تشدني بقوة, وتأسرني, مسألة احترام الإنسان لوالده, وفخره واعتزازه به, خاصة إذا كان شخصية عامة أو مشهورة. ينطبق ذلك علي الصديق السفير/ محمود كارم محمود, الذي تعرفت عليه عندما كان سفيرا لمصر في طوكيو, ثم هو الآن زميل لي في المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي يتولي أمانته العامة. فمحمود هو ابن المطرب المصري الشهير الراحل كارم محمود الذي توفي في يناير1995 بعد رحلة عطاء طويلة في عالم الموسيقي والغناء, منذ تخرجه في معهد الموسيقي العربية عام1944, تحت رعاية كبار الموسيقيين في ذلك الحين, وكان صوته القوي والمميز دافعا لبطولته لعدد من أهم الأوبريتات في مصر, مثل العشرة الطيبة لسيد درويش, وألف ليلة وليلة لبيرم التونسي إلخ. واشتهرت أغانيه المعروفة( علي الأقل بالنسبة لجيلي!) مثل: علي شط بحر الهوا, وأمانة عليك ياليل طول, وسمرة يا سمرة, ويا حلو ناديلي, ويانا يالعزال إلخ. غير أن ما يلفت نظري هو أغانيه ونشاطه السياسي, خاصة أنه صاحب الأغنية المشهورة أمجاد يا عرب. فقد سافر كارم محمود إلي المغرب العربي في ذروة نضاله ضد الاستعمار الفرنسي في أواسط الخمسينيات. وعندما اختطفت القوات الفرنسية عام1956 الطائرة التي كانت تقل الزعماء الخمسة للثورة الجزائرية من المغرب إلي تونس, واعتقلتهم, أشعل ذلك الحادث مشاعر الغضب والسخط في العالم العربي علي فرنسا, وغني كارم محمود لهم: باسم الأحرار الخمسة, حانقيدك نار يا فرنسا! وكان ذلك هو السبب في اعتقاله واختفائه المفاجئ, وانقطاع صلته تماما بأسرته في مصر, حيث اعتقدوا أنه قد مات! كل هذه الذكريات وغيرها يستذكرها محمود كارم محمود عن والده, وعن الطريقة الراقية التي رباه بها. وأخيرا, لا ينسي محمود أنه عندما كان في زيارة عمل للجزائر, زار مدينة عنابة شرق الجزائر, ففوجئ بترحيب به من أهل المدينة, وسرعان ما ذكروه بأنه ابن كارم محمود الذي تغني باسم مدينتهم في أغنيته المشهورة عنابي يا خدود الحليوة! نقلا عن الاهرام