لم أكن من الذين يعتقدون أن أزمة نقابة الصحفيين العريقة ، التى أشرف بالانتماء إليها ، مع وزارة الداخلية ، التى أكن لها كل تقدير لدورها الوطنى ، أن تصل إلى الطريق الذى وصلت إليه خاصة بعد تدخل أطراف ، أظن - وليس كل الظن إثما – أنها ساعدت فى تأجيح الأزمة بين الطرفين ، فى حين أن تلك الأطراف كان متوقعا منها أن تساهم فى إنهائها أو على الأقل احتوائها. فلم أكن أتصور أن مطالبة البعض – وأنا منهم – بتدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى لإنهاء الأزمة ، من الصعوبة بمكان ، أو أنه مطلب فاق حقوقهم كمواطنين أولا وصحفيين ثانيا ، يرون فى رئيس الدولة الحكم بين السلطات ، والقلب الكبير الذى يسع جميع الأبناء المختلفين ، ويقرب بينهم ، وأعتقد لو أن هذا حدث لانتهت الأزمة بشكل يرضى الجميع ويعلى من صالح الوطن. فقد سبق وأن حذرت مرارا وتكرارا من أن إطالة أمد الأزمة ، سوف يفتح الباب لمن يريد استثمارها لأهداف أخرى وتحديدا من جانب قوى الشر ، التى تريد مزيدا من تصعيد الأزمة ، ليس دفاعا عن النقابة أو عن الصحفيين بقدر رغبتها فى إحداث أزمة داخلية بين جهتين ، مفترض فيهما أنهما سلطتان من سلطات الدولة ، وصولا إلى أزمة وطن ، تعتقد تلك القوى أنها كفيلة بالقضاء على شعبية الرئيس وتأليب الرأى العام ضده ، وهو مالم ولن تنجح فيه قوى الشر التى أصبحت معروفة ومعروفة أهدافها. وتأكيدا على موقفنا الثابت فى تلك الأزمة ، أن هناك صدام قانونى بين السلطات أدى إلى تفجر الأزمة ، وأدى التجاهل القانونى لكل جهة وعدم قيام كل واحدة منها بايضاح الموقف فى بدايته ، أدى إلى مزيد من الأزمة ، حتى دخلت جهات أخرى على الخط ، ساهمت وبشكل مباشر فى تفاقم الأزمة ، والسبب أيضا قانونى. ففى أسباب الأزمة كان القانون، وهو كما أوضحنا فى مقال سابق نتيجة صدام مع قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 وتحديدا المادة 70 منه وهو الأمر الذى بررته الداخلية بأنها التزمت أيضا قانونها ونفذت أوامر النيابة العامة مبررة ذلك بأنها جهة تنفيذ التزمت بالقانون. كان التصعيد أيضا مستندا إلى القانون، فرأت نقابة الصحفيين أنها تعرضت لانتهاك قانونى وهو ماحدث بالفعل ، فلجأت إلى عقد اجتماع مع أعضاء الجمعية العمومية خرجت منه بتوصيات قال عنها البعض إنها قرارات والتبس عليه انها قانونية ، وظل التمسك بها وبما خرجت به من توصيات ، حتى أن النقابة فرضت عقوبات على صحف بمخالفة توصيات الإجتماع ، وتم إيصال رسالة إلى الجميع بأن الاجتماع قانونى وقراراته ملزمة، وهو الأمر الذى التزم به البعض أدبيا وليس قانونيا. مع تزايد الأزمة بدأ شق الصف الصحفى والهجوم المتكرر على النقابة ، فقام عدد من الصحفيين بعقد اجتماع فى مؤسسة الأهرام التى تعتبر نفسها أول مؤسسة استضافت وناقشت فكرة انشاء نقابة للصحفيين قبل أكثر من قرن من الزمان ، واطلقت على اجتماعها "الاسرة الصحفية" رغم ما تم الترويج له عن أنه جبهة لتصحيح مسار اداء النقابة العامة للصحفيين ، وهو المسمى الذى تراجعت عنه الأهرام حتى تحسن من موقفها. خرج اجتماع الأهرام ببيان يقول عنه الصاغون له أنه قرارات ونظروا اليها على أنها أيضا قانونية فى حين أنها تخالف قانون النقابة ولائحتها الداخلية. دخل على الخط مجلس النواب الذى أعلن رئيسه أن الداخلية قامت بتنفيذ القانون ولم تقتحم نقابة الصحفيين ، فى وقت شهدت فيه جلسة المجلس النيابى هجوما شديدا على الصحفيين وصل الى حد "شيطنتهم" خاصة من النواب الذين كانوا ينتمون الى مؤسسات الدولة فى السابق ، وألقى رئيس البرلمان د.علي عبد العال بيانا لم يلق استحسان الصحفيين ، الذين وصفوه بأنه يفتقد أيضا الى القانون ، مما دفع بنقيب الصحفيين يحيى قلاش لأن يقوم بارسال خطاب لرئيس المجلس النيابى يوضح فيه حقيقة الأمر. الكل يريد الاستناد الى القانون والكل يتجاهل القانون ليصبح القانون هو العنصر الغائب فى أزمة الصحفيين مع وزارة الدخلية ، وغياب هذا العنصر الهام والحيوى على الجميع أدخل الكل فى أزمة ، أخطرها فى تقديرى مع المجتمع والرأى العام الذى تتكالب عليه أجهزة لتشويه صورة الصحفيين ، وتقديمهم على أنهم ضد الوطن ، وتصوير نقابتهم على أنها تحولت الى مأوى للخارجين على القانون تحت مزاعم حرية الرأى والتعبير. فى تقديرى إذن أن غياب القانون أدى الى مشاكل كثيرة ، ساعد فى تأجيجها ترك ازمة نقابة الصحفيين مع وزارة الداخلية دون تدخل سيادى مما سمح باتساع رقعتها ، وكأنها عملية مقصودة تهدف بالدرجة الأولى الى تشويه صورة الصحفيين. إجمالا لابد من الإقرار بأن ثمة خطأ هنا أو هناك تم ارتكابه ، لكن كان ينبغى أن يتم تصويبه وبشكل يعمل على الوئام وليس الخصام، يعمل على اللحمة وليس الفرقة ، يعمل على التقارب وليس التباعد ، سواء كان ذلك بين أبناء مهنة الصحافة أو بين أجهزة الدولة المختلفة ، أو بين هذا وذاك وبين المواطنين أنفسهم الذين تمثل الصحافة سلطة رقابية لهم. فالصحفيون لم يكونوا يوما ضد مصلحة بلادهم ، ولم يكونوا يوما دعاة صدام مع أجهزة الدولة ، وإنما هم وطنيون بالدرجة الأولى بذلوا جهدهم وأرواحهم فداء للوطن فى كل المعارك التى خاضها ضد العدو سواء الخارجى أو حتى عدو الداخل ، وكل مايسعون إليه فى قضيتهم ، هو إعلاء سيادة القانون ، والتأكيد على أنه لا أحد فوق المساءلة ، وهذا هو الطريق الى دولة المؤسسات التى ينشدها الجميع ، فدور الصحفيين وطنى ، وهدفهم ونضالهم دفاعا عن كيانهم وعن قانونهم حق مشروع. وعود على بدء ، كما سبق وأن طالبت بتدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى لنزع فتيل الأزمة قبل تفاقهما ، أؤكد أنه لا حل نهائى لها والعودة بها الى المربع صفر سوى بتدخل الرئيس الذى هو بالأساس رئيس لكل المصريين ، يحظى بحبهم وتأييدهم له ، ومعروف عنه حرصه ودعمه لاستقرار الوطن.