني في "الطبقات الوسطى" (ق: 103أ، مخطوط راغب): [ولمّا دخل سيدي أحمد إلى مصر خرج الملك الظاهر بيبرس أبو الفتوحات هو وعسكرُه فتلقوا سيدي أحمد، وأكرموه غاية الإكرام، وأنزله في دار الضيافة، وكان ينزل لزيارته لما أقام بناحية طندَتا، وكان يعتقده اعتقادًا عظيمًا] اه.
ويقول العلامة المؤرخ علي باشا مبارك [ت: 1311ه] في "الخطط التوفيقية" (13/ 49، ط. المطبعة الأميرية): [وكان في حياته معظَّمًا مُعتقَدًا عند الناس محبوبًا فيهم، مشهورًا في الآفاق، تعلوه هيبة ووقار، وكان الملك الظاهر أبو الفتوحات بيبرس البندقداري يعتقده ويبالغ في تعظيمه] اه.
وكان السلطان الأشرف أبو النصر سيف الدين قايتباي المحمودي [ت: 901ه] يزور ضريح السيد أحمد البدوي رضي الله عنه؛ كما في "نيل الأمل في ذيل الدول" (7/ 336، ط. المكتبة العصرية).
وكان خلفاء السيد البدوي رحمهم الله معظَّمين عند الحكام؛ قال العلامة الغزي [ت: 1061ه] في ترجمة شيخ الأحمدية بدر الدين الصعيدي [ت: 928ه] من "الكواكب السائرة" (1/ 27-28، ط. دار الكتب العلمية): [وكان مقبول الشفاعة في الدولتين، مسموع الكلمة عند ملك الأمراء فمَن دونه، وكان إذا دخل على نائب مصر انتصب له قائمًا، وانفرد به وقضى حوائجه، وقبل شفاعته، واعتبر كلامه، وأظهر ذلك بين خواصه وجماعته، وجعله أبًا له، وكان يقطع خصومات، وينفذ أمورًا لا يقدر عليها غيره، وكان يستخلص من القتل، وكان عليه السكينة والمهابة] اه.
وكتب الله لطريقته الأحمدية القبول في الأمة المحمدية، وكان له بمكة المكرمة زاويتان؛ كما يقول محدِّث الحجاز العلامة أبو البقاء العجيمي المكّي [ت: 1113ه] في كتابه "خبايا الزوايا لأهل الكرامات والمزايا" (ق: 5أ، مخطوطة دار الكتب المصرية)، واستمرت زاويته وزاوية والده قائمة إلى وقت قريب، ووُقفت عليها الأوقاف، وتولى نِظارَتَها أهلُ بيت الإفتاء في مكة؛ كما يذكر قاضي مكة ابن مرداد الحنفي [ت: 1343ه] في "المختصر من نشر النور والزهر" (ص: 370، ط. عالم المعرفة).
وبلغ من عظيم منزلته ورفيع درجته واتفاق العامة والخاصة على محبته: أن صارت محبتُه أمارةً على الصلاح والخيرية في الدين عند العلماء والمؤرخين؛ فرأيناهم لا يختلفون إذا ترجموا للأعيان على مدح صحة الاعتقاد في السيد أحمد البدوي رضي الله عنه أو دوام حضور مولده أو الانتساب له.
فهذا علّامة عصره الإمام الحافظ المؤرخ الشمس السخاوي [ت: 902ه] يَعُدُّ اعتقادَ الولاية في السيد البدوي، والمواظبةَ على حضور مولده الشريف كل عام: مِن علامات الخيرية والديانة ومحمودِ الصفات وجميلِ الأفعال؛ فيقول في ترجمة خوند شكرباي [ت: 870ه] زوجة السلطان خشقدم من كتابه "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" (12/ 68-69، ط. دار مكتبة الحياة): [(شكرباي) الجركسية الناصرية الأحمدية زَوْجَة الظَّاهِر خشقدم.. وكانت منطوية على خير وَدين، محمودة الأفعال والأقوال، معتقدة فِي سيدي أَحْمد البدوي، متوجهة لمولده في كل سنة، رحمها الله وإيانا] اه.
وصار من مناقب الأعيان المترجَمين عند العلماء والمؤرخين: السفر السنوي إلى المولد الأحمدي، وعدَّ العلماء ذلك ممَّا يُذكَرُ فيُشكَر؛ حتى إنهم وثَّقُوا سفر السيدة المذكورة إلى المولد الأحمدي على جهة المدح والإكبار، وعدوه من الحسنات الكبار؛ كما صنع الحافظ السخاوي في "وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام" (2/ 746، ط. مؤسسة الرسالة)، ومثله الإمام زين الدين بن شاهين الظاهريّ الملطيّ الحنفيّ [ت: 920ه] في كتابه "نيل الأمل في ذيل الدول" (6/ 143، ط. المكتبة العصرية).
بركات السيد البدوي على مدينة طنطا
السيد البدوي رضي الله عنه من الأولياء الذين عمّر الله بهم البلاد، وزكّى بهم العباد، فمنذ حلَّ في طنطا -عام 634 من الهجرة النبوية الشريفة- بدأت تعمر محلتها، وتزداد شهرتها، وتكثر أبنيتها، وتتسع عمارتها، وأصبح يقصدها القُصَّاد، ويرتادها الرواد، ويأتيها الزوار والعُبّاد؛ فازدهت عمرانًا بشريًّا، ومركزًا تجاريًّا، ومزارًا إسلاميًّا يُقصَدُ للاحتفال بالمولد النبوي فيه من جميع الأنحاء، وتُشَدُّ له الرحال من سائر الأرجاء؛ وصار ذلك -كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني فيما نقله عنه الإمام الشعراني في "الطبقات الوسطى" بخطه-: [يومًا مشهودًا؛ يقصده الناس من النواحي البعيدة، وشهرة هذا المولد في عصرنا تغني عن وصفه] اه.
قال العلامة على باشا مبارك في "الخطط" (13/ 50): [ويؤخذ من كلامه أنَّ أصلَ مولدِ السيدِ: مولدُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يُعمَل عنده، ويدل لذلك: أن وفاة السيد كانت في ثاني عشر ربيع الأول، وهو وقت عمل المولد النبوي] اه.
ومن بركات السيد البدوي على طنطا: أنها صارت بقدومه إليها بلدًا علميًّا سامقًا ومعهدًا قرآنيًّا باسقًا، وصار تدريس القرآن والعلم فيها عريقًا، وازدانت بالعلماء والقُرّاء بريقًا؛ فنشأت فيها حركة علمية، ومنظومة تعليمية، ومدرسة قرآنية، صار فيها الجامعُ الأحمديُّ شقيقَ الجامع الأزهر، وانتسب إليه فطاحل العلماء والأولياء، وتخرّج منه كبارُ الفقهاء وأعاظم القُرّاء الذين تربعوا على عرش القراءة القرآنية؛ بحيث اشتهر بين علماءِ مصرَ قولُهم: "العلم أزهريٌّ، والقرآنُ أحمديٌّ"، وهي مقولة يأثرها القراء وعلماء القراءات عن شيخ المقارئ المصرية وإمام أهل القراءة في عصره ومصره العلامة شمس الدين محمد المتولي الكبير [ت: 1313ه].
تبرك العلماء بتسمية أولادهم باسم سيدي أحمد البدوي
وبلغ ممَّا وضعه الله لوليه السيد أحمد البدوي رضي الله عنه من القبول عند الخاصة والعامة: أن سمَّى العلماءُ أولادَهم العلماءَ باسمه ولقبه معًا "السيد البدوي" تيمنًا وتبركًا؛ حتى كثر ذلك في الناس: كالشيخ العلامة محمدَا بن أبي أحمد الأموي المجلسي الشنقيطي، وولده هو العلامة النسابة أحمد البدوي الشنقيطي المجلسي [ت: 1208ه] صاحب نظم "عمود النسب"؛ حيث سمّاه ولقبه "بأحمد البدوي" تيمنًا باسم السيد البدوي ولقبه رضي الله عنه، كما ذكره صاحب "رياض السيرة والأدب، في إكمال شرح عمود النسب" (1/ 3، ط. دار الفتح).
وكالشيخ العلامة المحدِّث السيد محمد أبو النصر الخطيب الشافعي [ت: 1325ه]؛ حيث سمى ولده "السيد أحمد البدوي شيخ العرب" وأصبح ولدُه قاضيَ معرة النعمان؛ كما ذكر العلامة عبد الستار الدهلوي الصديقي [ت: 1355ه] في "فيض الملك الوهاب المتعالي بأنباء أوائل القرن الثالث عشر والتوالي" (3/ 1705).
وكإمام الجامع الأحمدي الشيخ إبراهيم بن إبراهيم الظواهريّ الشافعي [ت: 1325ه]؛ فإنه سمى ولدَه "بمحمد الأحمدي" تيمنًا باسم السيد أحمد البدوي رضي الله عنه، وولدُه هو شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الأحمدي الظواهري إمام الجامع الأزهر [ت: 1363ه].
بل صار جامعه المبارك منتسبًا إليه؛ كما قال الشيخ الأكبر محمد الأحمدي الظواهري في "السياسة والأزهر" (ص: 162، ط. مطبعة الاعتماد): [وقد سمي الجامع "بالأحمدي" نسبة إليه، وأضيفت كلمة السيد قبل اسمه للتكريم؛ فأصبح مشهورًا بالسيد أحمد البدوي، وهو مشهور بين الناس في مصر، ويرد لزيارة قبره الألوف من الناس في كل عام، وخصوصًا أيام الاحتفال بموالده الثلاث] اه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.